اجتماع تربية مختارات مقالات

حينما كانت أمي معلمة داخل مدرستي

من تجارب الحياة ما يستحق السرد للعبرة والأثر

بقلم/ رزان السعافين

في مجتمعنا ما يسمى بتداخل الأمور، بالعامية تسمى “شربكة”.

يحدث أن صديقة لي، والدها اتخذ منصبا في المجتمع، له أصدقاء وله أعداء، مع أن ليس كل صديق هو صديق، وليس كل عدو عاداك من سبب.

المهم أنها عانت حينما كانت تتعامل مع أي مؤسسة مجتمعية حيث المطبلون أو المعادون أو المصادقون على اختلاف أنماطهم، وكل ذلك وفقا لاسم والدها.

من خلال تعاملي معها ما رأيت منها إلا الخير والصدق والشفافية العالية.

حتى لو اختلف شخص معها أو عادى والدها، كانت تتصرف بحكمة دون أن تقابل المثل!

ما دعاني لذكر هذا الأمر على سبيل العبرة وليس لأمر آخر.

وهو أن مجتمعنا يتعامل مع الفرد وفقا لمن هو أبوه وأمه، وليس كفرد خالص له كيانه وذاته المستقلة بشكل محترم، وهذا يترتب عليه تبادل مصالح أو مكاسب وكذلك خسران سواء فرص أو معارف أو مواقف.

ففي تعامل شخص مع مجتمعه سينعكس حتما بصورة سلبية أو إيجابية على علاقة المجتمع بأبنائه بالصورتين السلبية والإيجابية أو الغامضة.

ما دعاني لذكر هذه المقدمة هو تجربة عشتها، أقول فيها أنني محظوظة حينما كنت بكنف أبي وأمي منذ أن كان عمري 10 سنوات، وأنا في الصف الخامس الابتدائي تحديداً.

خلال عامي الدراسي في تلك المرحلة عام 1998م، نقلني والديّ من الدراسة في الأنروا إلى مدرسة حكومية كونها قريبة من البيت.

لم أكن أعلم كطفلة أن تغيير المكان هو قدر جميل بدأت تتشكل فيه معالم شخصيتي وبركة الوالدين حتى هذه اللحظة من عمري!

كانت أمي تعمل في المدرسة الحكومية التي نقلونا إليها كشاغر “بدل أمومة”، وهي فرصة عمل مؤقتة لا تتجاوز الثلاثة أشهر.

بدأت التجربة غريبة في بادئ الأمر، حيث أمي في البيت، وفي عملها مرافقة لنا أيضا، والتوفيق بين الأمرين كان صعبا في البداية، لكنه يربي لدينا سلوكيات كثيرة، ويجعلنا نتعلم ونترعرع لنعرف التوفيق بين أمي بالبيت الأسري، وأمي في البيت المدرسي.

انتهى عقد والدتي من المدرسة، ودخلنا سنة دراسية جديدة، وعدنا نداوم لوحدنا.

لم تصحبنا معها صباحا، مثل العام السابق، وكان لها عقد آخر في مدرسة أخرى.

حدث وأنا بالصف السادس، تحديدا في الفصل الثاني من الدراسة، مرض أحد أساتذة المدرسة وأخذ إجازة مفتوحة، حينها تواصلت معي إدارة المدرسة لاخبار والدتي بأن تتواصل معهم، حيث يريدون شاغراً عاجلا، كان النصيب لها وعادت أمي للعمل في مدرسة ذات الصواري، للمرة الثانية.

كان آخر عهد لي في المرحلة الإبتدائية، وأهم سنتين تتشكل فيهما شخصيتي وفقا للمتغيرات، حقا الروتين يقتل الإدراك، أما التغيير ينميه ويوسع الآفاق وصولا إلى حالة عميقة من الوعي.

كان هناك أبناء معلمين كُثر، كان من المعروف بين الناس، أن أبناء العاملين في ذات المؤسسة حاملا بطاقة VIP للتعامل الحسن والترحاب بين كل الأصحاب.

كان ابن المعلم، شخصا لا يأخذ مصروفه صباحاً قبل الخروج من البيت كروتين باقي الطلبة؛ بل يأخذه من والده أو والدته في المدرسة، يترك أصحابه في وقت الاستراحة ويتوجه لغرفة المعلمين دون إذن مسبق من آذن “قسم الخدمات” أو معلم آخر، ليحصل على مصروفه وطعامه من أبيه أو أمه مباشرة بعناية ودلال منه أو منها ومن الجميع.

كان أيضاً الفرد الـ VIP منا له حق زيادة درجات التحصيل الدراسي، حيث لو حصل درجة في أحد الامتحانات متدنية فإن الترفيع الآلي له مضمون “عشان خاطر أهله” كما كانوا يقولون.

وإن كان متفوقا من أحد الأوائل، فهو المضمون كونه الأول على فصله دون منافس، وليس بجدارة، فالعلامة أو العلامتان لو ضاعت منه بجهده، فهي مضمونة بالإضافة وفقا لخاطر أحد والديه المعلمين.

ومن الملفت أيضاً أن ابن أو بنت المعلم/ة كان يحضر اللقاءات الاجتماعية والمناسبات والزيارات بين الزملاء، ولعل كان نصيب لي كبير من هذا الأمر الأخير، فعشت كل المتغيرات بأبعادها.

بركات النزاهة

كانت أمي تؤمن مصروفنا وغذاءنا قبل أن نخرج معها صباحاً، كنت أعيش طفولتي داخل المدرسة دون قيود أمي، سواء كان دلالا منها أو تعليمات.

كنت أشعر أنني طالبة وجزء من المدرسة ولي كياني الخاص المستقل؛ الذي جعلني أرتبط بالمدرسة كمدرسة والمعلمين كمعلمين وبالأصدقاء كأصدقاء، وليس بأمي كأم !

أمي كانت فقط داخل البيت، ربتنا على النزاهة والتواضع دون الإضرار بأحد أو إزعاجه.

لم أتذكر يوما أنها أعطتني مصروفي داخل المدرسة إلا في حالات نادرة، كأن تكون صباحا في عجالة من أمرها ولا يوجد معها “قروش فكة”، فكانت تستعين بي بالذهاب للكافتيريا، لأفك الأوراق المالية إلى نقود وأشتري لها وآخذ نصيبي أيضاً.

ولم أتذكر يوما أنني نقصت علامة في امتحان فصلي أو نهائي، وكانت أمي تقف على رأس معلم/ة المادة الدراسية وتطالبها برفع درجاتي كي أضمن الأولى على الفصل، وتتباهى بي خداعا أو بغير حق!

أحمد الله أني لم أذق طعم الأولى على الفصل يوما بغير جدارة في مراحل الطفولة المختلفة إلى أن انتهيت من حياتي المدرسية.

كبرت معي تلك العادة والقناعة، فخرجت بتعلم مبدأ “اتعب على نفسك تكسب أكثر”، ومن تعب وجدّ فقد وجد، ويصل لما يريد، حين يسير على خطى واضحة صادقة من عرق الجبين، دون إضرار أحد أو إجباره على نيل ما لا يستحق، كي ينال فرصا زائفة. 

وانعكس ذلك في حياتنا واصبح واقعا وأسلوب حياة نعتمده، وهي رسالة نوجهها لكل معلم وأب وأم وولي بألا يعوّد الطفل أن ينال أي شيء دون تعب منه. 

فمشوار النجاح محفوف بالسعي والتجارب، وليس الواسطة وفيتامين “واو”، وعليه كي ينعكس هذا النموذج مستقبلا على المجتمع في الحياة العملية وكذلك الاجتماعية.

أما نصيبي من الزيارات الاجتماعية والمناسبات، فكانت تصحبني أمي معها كثيرا، إلا في حالات محددة يُمنع بها اصطحاب الأطفال، ولعل الأخيرة امتدت حتى يومنا هذا.

فبالنسبة لي، نعمة كبيرة أدركتها حينما كبرت، ووصلت لمحطات مختلفة من أيام حياتي، وأصبحت صديقات أمي صديقاتي.

بالفعل والحمد لله نتبادل الزيارات واللقاءات حتى الآن، وامتد الود في جذر تاريخ هذه العلاقة المباركة المنعكسة على حياتنا حتى اللحظة، وسأقول في مقالة أخرى لاحقة كواليس الأمر.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0

2 Replies to “حينما كانت أمي معلمة داخل مدرستي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.