ثقافة سياسة مختارات مقالات

العلم بين مفهوم الظواهر والمعرفة

العِلْم “حرب العصابات مثالا”

بقلم/ د. وليد عبد الحي

كثيرا ما ينصرف ذهن البعض عند الاشارة للعلم الى “علوم الطبيعة”  بشكل رئيسي أو ” لنظريات العلوم الانسانية والاجتماعية” بقدر أقل، مع لن العلم هو “كل منهج للتفكير في التعامل مع الظواهر المختلفة”، والتطور العلمي بدءا من العالم اليوناني ثيوفراستوس Theophrastus في القرن الرابع قبل الميلاد مرورا بالحسن ابن الهيثم الذي يعده الكثير أول عالم في العالم، وصولا الى علماء الزمن الحالي ليس الا تحول في “خطوات فهم الظواهر”، وعليه فالعلم هو “تقنيات الفهم” بينما نتائج كل تقنية أو خطوة هي المعرفة، وعليه من الضروري التمييز بين المعرفة(knowledge) وبين العلم “Science”، فتفاحة نيوتن معرفة (رآها وهي تسقط) وتساءل: لماذا سقطت إلى أسفل ولم تصعد للأعلى، هنا بدأ العلم: كيف نجيب على سؤاله.

في العلوم الاجتماعية، سأتناول ظاهرة معقدة بعض الشيء، وهي ظاهرة حرب العصابات، فمنذ كتابات الاستراتيجي الصيني الشهير صن تسو (Sun Tzu) وصولا إلى ماوتسي تونغ وهوشي منه تطور هذا المنهج في إدارة الحروب بكيفية علمية، فكيف لقوة فقيرة وضعيفة أن تهزم امبراطوريات، فالفيتناميون هزموا الولايات المتحدة هزيمة منكرة، وطالبان هزمت الجيش الأحمر، والجزائريون هزموا فرنسا، وحزب الله طرد إسرائيل من جنوب لبنان.

فكيف لمجتمعات فقيرة غير صناعية أن تحقق هذه النتائج؟

إن حرب العصابات هي “علم بكل ما يحمله العلم من معنى، فهي تقوم  على سؤال محدد وهو كيف يمكن توظيف الإمكانات المحدودة  لهزيمة قوة هائلة؟ وهنا تظهر فكرة استنزاف العدو، وضربه في أماكن غير متوقعة، وبوسائل غير متوقعة، وفي أوقات غير متوقعة، ومن خلال اضرب واهرب، ومن خلال الذوبان في الحياة اليومية في المجتمع…الخ، فهذه نظريات علمية وثبتت صحتها في الميدان كما تثبت نتائج الفرضيات العلمية في المختبر.

فالفيتناميون جندوا النحل ليثور قرب حقول الألغام عند مرور الامريكيين، والاستشهادي من حزب الله قتل 75 عسكريا اسرائيليا في عملية تفجير واحدة، وهذا النمط من العمليات العسكرية هو “تطور في آليات القتال”…

أي أن حروب العصابات تمثل “منهجا علميا” نجح في ظروف معينة لكنه فشل في ظروف أخرى.

كما أن إدارة التفاوض يمثل علما بالمعنى الحرفي للعلم، فهناك فرق بين المفاوضات التي قادتها منظمة التحرير الفلسطينية ومفاوضات الفيتناميين أو الجزائريين أو الجنوب أفريقيين…

الخلاصة : كل فلاحي العالم رأوا التفاحة وهي تسقط، ولم يسألوا لماذا سقطت.

نيوتن وحده سأل فكان الجواب الذي لولاه لما وصلنا للقمر… ربما.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
وليد عبد الحي
الأستاذ الدكتور وليد عبد الحي؛ مفكر وباحث وخبير في الدراسات المستقبلية مستشار للمجلس الأعلى للإعلام لشؤون البحث العلمي وأستاذ العلاقات الدولية ورئيس قسم العلوم السياسية في جامعة اليرموك الأردنية منذ عام 1994م، وشغل في الفترة 1982-1994 محاضراً في جامعة الجزائر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.