ثقافة سياسة مختارات مقالات

عندما يتداخل الأدب والجنس في صميم السياسة

مسرحية مصرع كليوباترا : الجزء الأول 


بقلم الكاتب/ مجدي منصور

حتى الصف الأول الثانوي، كنتُ منحازاً للأديب الإنجليزي “جورج برنارد شو” على حساب الأديب “وليام شكسبير” وذلك لأن شو كان أحد رواد الاشتراكية “الفابية” بينما شكسبير لا يُعرف له اتجاه سياسي!

كنت معجب بشو لأنه كان يحاول بقصصه ورواياته ذات الأفكار الصادمة أن يغير التقاليد العتيقة للمجتمع الإنجليزي الموروثة من العصر الفيكتوري.

ويوماً من الأيام كتب “شو” روايته الرائعة “العقدة اللامعقولة” وملخصها: أن “ابن أحد الكهنة (رجل دين) يقع في حب فتاة ليل، ويحاول الأب (الكاهن) أن يبعده عنها بكافة الأساليب وبكل الطرق، ولكنه يفشل في ذلك، وبعد أن يتيقن الأب (رجل الدين) من أن ابنه لن يعود عن فكرة زواجه من فتاة الليل تلك، ويذهب اليها محاولاً هدايتها وابعادها عن طريق السقوط التي تمشى فيه، ويقول لها:

«لن أكلمكِ الأن عن الخطيئة التي ترتكبينها، فسوف يحاسبك عنها من هو أعظم منى، ولكنى جئت لكى أهديكِ و لأبعدك عن طريق الخطايا»

فيكون رد “ماريان” (الساقطة) الرائع على الأب (رجل الدين):

«إنك أيها الكاهن لا تهتم بالخطيئة إلا إذا أوشكت أن تجلب لعائلتك الفضيحة والعار».

وهاجمت الصحافة الانجليزية وقتها “شو” على روايته لأنها حطت من شأن الكنيسة بالهجوم على رجال الدين!

ودخل أحد أصدقاء شو عليه وهو جالس على مكتبه وقال له وهو ممسك بالصحف التي تهاجمه:

“اُنظر، إنهم يقولون عليك ..  ويقولون عليك”.

فرد عليه شو وهو جالس على مكتبه قائلاً:

«إنهم يقولون .. ماذا يقولون؟ .. دعهم يقولون».

جورج برنارد شوا وشكسبير
جورج برنارد شوا وشكسبير

حتى قرأت لشكسبير رائعته “يوليوس قيصر” وصرت من قرائه ومحبيه.

وكنتُ مُنحازاً كذلك لشاعر النيل “حافظ ابراهيم” على حساب أمير الشعراء “أحمد شوقي”، لأن حافظ من أبناء الفقراء بينما شوقي يقالُ عنه أنه تربية الملوك والأمراء!

وحافظ هو الذى قال في وصفه للحياة السياسية في مصر وقتها:
«إذا نطقتُ فقاعُ السجنِ متكأٌ وإن سكتُ فإنَ النفسَ لم تطِبِ».

حافظ إبراهيم وأحمد شوقي
حافظ إبراهيم وأحمد شوقي

حتى قرات لشوقي رائعته “مصرع كليوباترا” فهِمتُ به وبشعره. ولشوقي قصة طريفة.

فقد سمع أمير الشعراء عن مطربة لبنانية صوتها جيد في لبنان، فذهب إلى حفل خاص في الجبل ومعه بعض أصدقائه، وحضرت المطربة وكان اسمها “روز” وبدأ زوجها وكان ثرثاراً مدعياً وبلا مواهب يحكى كيف خطف روز من بيت أهلها ليتزوجها رغم انف الجميع.

ولم يُنقذ الضيوف سوى شروع المطربة في الغناء، وكانت أغنية “مضناك جفاه مرقده” من تأليف أمير الشعراء، وتلحين محمد عبد الوهاب، وفجأة سأل أحد الحاضرين زوج المطربة عمن يكون هذا المؤلف الكبير الذى كتب هذه القصيدة؟
فانتفخ الزوج عن آخره، ورفع صوته قائلاً: “الشعر إلى خيو” أي أن القصيدة من تأليفه هو، وهنا انفجر أمير الشُعراء في الضحك وقال:

“إذا كنت خطفت المدام .. مُش راح تخطف القصيدة!”

إن مقالي اليوم عن مسرحية شوقي الرائعة “مصرع كليوباترا”، ويخطئ القارئ الكريم إذا ظن أن المسرحية مجرد نص أدبى رائع، بل هو في رأيي عمل سياسي مُدهش وذلك ما سأوضحه من خلال التعليق على الأبيات التي اخترتها من المسرحية.

ملخص المسرحية:

حكمت كليوباترا مصر مع أخيها الأصغر بعد أن أعانها يوليوس قيصر على ارتقاء العرش، ولما مات أخوها زارت روما واحتفل بها قيصر، فلما قُتِل تنازع الحكم في روما انطونيو وأوكتافيوس، فوقفت كليوباترا بينهما موقف الحياد، فلما انتصر انطونيو وتولى الحكم دعاها إلى روما، وحين رآها وقع في غرامها وتزوجها، ثم انشغل بها عن الحكم، فتضاءلت مكانته السياسية والحربية، ثم عاد إلى روما، وتزوج أخت منافسه “أوكتافيوس”، ولكن الحنين عاوده إلى الإسكندرية فعاد إليها، وأثار ذلك غضب أوكتافيوس فأنذره بالحرب، وفي سنة 30 ق.م. واشتبك أوكتافيوس وأنطونيو في معركة بحرية تسمى موقعة “أكتيوم” قرب الإسكندرية وفيها وقفت كليوباترا بجانب أنطونيو، ولكنها انسحبت في أثناء القتال فضعف جانبه، وانتصر أوكتافيوس عليه، وأرسلت إلى انطونيو من يخبره بموتها فأغمد سيفه في قلبه، ولما علم بكذب الخبر أمر أن ينقل إليها ليموت بين يديها.

وخشيت كليوباترا أن يأسرها أوكتافيوس فانتحرت وتركت بنتين من أنطونيو وولدًا من يوليوس قيصر.

 


مشهد – حابى (مساعد أمين مكتبة الإسكندرية):

«اسمع الشعب ديونُ كيف يوحون إليهِ .. ملأ الجو هُتافاً بحياتي قاتليهِ
أثرَ البهتانُ فيه وانطلى الزورُ عليه .. يا لهُ من ببغاء عقلهُ في أذنيهِ»

تعليق: السفير الإنجليزي مايلز لامبسون بين فاروق والنحّاس!

فاروق ولامبسون والنحاس

في 4 فبراير 1942 قرر السفير الإنجليزي “مايلز لامبسون” أو (جاموس باشا كما كان يسميه الملك فاروق) أن الأحوال في مصر وقت الحرب العالمية الثانية تقتضى عودة حزب الوفد (مصطفى النحاس) للحكم مرة أخرى، ومع مماطلة القصر (الملك فاروق أو الولد كما كان يسميه السفير الإنجليزي!) ورئيس ديوانه (أحمد حسنين) فإنه قرر ابعاد فاروق، واقتحم السفير القصر الملكي (عابدين) بالدبابات والمصفحات ليُجبر ملك مصر على التنازل عن العرش المصري، ولكن فاروق في اللحظة الأخيرة وبصوت كسير ونبرة مرتعشة سأل السفير إن كان يمكن أن يعطيه فرصة أخرى.

وفى يوميات لامبسون التي كتبها والمودعة في كلية “سانت أنتوني” بجامعة “أوكسفورد” « أنه رد عليه بترفع “نعم” إننى على استعداد أن اعطيك تلك الفرصة، بشرط استدعاء النحاس فورا وتكليفه بتشكيل وزارة جديدة».

ويقول حسن يوسف باشا (وكيل الديوان الملكي وقتها): أن حادث 4 فبراير كان نقطة تحول في حياة فاروق.

فقد فاجأه الإنذار البريطاني واهانته الطريقة التي تصرف بها السير مايلز لامبسون.

وأدهشه قبول “النحاس” لرئاسة الوزارة من يد الاحتلال وعلى “أسنة حرابه” كما سمع من “أحمد ماهر باشا”.

وأصابه الذهول لأن مظاهرات شعبية استقبلت تكليف النحاس بالوزارة بفرحة غامرة.

ثم كانت فجيعته الكبرى حين رأى صور هذه المظاهرات التي أحاطت بمقر مجلس الوزراء مرحبة بدخول النحاس تحمل أول زائر جاء لتهنئته وهو السفير البريطاني السير “مايلز لامبسون” على الأعناق مصفقه ومهللة!

ولم يكن الملك فاروق بهدوء أعصاب رئيس ديوانه أحمد حسنين الذى طلب نسخة من رواية مصرع كليوباترا وراح يقرأ منها الأبيات عاليه!


مشهد – تدخل كليوباترا ووراءها ابنها ووصيفتها ومضحك الملكة.

الملكة: تحيتي لأُمناء المكتبة وشيخهم أعلى الشيوخ مرتبة

زينون (أمين مكتبة قصر كليوباترا):

«سلامُ السماوات في مجدها ..على ربة التاج ذات الجلال تمنيتُ رأسن لا واحدا ..إذا مست الأرضُ هامُ الرجال أُطأطىءُ رأساً لمجد النبوغ ..وأخفض رأساً لمجد الجمال»

أنشو (مُضحك الملكة) للوصيفتين:

«أما يُغنيهِ عن رأسينِ .. رأسٌ فيه وجهانِ؟ فحيناً هو مصري .. وحيناً هو يوناني وفى مجلس يوليوس وأنطونيوس روماني وإن لاقى أغا القصرِ فنوبي وسوداني»!

تعليق – المثقف متعدد الوجوه والاستعمالات أيضاً!

عباس محمود العقاد وطه حسين

لعل المثقف في عالمنا قد جاوز وجهين “زينون” في رواية شوقي!

ولعل علاقة المثقف بالأمير(أو بالسلطة بصفة عامة) تحتاج في يوم قريب لاستجلاء فهي علاقة ملتبسة ومعقدة أحياناً، فهي علاقة ليست مستقرة، فترتفع وتيرتها أحيانًا وتنخفض أحيانًا، تتوتر أحيانًا وتنفرج أحيانًا، فالعلاقة بين المثقف والأمير لا تحكمها حقائق الصراع المعروفة من اختلاف أو اتفاق، وإنما تتحول العلاقة في بعض الأحيان إلى تعبيرات مشاعر فيها الحب والكره، وفيها الإقبال والصد، وفيها العطاء والحرمان، وفيها النصيحة والنميمة، بل ودخل فيها في بعض الأحيان الحب والقتل!

إن تحولات السلطة وتحولات المثقف لا تتوقف.

ولعل المثال الأبرز على ذلك هو موقف اثنين من كبار المثقفين؛ المثقف الشامل عباس محمود العقاد، وعميد الأدب العربي طه حسين.

فالعقاد – بدأ كاتباً ومناصراً ومدافعاً عن حزب الوفد ومواقفه وهو الذى كتب «إن مصيبة الرجعية على هذا البلد أكبر من مصيبة الاحتلال»، وانتهى أمره في الحزب الرجعى (السعديين).

ولعل حواره مع زعيم حزب الوفد وقتها “مصطفى النحاس” يُظهر الكثير: فقد اختلف مع قيادة الوفد في تأييد حكومة توفيق نسيم 1935 الذى رأى العقاد أنه يجب معارضتها فقال له مصطفى النحاس:

«أنا زعيم الأمة فما عساك أن تفعل يا عباس يا عقاد»؟

فأجابه العقاد:

«أنت زعيم الأمة لأن هؤلاء انتخبوك (مُشيراً لبعض أشخاص من أعضاء الوفد) لكنى كاتب الشرق بالحق الإلهي».

وكانت هذه أخر لحظات العقاد في الصف الأمامي من حزب الوفد.

وأما طه حسين – فقد بدأ وهو الانسان البسيط الفقير في حزب المُلاك (الأحرار الدستوريين) المضاد لوضعه الطبقي، وكان يكتُب وقتها لصالح الملكية، ولكنه انتهى به الحال وزيراً في حكومة حزب الوفد، هاتفاً بحياة النحاس!

ورأينا بعد ذلك من أيدوا ثورة يوليو وزعيمها عبد الناصر، هم من رفعوا شعارات انقلاب 15 مايو 1971م، وهم من انقلبوا على الرئيس المؤمن السادات وفخموا في خليفته حسنى مبارك. وأما في واقعنا الحالي فالذين أيدوا ثورة25 يناير بعد سقوط مبارك، هم من كانوا من طليعة الثورة المضادة بالأمس واليوم.

هؤلاء هم من نظروا للاشتراكية وهم أول من رفعوا شعارات الانفتاح، وهم اليوم من يدافعون عن رفع الدعم عن المواطن المسحوق بالحاجة والعوذ.

مشهد – يدخل أنطونيو إلى مخدع كليوباترا فتأمر كليوباترا وصيفتيها بالخروج.

أنطونيو لكليوباترا:

«رُدى على هامتي الغارَ الذى سُلِبت .. فقُبلة منكِ تعلوها هي الغارُ»
تقبله كليوباترا وتقول:

«اليومَ تعلم رُما أن ضُرتها تُقلدُ الغارَ .. من تهوى وتختار”
واليوم تعلمُ روما أن فارسها .. جيش بمفردهِ في الروع جرار
أنطونيو سيدى هل نحن في حُلُمٍ؟ .. أسالمٌ أنت؟ لا أسر ولا عار؟»
أنطونيو: «أَسر؟ وهمتِ كليوباترا أتظفرُ بي .. أيدى الكُماة وفى كفى أظفار
لو قُلتِ قتلٌ لكان القولُ أشبه بي .. كأسُ المنايا على الأبطال دوارِ»

تعليق: السياسي في الحُب .. كالغريقُ في الماء

الدوتشى بنيتو موسولينى و الفوهرر أدلوف هتلر

لقد كان القادة الكبار الذين قادوا الصراع في الحرب العالمية الثانية وهم يواجهون الحوادث والصراعات كانوا على الجانب الآخر منهكين عاطفياً وجنسياً أيضاً!

فا الرئيس الأمريكي “فرانكلين روزفلت” وهو قائد التحالف الغربي الكبير فيها وقع وسط طوفان الحرب أسير علاقة غرام مع السكرتيرة الاجتماعية لزوجته (إليانورا) وقد لفظ أنفاسه الأخيرة مُمسكاً بيد عشيقته في بيته الريفي في (بارك لين).

وكان الزعيم الألماني الفوهرر “أدولف هتلر” ذلك الرجل الذى كاد أن يُسيطر على العالم والذى كان حازماً مع قواده لدرجة القهر نجده على الناحية الأخرى من الصراع الكبير عاشقاً ملهوفاً على (إيفا براون) التي عاشت معه طوال الحرب في (عش النسر) وهو بيته على قمم جبال (برختسجادن) في بافاريا. ويُقال أن أبرز خطط الحرب كان يضعها مع قواده بعد انتهائه من مقابلاته العاطفية مع (إيفا براون)!.

وكان زعيم ايطاليا “بنيتو موسولينى” غارقاً هو الآخر في غرام “كلارا بتاتشى” وقد لقى مصرعه معها في ميلانو حين قبض عليهما ثوار شيوعيين وقتلوهما سحلاً ثم علقوا الجُثتين في خطاف جزار في محطة بنزين.

مشهد – ينهزم انطونيو من أوكتافيوس وهو عائد شارد مطَارد هو وتابعه أوروس.

أنطونيو:

«أرى الدنيا بعيني أظلمت وكانت في الماضي كالصباح المنورَ
وضاقت بي الأرض الفضاءُ فكلُها سبيلُ طريدٍ ضائِع الدُم مُهدرِ
قُشعريرة الخوف اعترتني ولم تكُن إذ ما اقشعرت تحتي الرضُ تعترى
أرى الموتَ ممدودَ اليدين كمُنقذٍ لمثلىَ من غرقى الحياةِ مُسخر
دعاني ولو أنى على النفس مُشفِقٌ مددتُ إليه الكفَ لم أتأخر
أروس أرى الماضي يُطيفُ خياله وتعرضُ لي أحلامهُ في التذكُرِ»

أوروس:

«وقاركَ قيصرُ لا تجزعن وخلَ المقادير تجرِ المَدى
تلقَ الهزيمةَ ثَبتَ الجَنانِ كما كنتَ تلقى الفُتوحَ العُلاَ
فما أنت أولُ نجمٍ أضاء ولا أنت آخرُ نجم خبا
وقد تنزِلُ الشمسُ بعد الصعود وتسقَمُ بعد اعتدال الضُحَى».

تعليق: الزعيم السياسي وصديقه المثقف الشامل في لحظة ألم مملؤة بالشجن

محمد حسنين هيكل وجمال عبد الناصر

لعل ذلك المشهد يذكرني بلقاء الزعيم “جمال عبد الناصر” بصديقة الكاتب الصحفي الكبير “محمد حسنين هيكل” يوم 9 يونيو 1967 كما يروى هيكل:

أنه دخل الى مكتب عبد الناصر في الساعة السادسة والنصف صباحاً ومعه مشروع الخطاب الذى طلب منه ناصر إعداده متضمناً إعلان استقالته للأمة، وكان قد كلفني بهذه المهمة في حديث تليفوني سابق، وعندما دخلت الى مكتبه كان ممسكاً بسماعة الهاتف يناقش طرفاً آخر وبعد لحظات فهمت أن الطرف الآخر هو عبد الحكيم عامر (القائد العام للقوات المسلحة في حرب يونيو)، ثم فهمت بعد لحظات من متابعة النقاش أن عامر يبلغه أن القوات الإسرائيلية تضغط بالغارات الجوية على القوات المصرية غرب القناة، وأن هناك معلومات عن جسور منقولة وكل التقديرات ترجح أنها محاولة إسرائيلية لعبور القناة إلى الضفة الغربية.

كان عبد الناصر يناقش هذه المعلومات، وبدا لى الموضوع في حاجة الى تدقيق، ويبدو أننى هززت رأسي بإشارة تحمل ذلك المعنى، وقال عبد الناصر لعبد الحكيم على التليفون أننى واقف أمامه ولدى ما أريد أقوله، وأزاح سماعة الهاتف وحكيم معه على الناحية الأخرى من الخط وتطلع نحوى منتظراً ما أقول.

وأبديت رأياً مفاده أننى أستبعد تماماً أن تكون هذه المعلومات صحيحة، وأضفت أن إسرائيل حققت أكثر مما تريد وعبورها للضفة الغربية من قناة السويس فوق ما تحتمله الموازين الدولية، وأيضاً فوق ما تحتمله قواتها المشدودة الأن على آخرها. فقد وصلت هذه القوات بعد زحف طويل إلى الضفة الشرقية، وعبورها إلى الضفة الغربية معناه أن تجد نفسها داخله في نوع من المعارك ليست مستعدة له خصوصاً بعد زحفها الطويل وهو (معارك المدن).

أعاد عبد الناصر سماعة الهاتف إلى وضعها الطبيعي وأعاد ما قلته لعبد الحكيم عامر، الذى لم يقتنع بكلامي، وأنهى عبد الناصر الحديث مع عامر بقوله له: «تأكد واتصل بي مرة آخري».

ثم تحرك عبد الناصر من وراء المكتب وجلس على أحد المقعدين الكبيرين أمام المكتب.

جلست أمامه، هز رأسه بآسي لم أرى مثله في تعبيره عن نفسه رغم انى رأيته من قبل في أزمات كبرى. أحسست لأول مرة أن الرجل الذى يجلس أمامي (جريح). وهو ينزف دمه في هدوء مأخوذاً كأنه مازال تحت نوع من الصدمة.

قلت في محاولة للتخفيف عنه:

«إن المقادير تصيب الناس أحياناً بما لم يتحسبوا له، ولكن المهم كيف يتصرف الناس بعد أن تضربهم المقادير».

قال وهو يهز رأسه في آسى عميق مرة أخرى: «ما يؤلمني أن المقادير لم تكن هي من ضربتنا، نحن ضربنا انفسنا».

التفت إلى ناحية الهاتف كان الرجل الذى كان يحدثه فيه قبل دقيقتين تجسد في مكانه وما زال هناك.

ثم قال: “عبد الحكيم ضيع أعصابه تماماً و ضيع جيشه. ولا أستطيع أن ألوم أحد (لأنني المسئول). عبد الحكيم كان يجب ان يمشى بعد الانفصال” (انفصال الوحدة المصرية السورية 1961).

الزعيم جمال عبد الناصر والمشير عبد الحكيم عامر

نظر عبد الناصر لي ثم أشعل السيجارة الثالثة التي رأيته يشعلها في أقل من ثُلث ساعة قضيتها معه حتى الأن. كان يشد الأنفاس من السيجارة، وكأنه يملآ بها صدره إلى الآخر، ثم ينفث الدخان وكأنه يطرده. طلب فناجين من القهوة وراح يتكلم.

«الكارثة أن عبد الحكيم تصرف سنة 1967 وكأننا لازلنا في 1956،

عبد الحكيم فوجئ بضربة الطيران الإسرائيلي بقوة الضربة. بخسائر الضربة وفقد أعصابه وراح يتصرف في معركة 1967 بالمنطق الذى اقتضته معركة 1956، وهذا أسوأ ما يتصرف به قائد عسكري. لم يُخطرنى عبد الحكيم بقرار الانسحاب قبل اصداره لأنه في الغالب “كان مكسوفاً من نفسه بعد ضربة الطيران”، وكان يريد أن يُثبت للجميع ولى أنه قادر على اتخاذ القرار، وهو لم يكن قادراً بعد المفاجأة.

حاول ان يُخفى عنى حجم خسائر الضربة، وظل يُراوغ ثلاث ساعات. حتى بعد ضربة الطيران الإسرائيلي. كان اعتقادي واعتقاد كثيرين غيرى في القيادة أن القوات في سيناء تستطيع أن تحارب معركة دفاعية كبيرة من مواقع ثابتة، وفيها كانت تستطيع تعطيل التقدم الإسرائيلي وتعطينا وقتاً لعمل سياسي واسع. لكن قرار الانسحاب زاد من انكشاف القوات المصرية لأن الإسرائيليين لاحقوها وهى تتحرك تحت سماء مكشوفة لهم فيها السيطرة الكاملة على الجو ووضعوها نفسياً بالدرجة الأولى في موقف شديد الصعوبة.

بعد قرار عبد الحكيم بالانسحاب كان لابد أن أذهب للقيادة. حاولت أن أعيد بعض القوات، خصوصاً الفرقة المدرعة الرابعة. كان الوقت قد تأخر. أمر الانسحاب مبكراً في المعركة دعا الوحدات إلى أن تتصرف كل منها وفق مطالب سلاماتها، وذلك صنع فوضى استعصت على أي محاولة للسيطرة والقيادة».

ويضيف هيكل أن عبد لناصر قال له: “لا أستطيع أن أتصور ما سيفعله الناس، والله لو أنهم أخذوني إلى ميدان التحرير وشنقوني فيه لما اعترضت عليهم، لهم الحق”.

هيكل: “ليس هناك ضرورة لأن تدفع مشاعرك إلى هذه الدرجة، فما حدث لك شيء حدث من قبل كثيرًا في التاريخ، واعتقادي أن البلد واجه نكسة، ولكنه قادر على القيام منها بقواه الذاتية”.

ناصر: إنني أتصور أن الناس بعد مفاجأة استقالتي، سيطلبون معرفة الحقيقة فيما حدث، وهو حقهم، ولست أعرف السبيل إلى تحقيق هذا الطلب، فهو ضروري لمستقبل العمل، ولكني أخشى أن يتصور أحد أنني بأي شيء أقوله أحاول إشراك غيري في المسؤولية، والله يعلم أنني لا أفكر في أي شيء من ذلك، فأنا نازل عند حكمة الله في قضائه ولكن الحقيقة يجب أن تكون واضحة للناس.

مشهد – ترى كليوباترا بعد هزيمة و انتحار انطونيو انقلاب الجميع عليه حتى أقرب الناس منه

كليوباترا:

«ويحي قد طلبتُ عِند طِباع الناس .. ما عز عندهم مطلوباً
خلقَ الناسُ للقوى المزايا .. وتجنوا على الضعيف الذنوبا
احتفوا في الحياة والموت بالغالب .. فانظر هل عظموا مغلوباً».

تعليق : الزعيم جمال عبد الناصر بطل من قلب التاريخ

لعل عبد الناصر من القلائل الذين لا تنطبق عليهم أبيات شوقي، فبعد هزيمة يونيو 1967 قال وزير الدفاع الإسرائيلي موشى ديان:

«أنه جالس بجوار الهاتف منتظراً مكالمة ناصر بأنه هُزم و أنه جاهز لتوقيع اتفاقية سلام مع إسرائيل».

وبعد إعلان عبد الناصر خطاب التنحي وخروج الجماهير العربية في كل ساحات الوطن العربي رافضةً قرار التنحي، وبكاء مندوبين العالم الثالث بآسره بعد علمهم بالقرار في أروقة الأمم المتحدة، واستقباله في الخرطوم من الجماهير استقبالاً ليس له نظير لدرجة جعلت جريدة النيويورك تايمز تكتب:

«هذه أول مرة يقابل المهزوم بأكاليل الغار»!

وفى جنازته كان الطوفان البشرى يسد الأفاق، وبعد موته لازال ضريحه يعج بالناس البسطاء، ولعل أصدق من عبر عن تلك الحقيقة ما رواه ثعلب السياسة الأمريكية هنري كيسنجر في الجزء الثاني من مذكراته:

«لقد قضينا على الدور السياسي لناصر، ولكننا فشلنا بالقضاء على ذكراه الحسنة لدى الجماهير».

ولعل جمال عبد الناصر ينطبق عليه ما قاله شوقي في رثاء حافظ ابراهيم عندما قال:

« أُنظُر فأنت كأمسٍ شأنكَ بازغ في الشرقِ واسمُك أرفع الأسماءِ
ما حطموكَ وإنما بك حطموا من ذا الذى يحطمُ رفرف الجوزاءِ»

انتهت المساحة المخصصة للمقال وزادت، ولم تنتهى بعد أبيات مسرحية مصرع كليوباترا، مع وعد بتكملة الحديث عن المسرحية في مقال قادم.

المراجع :
• مسرحية مصرع كليوباترا – أحمد شوقي.

• الثورة المضادة في مصر – د. غالى شكري.

• سقوط نظام – محمد حسنين هيكل.

• عام من الأزمات – محمد حسنين هيكل.

 

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0

3 Replies to “عندما يتداخل الأدب والجنس في صميم السياسة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.