سياسة مختارات مقالات

خفايا وكواليس اغتيال عرفات .. في الجزء الثالث من نظرة في مذكرات كونداليزا رايس

خفايا اغتيال ياسر عرفات؟!

بقلم الكاتب المصري الكبير/ مجدي منصور

هذا هو الجزء الثالث من قراءتي في مذكرات مستشارة الأمن القومي ووزيرة الخارجية الأسبق (كونداليزا رايس). وأقول إن أحد أهدافي من قراءة تلك المذكرات هو أن نعرف كيفية صنع واتخاذ القرار في الساحة الدولية.

ربما حين يقرأ البعض ممن يصنعون القرار لدينا اليوم أن يعرفوا أن صناعة القرار تأتى بناء على ثوابت تاريخية وجغرافية وأمنية ومصالحيه ثابتة لا تتغير من رئيس لرئيس (سواء كان جنرالاً سابقاً اسمه آيزنهاور أو ممثلاً فاشلاً اسمه ريجان أو رجل أعمال تُحاصره علامات التعجُب وتحوطه علامات الاستفهام من كل جانب اسمه دونالد ترامب!!).

أو من إدارة لإدارة (جمهورية كانت أم ديموقراطية).

فالخط العام (للاستراتيجية) ثابت بينما (التكتيك) هو الذي يتغير.

وذلك ما تعرفه الأمم الحية المحترمة المتمسكة بتاريخها والثابتة على مصالحها والعالمة لحدود وضرورات أمنها، وليس كما يفعل المتسكعين (رؤساءً أو ملوكاً أو أمراءً) على الأرصفة التاريخية في جمهوريات وممالك وإمارات الموز العربية !!

يتبقى لي ملاحظة، وهي أن القارئ الكريم سيجدني اليوم أتدخل كثيراً بالتعليقات على فقرات مذكرات كوندي لإيضاح الصورة أكثر، وذلك أمر لم يكن منه بُدٍ، وإلا لما ظهرت الصورة كاملة أمام أعين القارئ.

إسرائيل تتشكك حتى في حلفاءها!

تقول كوندي:

كان الرئيس بوش (الابن) موضع ثقة في إسرائيل بفضل دعمه المعلن لحق إسرائيل في الدفاع عن نفسها بمواجهة الارهاب الواقع عليها في بداية ولايته الرئاسية. وأنا أيضاً جعلت نفسي صديقة لإسرائيل حيث جعلت جهودنا في الحرب على الإرهاب مرتبطة بكفاح إسرائيل. وذات مرة قلت أمام الصحافة:

 «لا يستطيع المرء أن يدين القاعدة، وفى الوقت نفسه يحتضن حماس»

وهذا ما بعث السرور والسعادة في نفوس الإسرائيليين.

ومع ذلك حتى على قاعدة هذه الثقة، كانت كل محاولة إلى تغيير الوضع تُقابل بالشك والريبة ومحاولة مساومات على كل كلمة. وكانت الاختلافات مع إسرائيل تُنقل فوراً إلى الكابيتول (مقر الكونجرس)، وإلى جماعات الضغط مثل لجنة العلاقات الأمريكية الإسرائيلية (إيباك AIPAC).

وأكثر من ذلك كان لهذه الجماعات خط مباشر إلى داخل البيت الأبيض، وتحديداً عبر مكتب نائب الرئيس (ديك تشيني).

تعليق:

إسرائيل من صاحبة نفوذ لصاحبة سيطرة!

لعل إسرائيل نموذج للدولة الوظيفية المُلتصقة وهو نموذج يجب أن يُدرس، فإسرائيل ارتبطت في بداياتها بالإمبراطورية الفرنسية وبمجرد أن شحبت أضواء (باريس) جرت على الفور لتلتحق بشمس الامبراطورية البريطانية في (لندن) ، وبعد معركة السويس مع مصر (الناصرية) 1956 حولت عطائها على الولايات المتحدة، وتلقت البركة من البيت الابيض في (واشنطن)! لتتلقى منه الحماية من العرب الاشرار، وعلى رأس هؤلاء زعيم الاشرار (جمال عبد الناصر) كما قال (موشى ديان) ل (ماك جورج باندى) مستشار الامن القومي في ادارة (كنيدي).

بعض رؤساء وزراء إسرائيل

لكن الفرق أن اسرائيل بعد فترة شبت عن الطوق وأصبحت تمتلك قراراها الذي به تستطيع ان تقول لراعيها الذي يصرف عليها ويُعطيها السلاح والهبات بملاء الفم (لا) sorry!

وكمثال على امتلاك الإسرائيلي لقراره الوطني؛

حينما كان المفاوض الإسرائيلي مع نظيره الفلسطيني في واشنطن في احدى جلسات التفاوض اقترح المفاوض الفلسطيني اقتراحاً وقال: “أن الادارة الامريكية توافق عليه وتُأييده”

فما كان من (يورى سافير) رئيس الوفد الإسرائيلي أن قال لنظيره الفلسطيني:

«إن المخول بالقبول او الرفض هي الحكومة الإسرائيلية المنتخبة ديموقراطياً في تل أبيب وليس الادارة الامريكية في واشنطن، وأنا هنا من يمثلها وانا أقول لك أن اقتراحك مرفوض».

وأضاف:

«لا تتخيل لأننا موجودون في واشنطن فسنقبل ما تقوله لنا الخارجية الامريكية ولا حتى البيت الابيض مثل ذلك يمكن ان يحدث معكم وليس معنا، نصيحتي لك أفق من هذا الوهم سريعاً» !!.

ولعل إسرائيل بطموحها واجتهادها استطاعت أن تتحول من دولة لها (نفوذ) على السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط، لدولة (مسيطرة) على السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط وهو ما صرحت واعترفت به كوندى نفسها في مذكراتها الجزء الأول من تلك السلسلة.

(انتهى التعليق).

وتضيف كوندى:

لذلك كثيراً ما كان ذلك يؤدى إلى مشكلة مع وزارة الخارجية التي كانوا ينظرون إليها على أنها قلعة من المشاعر المؤيدة للعرب.

تعليق:

وهم إسرائيل عن وزارة الخارجية!

كانت إسرائيل دائماً تشتكي من جناح مشرقي في وزارة الخارجية الأمريكية، تحسبهم يميلون تجاه وجهة النظر العربية ولو بالتعاطف المجرد عن أي تأثير محسوس أو ملموس. وهي على حسب ما اطلعت عليه من وثائق إسرائيلية وأمريكية تتبع هؤلاء الموظفين الى حد الهوس، وتحاول إقصاءهم من مواقعهم لدرجة تبلغ حد التشنج وهي في كل الأحوال رافضةً لكل ما يقولوه، ناقمةً على كل ما يفعلوه.

(انتهى التعليق)

 رأى بوش وشارون في عرفات كما تصرح به كوندى!

تضيف كوندى:

كان بوش كما شارون (رئيس الوزراء الإسرائيلي وقتها) يرى أن عرفات فاسد وغير راغب في اتخاذ الخطوات الصعبة من أجل السلام.

ولكن عندما أوقفت البحرية الإسرائيلية بإسناد متواصل من الولايات المتحدة العبارة (كارين آ) التابعة للسلطة الفلسطينية محملة بالأسلحة ومتوجهة إلى غزة كُشف لأمر ازدواجية ونفاق عرفات.

عقد مجلس الأمن القومي اجتماعاً بعد بضعة أيام لدراسة ومناقشة هذه الحادثة على السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط. والمزعج أن هناك احتمالاً أن تكون تلك الأسلحة قادمة من طهران وذلك ما كُنا لنسمح أو نرضى به أبداً.

«وعكفنا على دراسة بدائل لعرفات، ولكن ينبغي أن نكون حذرين، وخصوصاً مع الإسرائيليين في توضيح نيتنا في إجراء تغيير سلمى، وليس اغتيال عرفات».

تعليق:

شارون وعرفات .. قصة كراهية تنتهي بالاغتيال!

إن من تعاملوا مع شارون أمريكيين أو عرب نسوا أنه لم يوافق يوماً على اتفاقية أوسلو، ولم يقتنع في أي وقت من الأوقات بوجود سُلطة وطنية فلسطينية، وهو كان يعتبر هذه السُلطة كما قال بعظمة لسانه:

«هذه السُلطة الفلسطينية اختراع من اختراعات حزب العمل».

«وعرفات، كاد يذهب إلى (النسيان) لولا اعتراف إسرائيل في أوسلو بمنظمته الإرهابية. وتلك تقليعه من تقاليع شيمون بيريز جر إليها رابين رُغماً عنه».

مشهد خلال التوقيع على اتفاقية أوسلو في واشنطن في سبتمبر 1993م

وفى باب التفاصيل التي أصبحت معروفة أن اللقاء الأول بين بوش وشارون في واشنطن والذي جاء في أعقاب التفجير الكبير في ملهى ليلي إسرائيلي قرب تل أبيب “قتل فيه ١٦ وجرح ٤٩ ” إسرائيلياً، وأبدى “شارون” عزمه على توجيه ضربة قاصمة للسلطة الفلسطينية تكسر أو تنهى وجودها في الضفة وغزة.

وطرح “شارون” ضمن ما طرح اقتراحاً بتصفية “ياسر عرفات” أو طرده من غزة.

وكان رأي وكالة المخابرات المركزية الأمريكية – وكان مديرها “جورج تنيت” يشارك في النقاش.

نصيحة المخابرات المركزية الأمريكية باستدعاء السوابق العربية!!

 وقال “جورج تنيت”:

«إن التفكير في تصفية “عرفات» ـ على الأقل في الظروف الراهنة خطر مؤكد ذلك أنه إذا تمت تصفيته جسدياً فذلك يحوله إلى شهيد تُحارب أعلامه حتى بعد موته، وإذا جرى طرده من غزة بالقوة فذلك سوف يحوله إلى بطل يلتف حوله الجميع حتى في المنفى.

وكان تقدير “تنيت” أن “عرفات” ما زال له دور يؤديه ولا داعي «لحرق المراحل» بتصرفات متسرعة وغير مضمونة.

وكان تقدير “تنيت” بعد ذلك أنه عندما تنشأ ضرورة «عصر ما بعد عرفات» فإنه من الأفضل إزاحة الرجل دون عنف مع إبقاء السلطة الفلسطينية واجهة يمكن التعامل معها ولو في مطالب ضبط الأمن.

وبالتالي فلا بد من إيجاد «بديل لعرفات» يقبل بالمهمة ويستعد لها وبحيث يبدو «عصر ما بعد عرفات» نوعاً من التغيير الطوعي الفلسطيني وليس نوعاً من التغيير القسري الإسرائيلي (طرح أحد مسئولي المخابرات المركزية ثلاثة أسماء يمكن اختيار أحدهم مرشحاً لمسئولية “عصر ما بعد عرفات”).  

ثم عادت المناقشة إلى سياقها باقتراح «أنه عندما تجيء ساعة عصر ما بعد عرفات» فإن هذا العصر يمكن أن يبدأ بقدر معقول من حُسن السياسة وحُسن الإدارة وذلك أمر له سابقة في السياسة العربية من قبل وهي سابقة يمكن تقليدها حتى مع اختلاف الظروف.

وكانت السابقة التي وقعت الإشارة إليها في هذا النقاش في واشنطن ـ أثناء زيارة “شارون” الأولى، هي ما جرى مع الرئيس “جعفر نميري” عندما قام في السودان انقلاب عسكري عليه أثناء غيابه عن الخرطوم ما بين أمريكا وأروبا، تاركاً مسئولية الأمن معلقة بثقته في ولاء الفريق “سوار الذهب”.

 وعندما علم “جعفر نميري” بأمر الانقلاب سارع بطائرته عائداً إلى بلاده، ثم عرف عند وصوله إلى القاهرة أن نائبه الفريق “سوار الذهب” انضم إلى الانقلابيين، وبدا أن ذلك زاده إصراراً على مواصلة السفر إلى الخرطوم لينتقم من الجميع: الانقلابيين و”سوار الذهب”.   

لكن جعفر نميري تلقى في مطار القاهرة من الرئيس “حسني مبارك” وعلى امتداد ساعتين في استراحة الرئيس سمع نميري من مبارك      نصيحة ودية تطرح عليه «أفضلية البقاء في القاهرة» وتجنيب السودان وجيشه محنة انقسام مؤكد إذا أصر على مواصلة السفر إلى الخرطوم بطلب الانتقام.

وكان الرأي في مناقشات واشنطن أن هذه السابقة يمكن «تقليدها» مع “عرفات” كما سبق مع “نميري”.

وبالتالي فإن عصر “ما بعد عرفات” له أن يبدأ من “نصيحة ودية” بدلاً من عنف قد يكون دموياً وقد ينتج عنه دون مبرر شهيد أو بطل في حين أن “نميري” تحول بعد سنوات من المنفى في القاهرة من “مُطالب بالانتقام” إلى “مُطالب بالعفو”!]

وفى باب التفاصيل أيضاً:

كتب الصحافي الإسرائيلي “أوري دان” في كتابه (أسرار شارون)، الصادر في إسرائيل عن دار يديعوت احرونوت للنشر:

أنه فقط في 14نيسان (أبريل) 2004 نجح شارون بالتحرر من تعهده لبوش، الذي أطلقه في آذار (مارس) 2001، بعدم المس بعرفات، وخلال لقاء في البيت الأبيض قال شارون لبوش:

«إنه لا يعتبر نفسه ملتزما بذلك الوعد الذي نجح الرئيس الامريكي في إخراجه منه أثناء لقائهما الأول».

وبحسب دان، وهو أحد أكثر المقربين من شارون منذ سنوات الخمسين ورافقه في الكثير من سفراته وبينها زيارة البيت الأبيض في نيسان (أبريل) 2004، فإن بوش رد على شارون قائلا:

«إنه ربما من الأفضل إبقاء مصير عرفات بأيدي قوة عليا، بأيدي الله».

 وأجاب شارون: «ربما يتوجب أحيانا مساعدة الله».

وتابع دان:

 أن بوش لم يسقُط عن الكرسي لدي سماعه أقوال شارون وعزمه الواضح على اغتيال الرئيس الفلسطيني، لكنه لم يمنح شارون أبداً ضوءً أخضر لتصفية عرفات، وفي المقابل لم يفرض عليه عدم المس بعرفات.

وقد شعر رئيس الوزراء الإسرائيلي في ذلك الحين وكأنه تحرر من عبء ثقيل، خصوصا أنهما كانا قد تفاهما في لقائهما الأول علي أن لا يفاجئ أحدهما الآخر.

وكشف دان في كتابه عن أن الجيش والمخابرات الإسرائيليين كانا قد أعدا خطة للقبض علي عرفات، الذي كان محاصراً في مقره بالمقاطعة في رام الله، بأمر من شارون بعد عملية انتحارية وقعت في أيلول (سبتمبر) 2003، لكن تسريبات من جانب موظفين وسياسيين إسرائيليين لمسؤولين في وزارة الخارجية الامريكية حالت دون تنفيذ الخطة.

وردد شارون مرات عدة في أذن دان أنه تمني أن يكون قائد سَرية أو كتيبة عسكرية وأرغب في تسوية الأمر في المقاطعة بنفسي.

ولفت دان إلي أن مسؤولين في الإدارة الامريكية، وخصوصا وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس، كانت تطالب في كل مرة اقتربت فيها القوات والجرافات الإسرائيلية من المقاطعة بعدم التعرض بأذى لعرفات.

لكن في إحدى المحادثات بينهما وبعدما كرر دان السؤال:

لماذا لا يتم القبض علي عرفات أو قتله؟

قال له شارون: «دعني أعالج الموضوع بطريقتي يا أوري».

وقبل أسبوع من وفاة عرفات في مستشفى برسي العسكري قرب باريس كان دان قد أيقن إن الرئيس الفلسطيني مشرف علي الموت، وكتب في مقال نشره بصحيفة معاريف يوم 4/11/2004

«إن كتب التاريخ ستذكر رئيس الوزراء أرييل شارون كمن اغتال ياسر عرفات من دون أن يقتله».

وأضاف دان في السياق، ذاته إنه خلال العام 2005 زار رئيس الوزراء الإسرائيلي فرنسا والتقي الرئيس جاك شيراك. وبعد وقت قصير من انتهاء اللقاء وجه دان سؤالا لشارون بعد عودته الي الفندق الذي نزلا فيه.

هل من الجائز أن يكون موت ياسر عرفات (الذي حظي بدعم ورعاية فرنسا)، قد ساهم في أن يفرش لك شيراك بساطا أحمر عندما التقاك في الإليزيه؟

فرد على ذلك بالقول: لم يتوجب علينا الانشغال بالتاريخ. من الأفضل أن ننشغل بالمستقبل هذا (موضوع) يتعلق بالماضي.

مشكلة كوندى مع الرئيس المصري!

تقول كوندى في مقطع أخر:

كان لدينا مشكلة استثنائية مع الرئيس المصري حسنى مبارك. هذا الرئيس المتقدم في السن يعتبر نفسه الخبير الثقة بهذا الموضوع بالنظر لمعاهدة السلام التاريخية بين بلده وإسرائيل، فهو يرى نفسه المفتاح لأي اتفاق بين الإسرائيليين والفلسطينيين.

ولديه نزعة بان يحاضر أمام محاوريه حول المنطقة، وكان الأمر يبدو وكأن الحوار يسير باتجاه واحد.

ألقى الرئيس بوش الابن خطاب كان ملخصه: «عرفات يجب أن يذهب إذا كنا نريد سلاماً في الشرق الأوسط» شعر مبارك بعد الخطاب بالخيانة لأن أحد لم يبلغه شيئاً عن مضمون الخطاب قبل القائه.

التقى بوش الابن برئيس وزراء بريطانيا توني بلير الذي أيده في ابعاد عرفات، وقال له:

«لقد حاولت جاهداً كما فعل الآخرون لجعل عرفات يقوم بالإصلاح ولكنه كان يقاوم ذلك بكل جهوده وفشلت كل مساعينا».

ثم يقول بلير جملة ذات معنى ودلالة:

«لا تقلق كثيراً من ضجة العرب، سوف تهدأ ضجة العرب عما قريب».

ثم تذكر كوندى أن بلير قال لبوش:

«إن العرب يعرفون بأن عرفات لن يصنع السلام، مع أنهم لا يريدون الاعتراف بذلك جهاراً، كما أنهم لم يرتاحوا للتأكيد على الديموقراطية الفلسطينية، لأن إبعاد عرفات يقلقهم على كراسيهم الذين يجلسون عليها رُغماً عن شعوبهم».

ثم تتحدث كوندى عن ضغطهم الدائم على الجانب العربي من أجل حلحلة بعض الأمور حتى يرضى الجانب الإسرائيلي. ثم تقول ملاحظة ذات دلالة وهي: «أن السعوديون أخبروهم أن ما يقبلوه هم ستوافق عليه بقية الأطراف العربية مصر والأردن وبالطبع الفلسطينيون».

ثم تورد كوندى ملاحظة عن السفير السعودي الأشهر في واشنطن الأمير بندر بن سلطان تفوح منها مزيج من مشاعر الاعجاب والحسد والتندر على هذا الرجل قائلة:

 «عرفت الأمير بندر عندما كنت أعمل في إدارة بوش الأب، فقد أمضى ذلك الرجل عمله كدبلوماسي سفيراً للسعودية، وعلى الرغم من أسلوب حياته المُكثر في إسرافه، إذ لديه منزل فخم ورائع الجمال في فرجينيا ولآخر بمدينة اسبن بولاية كولورادو، كما أنه يمتلك طائرة خاصة. ومع كل هذا وذاك كان يمتلك ثقة الأمير عبد الله وكذلك البيت الأبيض».

تعليق:

أسس إدارة أمريكا للصراع العربي الإسرائيلي؟

لعل السياسة التفاوضية الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط منذ دخول الولايات المتحدة إلى المنطقة وحتى اليوم مبنية على عدة أسس أغلبها وضع في الخمسينات والستينات من القرن الماضي.

الأول – أنه لا يجب السماح لأياً من كان من العرب أن يظُن أو يتوهم أن بمقدوره أن يقول للولايات المتحدة كلمة “لا”، وإذا حدث وقالها فيجب أن يعلم أن العم سام لديه من وسائل الضغط (وتلك الوسائل تبدأ من الكلمة الناعمة حتى الرصاصة القاتلة) ما يجعله يعيد النظر ليقول في النهاية “نعم”!

 وهو ما صاغه وزير الخارجية الأمريكي الأسبق جون فوستر دالاس في توجيهه للمفاوضين الأمريكان الذين كانوا يتفاوضون مع مصر الناصرية في عهد الزعيم القومي العربي “جمال عبد الناصر” قائلاً لهم:

«لا ينبغي السماح لناصر بأن يتصور أن بوسعه أن يقول لنا “لا”، وإذا قالها فإننا سوف نتصرف بما يجعله يقول “نعم”».

وكان ذلك رداً على ما قاله عبد الناصر للسفير الأمريكي وقتها

«إننا لا نريد أن نبني المصانع والمستشفيات والمدارس لكي نسلمها لإسرائيل ويتحول الشعب المصري بدوره الى شعب من اللاجئين».

الثاني أن الجانب الأمريكي لا يستطيع عملياً الضغط على الجانب الإسرائيلي لأسباب متعددة، فيكون الحل من وجهة نظرهم هو أن الأسهل هو الضغط على الجانب العربي.

وهو ما يُظهره توجيه الرئيس الأمريكي الأسبق جون كنيدي لمساعد وزير الخارجية الأمريكي وقتها جيمس تالبوت بالقول:  

«لا بد أن تجئ بناصر إلى موقف تقبله إسرائيل».

ومن يومها وهدف السياسة الأمريكية أن يأتوا بالعرب لموقف تقبله إسرائيل.

الثالث – هو فصل قضية البترول (أي الخليج) عن قضية الصراع العربي الإسرائيلي، 

وذلك كان سبب ضيق هنري كيسنجر وقت حرب أكتوبر عندما أعلنت الدول العربية تخفيض انتاجها أو ما سُمى وقتها الحظر البترولي حتى حل القضية العربية، وكتب كيسنجر:

«إن العرب حولوا البترول لسلاح في أيديهم وصوبوه ناحيتنا، وذلك أمر لا يمكن القبول به».

ثم صاغ كيسنجر بعد انقشاع دخان الحرب نقاطه السبعة حتى لا يقوم العرب بجمع قوة النيران مع قوة البترول في سلاح ويصوبوه مرةً أخرى إلى الولايات المتحدة وحليفتها إسرائيل!، وكانت النقاط السبع هي:

  • الإمساك بزمام عملية البحث عن حل لازمة الشرق الأوسط، وترتيب ذلك على سياسة الخطوة خطوة، بحيث تتوافق الخطى مع استعادة السيطرة على موارد الطاقة.

 

  • اعتبار إسرائيل الرادع الأساسي في الشرق الأوسط ورفع درجة العلاقات معها لكي تصبح علاقة استراتيجية، فإسرائيل هي العنصر الذي أدى بالعرب في النهاية إلى قبول حل أمريكي للازمة واستمرار إحساس العرب بتهديدها هو الضمان بهرولتهم دائماً إلى أبواب البيت الأبيض.

 

  • القبول بارتفاع أسعار البترول والعمل على امتصاص الفوائض المتولدة من زيادة الأسعار وتدويرها بواسطة البنوك الأمريكية الكبرى وتشجيع الأموال الباقية في يد العرب على أنماط في الاستهلاك تهدر الثروة ولا تحفظها.

 

  • كسر تحالف أكتوبر الذي جمع على غير انتظار بين الجيوش العربية القادرة على القتال وبين منابع البترول العربي المعبأة بالذهب الأسود.

 

  • استخدام جزء من فوائض الأموال العربية ليكون هو نفسه الاستثمار الذي يوجه لتوفير بدائل للطاقة منافسة للبترول العربي.

 

  • العمل على خلق حساسيات بين العرب وبين العالم الثالث وخصوصاً أفريقيا، فقد نجح العرب خلال أزمة أكتوبر في إقناع معظم إفريقيا بقطع علاقاتها بإسرائيل.

 

  • تشجيع الرئيس السادات على خطته في إخراج السوفييت تماما من الشرق الأوسط، سواء كنفوذ سياسي أو مصدر للسلاح.

الرابع – العمل على إدارة الصراع وليس حله،                             

وكان رئيس قسم السياسات في مجلس الأمن القومي ريتشارد هاس له نظرية في ذلك الأمر ملخصها:

«أن الأزمات لا تُحل برغبة الأطراف في حلها، وإنما بتوافر شروط معينة تجعل الحل مُمكناً».

ووفق رأى هاس في أزمة فلسطين، أنها غير قابلة للنضج من الأساس، لأنها تنطوي ضمن عوامل كثيرة على مقدسات يصعب أن يكون لها «حل وسط» وهذا النوع من الأزمات ليس له دواء غير وصفة إجراءات تتكفل به وهي:

  • عزل الأزمة وإحكام عزلها عن مُحيطها حتى لا يتسع نطاقها ولو بالعدوى.

 

  • وإفراغ الأزمة أولاً بأول من عناصر التوتر حتى لا تنفجر في مكانها مُدوية في محيطه.

 

  • ثم تركها بعد ذلك للزمن يزيحها بالنسيان، وفى هذا النسيان تستهلك الأزمة نفسها بنفسها بالتحلُل والتآكُل والتلاشي. (انتهى التعليق).

إلى هنا انتهت المساحة المخصصة للمقال وزادت ولعلها فاضت، ولكن السباحة بالعمق في مذكرات كوندي لم تنتهِ، ولعلها لم تبدأ بعد!

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0

4 Replies to “خفايا وكواليس اغتيال عرفات .. في الجزء الثالث من نظرة في مذكرات كونداليزا رايس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.