أدب و تراث مختارات مقالات

البروفيسور الأسطة يكتب عن تجربته في دراسة الأدب العربي في ألمانيا

أنا والجامعة 24: أدب عربي في ألمانيا!

بقلم الأستاذ الدكتور عادل الأسطة

لو كنت في القاهرة وسألني شخص متعلم عن مكان دراستي وتخصصي لأجبت بأريحية:

– أدب عربي في ألمانيا.

والصحيح أنني لم أتردد، وأنا في نابلس، في الإجابة نفسها بتلقائية، فأنا حقا درست الأدب العربي في ألمانيا. ولما كانت نابلس غير القاهرة، ولما كانت جامعتها حديثة التأسيس في مدينة وقعت تحت الاحتلال منذ العام ١٩٦، ودرس أبناؤها الأدب العربي في القاهرة ودمشق، ولم يدرس أي منهم في دولة غربية إلا الأدب الإنجليزي أو علم الاجتماع أو الهندسة والطب والاقتصاد، فقد استغرب كثيرون أن أكون سافرت إلى ألمانيا لدراسة الدكتوراه في الأدب العربي، وغالبا ما كنت أصغي إلى المستمعين.

وهم يعبرون عن دهشتهم قائلين:

– أدب عربي في ألمانيا!؟

في الجامعات المصرية والسورية واللبنانية، ولاحقا الجامعات الأردنية، تخرج عشرات، إن لم يكن مئات، من جامعات غربية متخصصين في الأدب العربي.

وكان يتبع السؤال سؤال آخر متعلق به هو:

– بأية لغة درست الأدب العربي؟

وكنت أذكر السائلين بطه حسين ولويس عوض ومحمد مندور وآخرين ممن قدموا للأدب العربي خدمات جليلة وكانوا حصلوا على شهاداتهم من جامعات غربية عريقة.

مشكلة جامعة النجاح الوطنية الكبرى، كما ذكرت من قبل، تكمن في أن أهل المدينة يتدخلون فيما يجري فيها ويتابعون أخبارها ويعرفون ما يجري فيها، وإن كان لهذا وجه إيجابي فله في الوقت نفسه وجه سلبي.

كيف أشرح لكثيرين أنه ما من جامعة غربية عريقة إلا كانت العلوم الإسلامية تخصصا من تخصصاتها؟

كنت أتيت من قبل على تخصصي وكيف حصلت على البعثة والموضوع الذي كتبت الأطروحة فيه، ولا بأس بقليل من التكرار.

تختلف دراسة الدكتوراه في الجامعات الألمانية عنها في الجامعات المصرية وبعض الجامعات العربية، فكثيرون ممن حصلوا على الدكتوراه من جامعات عربية في ستينات وسبعينات وثمانينات القرن العشرين لم يدرسوا مساقات واكتفوا بأن كتبوا الأطروحة، وكانت هذه هي ما يحدد تخصصهم.

في ألمانيا الأطروحة مهمة ولكنها جزء من دراسة الدكتوراه، فأنت حين تدرس العلوم العربية يجب أن تتخصص في فرعين آخرين، ويجب أن تكتب في كل تخصص بحثا وتناقشه، وبعد أن تنحز هذا وتنجز رسالة الدكتوراه في الموضوع الذي خضت فيه تتقدم لامتحان شفوي في التخصصات الثلاثة.

تذهب إلى الأساتذة الذين كتبت معهم الأبحاث والرسالة وتتفقون معا على أفكار معينة غير التي كتبت فيها، وتقرأ حول هذه الأفكار ثم تتقدم، بعد أن يجيز المشرف والمناقش الخارجي أطروحتك، إلى امتحان شفوي يجلس فيه الممتحنون الثلاثة وعميد الكلية معك ويسجلون على “شريط تسجيل” وقائع الجلسة.

لقد كتبت في موضوع صورة اليهود في الأدب الفلسطيني، واخترت لامتحان التخصص الرئيس الأفكار الآتية:

– أدب السجون في الرواية العربية، رواية عبد الرحمن منيف “شرق المتوسط” نموذجا، وكتاب د.سمر روحي الفيصل “السجن السياسي في الرواية العربية”.

– مسرح توفيق الحكيم بأنواعه وحددت المسرحيات الآتية مثالا: يا طالع الشجرة، نماذج من المسرح الاجتماعي، السلطان الحائر، بجماليون أو شهرزاد ولم أعد أتذكر أيهما تماما.

– أبو نواس، واخترت كتاب أستاذ ألماني أشرف على زميلي الدكتور زياد الزعبي، والكتاب هو كتاب الأستاذية لصاحبه، وأرجح أنه بروفيسور Ewald Wagner ولا يقل حجمه عن ٥٠٠ صفحة.

وهكذا لم أكن مقتصرا على الأدب الفلسطيني أو الأدب العربي الحديث، عدا ما سبق فقد أنفقت فصولا في قراءة قصص وروايات نجيب محفوظ ومسرحيات صلاح عبد الصبور، وتعلمت تحليل النص الشعري فأنفقت فصلا كاملا مع الدكتورة (انجليكا نويفرت) ندرس معا قصيدة محمود درويش “عابرون في كلام عابر” وترجماتها إلى العبرية والتوقف أمام إشكاليات أنا المتكلم فيها (سوف أترجم بعد عودتي دراسة نويفرت ودراسات أخرى عديدة).

حين طبع اتحاد الكتاب الفلسطينيين لي رسالة الدكتوراه كتب أحد أعضاء الاتحاد محددا تخصصي “دكتوراه في الأدب الفلسطيني”، وذهب المرحوم عزت الغزاوي إلى ما هو أبعد من ذلك، فكتب في معجم الأدباء الفلسطينيين في القرن العشرين إلى أن الكتاب رسالة ماجستير مترجمة. كل ما سبق لم يصدر عن متخصصين يعرفون طبيعة الدراسة في ألمانيا، وإنما صدر عن أشخاص يحركهم الفصيل الذي ينتمون إليه. (أنجز أحد أعضاء الاتحاد لاحقا رسالة دكتوراه قلد فيها رسالتي ولخص الكثير منها وكتب أطروحته وهو في الضفة دون أن يتلقى العلم على يد أستاذ).

بقدر من النرجسية أكتب إنني أنجزت ما لم ينجزه أي أكاديمي فلسطيني في الأرض المحتلة في التخصصات الآتية:

– النقد الأدبي.

– الأدب العربي الحديث.

– الأدب المقارن.

وعلى الرغم مما سبق، وعلى الرغم من إنهائي عملي في الجامعة إلا أن الجامعة قيادة وشعبا؛ متخصصين وغير متخصصين، منجزين وغير منجزين،

ما زالوا يتساءلون عن تخصصي…

لعبد الحليم حافظ أغنية تقول كلماتها إن رفاق أنا المتكلم فيها حائرون في حبيبته من تكون، وأنهم ما زالوا يتساءلون.

الرفاق حائرون.

الإدارة حائرة.

وأنا أكتب مقالاتي على مهلي، وحين أنظر في أبحاث زملاء كثر أجد نفسي ألقي بها في سلة المهملات.

 

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
عادل الاسطة
أستاذ دكتور متقاعد، كان يعمل في قسم اللغة العربية بجامعة النجاح الوطنية في فلسطين منذ 2002م، وحاصل على درجة الدكتوراه في الأدب العربي من جامعة بامبرغ/المانيا في العام 1991م، يكتب في الأدب في مواقع مختلفة، وله زاوية أسبوعية في جريدة الايام الفلسطينية منذ تأسيسها. صدر له 14 كتابا.

One Reply to “البروفيسور الأسطة يكتب عن تجربته في دراسة الأدب العربي في ألمانيا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.