ثقافة عروض كتب مختارات مقالات

الاندماج الفلسطيني في تشيلي وأثره على الهوية الوطنية

الاندماج الفلسطيني في تشيلي وأثره على الهوية الوطنية 


إعداد/
رزان السعافين و نسمة الحلبي

الملخص

  تهدف هذه الدراسة للتعرف على واقع أبناء الجالية الفلسطينية في دولة تشيلي إحدى دول أمريكا اللاتينية، ومدى انتمائهم الوطني وتمسكهم بالثوابت الفلسطينية، في ظل حالة من اندماجهم منذ السنوات الأولى التي وطأت فيها أقدامهم أمريكا اللاتينية ما قبل نكبة عام 1948 حتى يومنا، في المجالات الثقافية والاقتصادية والسياسية وغيرها.

  ومن واقع الدراسات والأبحاث التي تناولت حياة الفلسطينيين هناك، يتبين أنهم حققوا نفوذاً سياسياً واقتصادياً لا يمكن تجاهله، حيث اندمجوا مع مجتمعاتهم بشكل كامل، بحيث بت لا تجد فلسطينياً لاتينياً يحتفظ بلسانه الأم ولغته العربية، في حين أن ارتباطه بوطنه الأم لا يتجاوز بعض الذكريات العائلية والقصص المحكية وأسماء العائلات.

وتبين من خلال هذه الدراسة إلى أنه يمكن النظر إلى عودة الفلسطينيين اللاتينيين إلى “أمهم” مرة أخرى بمثابة انعطافة جديدة يجب البناء عليها في محاولة لجسر الهوة وبناء ما تم هدمه بين الفلسطينيين اللاتينيين ووطنهم الأم، حتى لا يتحول الفلسطينيون هناك، كما وصفهم شاعر فلسطيني لاتيني يوما بـ “أبناء فقدوا أمهم” (الفلسطينيون في أمريكا اللاتينية، 2019).

وبناء عليه يجب التعمق في دراسة واقع الفلسطينيين اللاتينيين، والتطورات الدائمة لحال الجالية الفلسطينية في تشيلي، والعمل على تفعيل كل ما من شأنه أن يعزز الهوية الوطنية الفلسطينية، ويدعم الانتماء الفلسطيني رغم الاندماج في دول الشتات، وفتح آفاق وعلاقات مع الفلسطينيين هناك بمختلف الوسائل لتكثيف وتعميق حجم الدراسات المطلوبة لتحقيق ذات الغرض.

كلمات مفتاحية: الاندماج– الهوية الوطنية- الفلسطينيون اللاتينيون- الشتات_ الجالية الفلسطينية.

المقدمة

في عصرنا الحالي توجد جاليات كبيرة في أميركا الجنوبية، خصوصاً تشيلي التي تعيش فيها أكبر جالية فلسطينية في العالم خارج الوطن العربي عدا دول الطوق، ولكن ليست كلها من اللاجئين بل معظمهم مهاجرون قدامى، وتمتاز هذه الجاليات بالنشاط الاجتماعي والسياسي بسبب ممارسة الديمقراطية، وقد تطور هذا بسبب سهولة الاتصال وحشد الجهود بواسطة الإنترنت، كما لعبت الفضائيات العربية دوراً كبيراً في نقل الأخبار والأفكار. (شلش، 2017)

ولعب الفلسطينيون دورا هاما في السياسة التشيلية. فإبان الانقلاب على حكومة “سيلفادور ألندي” المنتخبة بشكل ديموقراطي عام 1973م، لعبت الصناعات التي يملكها فلسطينيون دورا مهماً في الانقلاب، وشكلت عامل ضغط. ويسيطر الفلسطينيون إلى جانب نفوذهم السياسي على قطاع المال في تشيلي (حنفي، 2001).

وساعد انخراط واندماج أبناء الشتات الفلسطيني في المجتمعات اللاتينية وإتقانهم للغة الإسبانية الأحزاب الفلسطينية على الوصول إلى تلك المجتمعات، والتأسيس لعلاقات سياسية واجتماعية وثقافية، عبر افتتاح مؤسسات تمثيل لها. إلى أن توقيع اتفاق أوسلو كان القشة التي قسمت ظهر البعير في علاقة أبناء الجالية الفلسطينية في أمريكا اللاتينية مع منظمة التحرير، وتراجع انخراط أبناء الجالية الفلسطيني مع القضية الفلسطينية بشكل لم يسبق له مثيل (الفلسطينيون في أمريكا اللاتينية، 2019)

وتشير الباحثة “سيسيليا بايزا” إلى علاقة الفلسطينيين في أمريكا اللاتينية بوطنهم الأم بالقول: “هذه الأيام، يعتبر الفلسطينيون في أمريكا اللاتينية أقلية فعالة جدا، على المستويين الثقافي والسياسي. ويحافظ معظمهم على علاقة غير قوية مع فلسطين، مثل الاحتفاظ باسم العائلة، ذكريات عائلية، وبعض عادات الطهي.” وساهم موقف الحكومات في أمريكا اللاتينية الذي يأتي مناصراً لفلسطين في عدم انخراط الفلسطينيين هناك بالقضية الفلسطينية، لأن حكوماتهم تقوم بذلك، على عكس الولايات المتحدة التي تتبنى حكومتها موقفا علنياً مناصراً لإسرائيل، على الصعد السياسية والمالية والعسكرية (الفلسطينيون في أمريكا اللاتينية، 2019).

مشكلة الدراسة:

بفعل الواقع الفلسطيني في ظل الاحتلال وتداعياته على مر التاريخ، واضطرار الفلسطينيين للهجرة والاندماج في مجتمعات الشتات، والتي كان من أبرزها تشيلي إحدى دول أمريكا الجنوبية التي تعيش فيها أكبر جالية فلسطينية في العالم تتألف من اللاجئين والمهاجرين القدامى، برزت إشكالية تتعلق بأثر اندماج الفلسطينيين في المجتمع التشيلي وانخراطهم في المجالات الاقتصادية والثقافية والاجتماعية على التمسك بالهوية الفلسطينية، الأمر الذي يتطلب مزيداً من البحث للنظر في الأسباب التي أدت هذا التأثر، وآليات تعزيز تمسك الفلسطينيين اللاتينيين بفلسطينيتهم رغم ذلك الاندماج في الشتات.

تساؤلات الدراسة:

من واقع مشكلة الدراسة والبحث في طبيعة العلاقة الفلسطينية التشيلية وتوطين واندماج عدد كبير من الفلسطينيين على مدار سنوات طويلة في المجتمع التشيلي، تخلص الطالبتان إلى تساؤل رئيس لهذه الدراسة وهو:  كيف أثَّر الاندماج الفلسطيني في تشيلي على التمسك بالهوية الوطنية؟

ويتفرع منه الأسئلة الفرعية التالية:

  1. كيف وصل الفلسطينيون إلى تشيلي وما العوامل التي ساهمت في انخراطهم بالمجتمع؟
  2. ما أوجه الاندماج والتكيف التي ترتبت على وجودهم في تشيلي؟
  3. هل تأثر التعاطي مع القضية الفلسطينية على المستوى الرسمي التشيلي مع وجود المهاجرين الفلسطينيين هناك؟

أهداف الدراسة:

  1. التعرف على طبيعة الوجود الفلسطيني في تشيلي منذ بداياته وحتى يومنا.
  2. الكشف عن طبيعة التكيف الفلسطيني في تشيلي في مختلف المجالات الثقافية والاقتصادية والاجتماعية.
  3. البحث في أثر الاندماج الفلسطيني في تشيلي على التمسك بالهوية الفلسطينية والثوابت الوطنية، وتشكل الموقف تجاه القضية الفلسطينية.

أهمية الدراسة:

تنبع أهمية الدراسة من واقع قلة المعرفة عن الوجود الفلسطيني في تشيلي، وما حققه أبناء الجالية الفلسطينية هناك من اندماج وانتشار، كان نتيجته شيوع المثل القائل: “أينما ذهبت في تشيلي، ستجد راهباً وصياداً وفلسطينياً”، يردده التشيليون باستمرار، وكذلك الفلسطينيون الذين يفتخرون بأنفسهم وإنجازاتهم في تلك الدولة الواقعة أقصى جنوب القارة اللاتينية.

فكان من المهم تفسير ذلك والتعمق في معرفة الجانب المعرفي لإثراء الجوانب النظرية لكل دارس وقارئ وباحث وإقناعه أن الجاليات الفلسطيني رغم تأثرها أو تراجعها بين الفينة والأخرى في التمسك بالثوابت إلى أن هناك جهودا جبارة في تعزيزها وتحقيقها.

منهجية الدراسة:

اعتمدت الدراسة على المنهج الوصفي، من خلال جمع المعلومات المتعلقة بواقع الفلسطينيين في الدولة التشيلية، واندماجهم في المجالات الاقتصادية الثقافية والسياسية، منذ موجات الهجرة الأولى وحتى الآن.

الدراسات السابقة:

دراسة حنفي (2001): تتناول الدراسة العلاقة بين الشتات والأراضي الفلسطينية، وضمن جاليات الشتات وفيما بينها مع المجتمع المستقبل، عبر ثلاثة محاور تتضمن تحليل الشبكات الفلسطينية من الجانب العائلي والجهوى والوطني، ويرسم لوحة معقدة من الجاليات الفلسطينية، بالإضافة للاتجاهات الاقتصادية، وكذلك الأبعاد الجغرافية والتاريخية للوجود الفلسطيني في تشيلي(حنفي،2001).

دراسة الفلسطينيون في أمريكا اللاتينية (2019): تتطرق إلى الفلسطينيين في أمريكا اللاتينية وتصفهم بأبناء فقدوا أمهم، في إشارة إلى ما تستعرضه من حالات اندماجهم في الشتات وتعمقهم في الحياة الاجتماعية والثقافية، ومحاولات الرجوع للوطن لكن دون التأكيد على الانتماء الحقيقي والرغبة في العودة (الفلسطينيون في أمريكا اللاتينية، 2019).

Beaume (2019): دراسة حول إعادة توطين السياسة، تستعرض حالة الشتات الفلسطيني في تشيلي نموذجاً، وتتناول التوطين الفلسطيني في تشيلي وأثره على مناحي مختلفة أبرزها الجوانب السياسية، ومدى تأثير ذلك على حق العودة Beaume, 2019)) .

أولاً: هجرة الفلسطينيين إلى تشيلي

إن الكتابة عن الهجرة الفلسطينية إلى تشيلي شيء شاق ومتشعب، لا سيما أن المصادر قليلة والمسافات بعيدة في بلد طوله حوالي ستة آلاف كم ومساحته ما يقارب الخمسمائة ألف كيلومتر مربع يعيش فيه أربعة عشر مليون نسمة.

إن حدود تشيلي الطبيعية تجعلها أشبه بشبه جزيرة معزولة منذ قرن أو أكثر، أما الآن فتطور وسائل النقل والطائرات قد قصر المسافات وجعلنا كأننا نعيش في بلد واحد. فمعظم سكان البلاد ينحدرون من المهاجرين الأوروبيين ومن الأسبان الذين جاءوا مع كولومبوس عندما اكتشف أمريكا، ومن أبناء المهاجرين الذين بدأوا يتوافدون على البلاد منذ نهاية القرن التاسع عشر.

يتأثر مناخ تشيلي إلى حد كبير بموقعها الجغرافي، ففي الشمال تكثر المناطق الصحراوية، وفي الجنوب تكثر مناطق الغابات فهي تمطر معظم أيام السنة، وفي الوسط إذ توجد السهول والمناطق الزراعية، يسود مناخ معتدل يشبه إلى حد بعيد مناخ البحر الأبيض المتوسط، وهنا يعيش غالبية السكان وضمنهم أبناء الجالية الفلسطينية والعربية (حنفي، 2001).

يعتبر السيد جبران دعيق من مدينة بيت لحم، أول فلسطيني وصل إلى هذه البلاد في العام 1880، وفي العام نفسه تبعه السيد صالح يوسف جاسر، لقد سكن كلاهما في مدينة كونسيسيون في المنطقة الوسطى الجنوبية، وعملا في صناعة تحف الأراضي المقدسة والتجارة بها. بعد ذلك تبعهم مهاجرون آخرون وعلى فترات ومراحل يمكننا تصنيفها كما يلي:

المرحلة الأولى: من العام 1880 – 1914

المرحلة الثانية: من العام 1914 – 1939

المرحلة الثالثة: من العام 1946 – 1967

وقد تواصلت بأعداد قليلة حتى يومنا هذا، ويشير إحصاء عدد السكان في تشيلي للعام 1885 إلى وجود 29 عربياً، وفي العام 1895 يرتفع هذا العدد إلى 76 ، وفي العام 1907 يصل إلى 729، بينما في إحصاء 1920، أي بعد انتهاء الحكم العثماني وصل الرقم إلى 1024 فلسطينياً، ولأول مرة يظهر اسم فلسطين كمصدر هجرة إلى تشيلي ليعود إلى الارتفاع في إحصاء العام 1930 إلى 3156.(حنفي، 2001)

أسباب هجرة الفلسطينيين إلى تشيلي:

الغالبية العظمى من الفلسطينيين الذين جاءوا إلى أمريكا اللاتينيّة، كانوا يحلمون بمستقبل يحمل فرصًا جديدة، واستطاعوا رسم مستقبل لا يقلُّ بريقه عن ذلك الذي كان يمكن لهم أن يرسموه في بلادهم، لولا أن حاصرت الجدران الإسمنتية أحلامهم وحرياتهم (عمر، 2016).

ويُقال اليوم إنه لا توجد عائلات في أماكن مثل بيت جالا ليس لديها أقارب في تشيلي. استمرت عمليات سلسلة الهجرة طوال القرن العشرين وفي القرن الحادي والعشرين، غالبًا ما يتم مناقشة الدوافع الأولية له على هذا النحو، فإن الغالبية العظمى من المهاجرين من سكان الشرق الأوسط للأمريكتين مسيحيين، وهو اتجاه مرتبط أيضًا بالبيئة الصعبة التي تؤثر على مجتمعاتهم، وهذا الخروج المسيحي، هو أيضًا ظاهرة متأصلة في السياق الاجتماعي السياسي لفلسطين في القرن العشرين. خاصة بعد أن أصبح التجنيد إلزامياً للمسيحيين العرب في الدولة العثمانية في عام 1909 (Saffie, Agar,2012:63).

يبدو أن هذه السياسة، إلى جانب الوضع الاقتصادي المتدهور خلال الحرب العالمية الأولى أديا إلى تسريع عدد المغادرين إلى تشيلي، حيث وصل غالبية أسلاف التشيليين الفلسطينيين حول هذه الفترة وفي السنوات التي تلت سقوط الإمبراطورية العثمانية في عام 1924 (Baeza 2005؛ Saffie, Agar 2012).

ومع ذلك، واصل الوافدون أيضا قبل وأثناء وبعد تقسيم فلسطين عام 1947 وما تلاها من قيام دولة إسرائيل، والطرد القسري والتهجير للفلسطينيين والاستيلاء على الأحياء والمدن العربية. وحدثت موجات أخرى أثناء وبعد “حرب الأيام الستة” في عام 1967، وكذلك في انتفاضتي عامي 1987 و 2000 (,Tsimhoni 1993: 19). وظلت الطرق الرئيسة من خلال لم شمل الأسرة والزواج، ولكن الأرقام كانت أقل أهمية بكثير مما كانت عليه في هذه الفترة بين عامي 1900 و 1930 (Baeza,2005). ولا تزال هذه الهجرة مستمرة إلى تشيلي حتى اليوم، على الرغم من الظروف المختلفة بشكل كبير.

إلا أن البحث عن حياة أفضل في تشيلي قوبل في البداية بالاستبعاد، ومع ذلك فإن التكيف مع التواجد في تشيلي كان إيجابياً، ويرجع ذلك إلى المعتقدات الدينية المماثلة مع التشيليين. مع التغاضي عن العنصرية والتحامل في بعض الأحيان التي ظهرت في بدايات الهجرة، حيث كان يُنظر إلى العرب التشيليين على أنهم أجنبيون دائمون، غير قادرين على دمج أنفسهم بشكل كامل في الخيال الوطني “mestizaje التشيلي”. وقد كانت الصحافة المحلية تصور التشيليين العرب على أنهم طفيليون، بينما تم تصوير كبار رجال الأعمال العرب على أنهم شره.

الجالية الفلسطينية في تشيلي:

في العام 1939 قام الأستاذ أحمد حسان مطر بدراسة مسحية للعرب في تشيلي، وينشر ذلك في كتيب تحت عنوان “دليل الجالية العربي في تشيلي” العام 1941، إذ يسجل وجود 1224 عائلة فلسطينية وهو يعنى بالعائلة ويصنف الأماكن والمدن التي جاءت منها هذه العائلات في فلسطين وهي كما يلي:

446 عائلة من بيت جالا، 434 عائلة من بيت لحم، 65 عائلة من بيت ساحور، 55 عائلة من القدس، 36 عائلة من الطيبة – رام الله، 9 عائلات من جفنة – رام الله، 72 عائلة بدون ذكر المصدر أو المدينة (حنفي، 2001).

في عام 2008، أُعيد توطين 117 لاجئًا فلسطينيًا في تشيلي قادمين من العراق بشكل رسمي، بالتوازي مع تنفيذ المشروع من قبل الحكومة التشيلية ومفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين وشركائهم من المنظمات غير الحكومية لدعم المجتمع الفلسطيني الذي استقر منذ زمن طويل، من خلال توفير المواد والموارد الثقافية ومع ذلك، مجرد التركيز على علاقة هذه الممارسات بالتكامل سوف تحجب حقيقة أن هذه المشاركة كانت في حد ذاتها مسيسة للغاية، ولا يمكن فصل إعادة توطين اللاجئين الفلسطينيين في عام 2008 عن السياق التاريخي لقرنين من الوجود الفلسطيني في المجتمع التشيلي، حيث رسم تاريخ الهجرة إلى شيلي واستمرارها علاقة ثقافية واجتماعية وخاصة سياسية بـ “الوطن” كمغتربين، فكرة مميزة عن فلسطين متجذرة في واقع السياق التشيلي (Baeza, 2014).

وتعتبر اليوم، الجالية الفلسطينية في تشيلي هي الأكبر خارج منطقة الشرق الأوسط. وتشير التقديرات إلى أن هناك حوالي 400،000 من أصل فلسطيني يعيشون حاليا في البلاد، مما يجسد الارتباط بين الشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية والذي يعرف بتدفقات الهجرة التي تعود إلى نهاية القرن التاسع عشر (Baeza, 2014).

ثانياً: اندماج الفلسطينيين وتكيفهم في المجتمع التشيلي

كان للمناخ الذي تتمتع به أوساط البلاد التشيلية والذي يشبه إلى حد بعيد مناخ أرض فلسطين، وكذلك للمعاملة الحسنة التي لقيها المهاجر الفلسطيني من جهة أبناء الشعب والسلطات، أثر كبير في هذا الاندماج. غير أن فئة قليلة من اليمين الذين يمثلون أصحاب الأموال المحليين قد بدأوا يرون في هذه الهجرة منافسة لهم ولمصالحهم، فأخذت هذه الفئة بالهجوم على الهجرة العربية والفلسطينية. (حنفي، 2001)، وكذلك الرغبة الحقيقة في الحياة الكريمة بعيداً عن قهر الاحتلال والظروف الاقتصادية والسياسية الصعبة كان لذلك دور في تحمل كثير من الصعاب، وصولاً للتكيف والاندماج في السياقات الاقتصادية والثقافية والسياسية.

1) في السياق الاقتصادي:

واجه المهاجر الأول ظروفاً اقتصاديةً ومعيشيةً صعبةً، ولكن ماضي معظمهم القروي ومستوى حياتهم المتواضع ساعدهم على احتمال تقلبات الحياة، وتعلموا أن يكسب الفرد معاشه بأي عمل كان.

ومع ذلك احتفظ المهاجر الأول بخطوط اتصال مفتوحة مع مسقط رأسه، وكان تدفق المساعدة المالية إلى ذويه فرضا واجبا، ويقابل من هؤلاء بالامتنان والفخر وبأن “المسافر” قد نجح في مهمته، وما زال الناس يذكرون بيت فلان وعلان الذي قام بمساعدة المغترب الناجح في هذه المدينة أو تلك، وقصص هؤلاء وسفرهم لا تزال حتى يومنا هذا من الأحاديث الشعبية المتكررة في معظم المناسبات (حنفي، 2001).

ومع تطور السياق الاقتصادي، أسس العديد من المهاجرين العرب من التجار ورجال الأعمال الناجحين أنفسهم في تشيلي خلال الفترات المبكرة من القرن العشرين، مع الحفاظ على اتصال مهم مع وطن أجدادهم. ومن المعروف اليوم أن الألقاب الفلسطينية هي من بين أغنى أغنياء البلاد (Saffie and Agar 2012: 70). أمثال يارور وسعيد وهيرماس أصبحت رموزًا لصناعة النسيج والثروات (Baeza,  2005). وحسب (:602014 Baeza,) “لقد ملأوا الفراغ في أمريكا اللاتينية حيث ساهمت بشكل كبير في تطويرها حديثًا الدول الصناعية والمغامرة في جميع مجالات الاقتصاد الوطني والجغرافيا. ومع مرور الوقت، يبدو أن هذه المشاركة الهامة في الاقتصاد دعمت في نهاية المطاف دمج المجتمع الفلسطيني، وبدأ يحتل موضع تقدير واحترام.

والآن يشغل أحفاد أبناء فلسطين في تشيلي جميع مرافق الحياة، فبالإضافة لرجال الأعمال والاقتصاد، فإن هناك عدداً مهماً في مراكز مهمة أخرى كأطباء، ومهندسين، ومحامين، ورجال اقتصاد، وفنانين، وعسكريين، وأساتذة، وعلماء، وكتاب، وشعراء، وسياسيين، ورجال دين، وأصحاب مزارع وبنوك. وعلى سبيل المثال، يوجد في تشيلي 14 بنكاً، ثلاثة منها يملكها منحدرون من أصل فلسطيني، أي بنسبة الخمس. وهذه النسبة يمكن أن تعكس إجمالية مشاركتهم في اقتصاد تشيلي بنوع عام (حنفي، 2001).

وفيما يخص رجال الأعمال في تشيلي وعدم الاستثمار في فلسطين، فإن معظم المنحدرين من أصل فلسطين، شأنهم مثل إخوانهم الفلسطينيين، يشعرون بأن الواجب يفرض عليهم أن يشاركوا في معركة الاقتصاد في الأراضي الفلسطينية. فهناك 15 رجل أعمال أفصحوا عن نواياهم في الاستثمار في فلسطين، نستنتج أن قلة قليلة منهم أبدت استعدادا للاستثمار، على الرغم من جهود السلطة الوطنية الفلسطينية في حثهم. وقد علل هؤلاء أجوبتهم بالنقطتين التاليتين: الأولى تتعلق بموقفهم النقدي لاتفاقيات أوسلو: فبالرغم من تأييدهم للوصول إلى حل مقبول يرضي الطرفين، الفلسطيني والإسرائيلي، عن طريق مفاوضات، فإنهم يعتبرون أن اتفاقيات أوسلو لا تشكل أرضية لحل سلمي عادل، يقود إلى إقامة دولة حرة مستقلة في فلسطين، عاصمتها القدس. أما النقطة الثانية تتعلق بنقد أداء السلطة الوطنية الفلسطينية، إذ أن الاستثمار، كأي مشروع اقتصادي، يحتاج إلى مناخ مناسب تسوده الحرية والديمقراطية والاستقلال، وهذا ما تفتقر إليه مناطق الحكم الذاتي، بسبب ارتباطها الحالي بإسرائيل بصورة مباشرة وغير مباشرة. (حنفي، 2001)

2) في السياق الثقافي:

مما لاشك فيه أن أبناء الأجيال الثانية وما يليها، يتمثلون السبل والقيم الأمريكية، على المستوى المدني والحقوقي والحياتي، ولكنهم لم يتناسوا القيم والتقاليد والعادات، والمأكولات العربية التي علمهم إياها آباؤهم وأجدادهم، والتي أصبحت جزءا من حياتهم في تشيلي، بل إن بعضها قد أصبح من الحياة التشيلية ذاتها. والأمريكي العربي، يعتز بجذوره، وينتمي إلى أصوله وينادي لفلسطينيته، كما يقول الشاعر الراحل محفوظ مصيص:

على سفح سلسلة هذه الجبال العالية

أنا محفوظ مصيص

ابن فلسطين في القارة الأمريكية

مواطن من العالم الثالث

أصرخ بأعلى صوتي

ضد الظلم والطغيان

وللحفاظ على الهوية والتراث الفلسطينيين، أسس المهاجرون الأوائل نوادي ثقافية واجتماعية، منها نادي بالستينو الاجتماعي، يجتمع فيه أبناء الجالية أسبوعياً، يناقشون قضاياهم في تشيلي، ولا تغيب عنهم قضية الوطن الأم. (عمر، 2016)

ومع أن معظم الفلسطينيين في تشيلي لا يتكلمون اللغة العربية، إلا أنهم غالباً ما يحتفظون بعلاقة مع الوطن بطرق أخرى مثل الموسيقى والطعام والرقص، سواء في المنزل أو في الأحداث الثقافية. Beaume)،2019)

لقد أنشئت مئات النوادي والمؤسسات في مختلف مدن تشيلي، إذ يندر أن توجد مدينة تخلو من نادٍ  أو جمعية عربية تحتل مكانا مرموقا في المدينة، تحمل الاسماء العربية، وترمز إلى وجودها في تلك المنطقة، وهناك بالإضافة إلى النوادي والمؤسسات الكثيرة، مناسبات وأحداث تذكر فلسطين، وشعبها وثقافتها ومنها: نادي فلسطين الرياضي الذي ينتمي إلى الدرجة الأولى ويشترك أسبوعيا في دورة كرة القدم. ويقام سنويا مهرجان للأغنية الفلسطينية ومعرض للرسم والفن التشكيلي الفلسطيني تحت عنوان “فلسطين كما تراها تشيلي” ويرفرف في هذه المناسبات علم فلسطين عاليا في تشيلي. Beaume)،2019)

ويوجد في تشيلي ثلاث مدارس عربية، ابتدائية، وثانوية كاملة، مديروها، منحدرون من أصل فلسطيني، في المدن الثلاث: كنسبسيون، فينا دل مار، سنتياغو، إذ يتلقى طلابها معلومات عن التاريخ والفلكلور الفلسطيني والعربي. كما توجد أربع كنائس مسيحية عربية وجامع إسلامي.

من هذه العجالة نستطيع أن ندرك أن الجذور الفلسطينية العربية في تشيلي تمتد إلى ما يزيد على 115 عاما، وأن أبناء الجالية، يحملون فلسطين في وجدانهم وفي قلوبهم، كما يدينون بولائهم إلى وطنهم الجديد تشيلي.(حنفي، 2019)

ورغم أن فلسطينيي تشيلي يمثلون أكبر جالية فلسطينية في العالم الغربي، وينشطون في خدمة فلسطين مالياً وسياسياً وثقافياً، إلا أن قضيتهم غائبة إلى حد كبير، ويعود ذلك الى تهميش الإعلام الفلسطيني لهم بالدرجة الأولى، لكن ذلك لا يُلغي تقصير فلسطينيي تشيلي في تأسيس مدارس عربية لتعليم أبنائهم لغة الأجداد بدلاً من الحديث باللاتينية فقط، فضلاً عن إنشاء قنوات إعلامية ناطقة بالعربية، تحاكي الفلسطينيين في كل مكان. (عمر، 2016)

ثالثاً: التأثير في الموقف التشيلي من القضية الفلسطينية

يمثل الطابع الفلسطيني في تشيلي أكثر من مجرد علامة ثقافية، فبالنسبة للفلسطينيين التشيليين، تم ضمان الحفاظ على الجرح المفتوح لفلسطين أن المجتمع لا يزال يقظًا ونشطًا لحقوق الشعب الفلسطيني في أرضه، حتى بعد أجيال عديدة، خاصة مع استمرار الاستيطان وسياسات الفصل العنصري الإسرائيلي، وكذلك القضايا التي لم تحل المتعلقة بعدم وجود دولة ذات سيادة للفلسطينيين، والعنف المستمر في المنطقة والخلافات حول حق العودة، ليشكل اللاجئون الفلسطينيون الجوانب الرئيسة التي تعمل على توحيد وربط الفلسطينيين في الشتات (Mavroudi 2018: 1313).

وفي مدينة فال براييسو الساحلية، هناك وجه آخر من وجوه التأثير الفلسطيني، حيث يقع البرلمان التشيلي، وبداخله 14 عضواً من أصول فلسطينية، النائب في مجلس الشيوخ فرانشيسكو شهوان، يُعد من أبرز الوجوه السياسية في البلاد، يقول: “في البرلمان نحن تشيليين لكنَ دماءنا فلسطينية، نسعى باستمرار لمناصرة القضية الفلسطينية من خلال الضغط على الحكومة لاتخاذ مواقف داعمة لفلسطين”. وفي داخل البرلمان تنشط مجموعة أصدقاء فلسطين التي تمثل 50% من أعضائه، وتناصر فلسطين علناً، وقد أطلقت هذه المجموعة حملة في القارة اللاتينية لمطالبة بريطانيا بالاعتذار عن وعد بلفور.

كما لعبت النخب الشيلية الفلسطينية تاريخياً، دورًا رئيسًا في تشكيل السياسة الخارجية التشيلية نحو فلسطين. وكانت هناك فرص لنخب المغتربين أن يكونوا مؤثرين على جميع مستويات الدولة التشيلية، وقد كان لرؤساء البلديات والنواب والشيوخ _ومنهم 12 من أصل فلسطيني_ دور في جلب القضية الفلسطينية باستمرار إلى مقدمة جدول الأعمال، بغض النظر عن الاختلافات في غالبية القضايا السياسية الأخرى (Baeza,2014:67).

ومن المواقف التي تحسب لتأثير الوجود الفلسطيني في تشيلي على التعاطي بإيجابية مع القضية الفلسطينية، امتناع الوفد التشيلي عن التصويت عام 1947 على تقسيم فلسطين بعد ضغط المجتمع الفلسطيني. بالإضافة إلى ذلك، في عام 2011، اعترفت الحكومة التشيلية رسميا بالدولة الفلسطينية، ومؤخراً في العام 2018، ندد البرلمان بسجن الطفلة عهد التميمي وأطفال فلسطينيين آخرين في إسرائيل، وقد جرت احتجاجات مؤخراً على اعتداءات إسرائيل المستمرة في غزة أو قرار ترامب بنقل الولايات المتحدة السفارة إلى القدس، ويرتبط الاحتجاج من أجل فلسطين في شوارع تشيلي ارتباطًا وثيقًا بـ “سياسة الوجود” للنضال من أجل الأرض ووجود “فلسطين” في تحد للاحتلال القسري في الوطن. (Baeza,2014).

الخاتمة والنتائج:

تخلص الدراسة إلى أن الجالية الفلسطينية في تشيلي تتمتع بنفوذ سياسي واقتصادي وثقافي، وفي حال أُحسن استثماره سيؤدي أثراً ملموساً يصب في صالح القضية الفلسطينية. هذا الاندماج في المجتمع التشيلي أدى إلى ضعف ارتباط الفلسطينيين في هناك بوطنهم الأم الذي بات لا يتجاوز بعض الذكريات العائلية والقصص المحكية وأسماء العائلات.

ومع ذلك شهدت السنوات الأخيرة رغبة مئات الفلسطينيين اللاتينيين بالتعرف على حقيقة الوضع في الأراضي المحتلة، وهذا من شأنه جسر الهوة وبناء ما تم هدمه بين الفلسطينيين اللاتينيين ووطنهم الأم، فتجربة الهجرة في العالم تثبت أن التمثل التام والانصهار التام مستحيل، وأن الخصوصيات تستمر حتى مع التكيف والاندماج في المجتمع المضيف.

علاوة على أن النخب الشيلية الفلسطينية تاريخياً، أدت لا تزال دورًا رئيسًا في تشكيل السياسة الخارجية التشيلية إزاء القضية الفلسطينية التي لاقت دعماً لحقوق الفلسطينيين بالحرية على أرضهم.

وهذا يقودنا إلى بذل مزيد من الجهود لتعزيز الهوية الوطنية الفلسطينية لدى فلسطينيي المهجر، والأخذ بيدهم ليكونوا أعمدة بناء في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية كافة.

التوصيات:

  1. ينبغي على الجهات الرسمية في بلداننا العربية تدبير السياسات عبر برامج تحقق العدالة الاجتماعية وترسخ قيم الحرية والكرامة والمساواة وحقوق الإنسان وتعيد الثقة للإنسان وتحد من قلقه على المستقبل وبحثه عن وطن بديل.
  2. ضرورة وعي السلطة الوطنية بضرورة تغيير سياساتها لتقديم مزيد من الدعم لاستثمارات رجال الأعمال الفلسطينيين اللاتينيين في وطنهم فلسطين.
  3. التأكيد على تعزيز الحفاظ على النوع الثقافي والهوية الوطنية في المهجر تبقي الوطن حاضراً على مر الأجيال.
  4. فتح آفاق وعلاقات مع الجاليات هناك بمختلف الوسائل لتكثيف وتعميق حجم الدراسات المطلوبة في الحقل المعرفي، وزيادة حجم الترجمات من اللغات الأخرى إلى العربية عن وضع الجاليات الفلسطينية في تشيلي، لدراسة التطورات الدائمة لأحوالها وتغذية الدراسات والبحوث.

 

المراجع:

حنفي، ساري، (2001)، هنا وهناك_نحو تحليل للعلاقة بين الشتات الفلسطيني والمركز، المؤسسة الفلسطينية لدراسة الديمقراطية، ط1، ص239-249

الفلسطينيون في أمريكا اللاتينية “أبناء فقدوا أمهم”، (2015)، مركز الدراسات السياسية تم الاطلاع عليه بتاريخ 10/11/2019.https://cutt.us/rFEwv والتنموية،

عمر، مها، (2016)، الفلسطينيون في تشيلي البداية من اللاشيء، موقع التراصوت، .تم الاطلاع عليه بتاريخ 30/12/2019   https://ultrapal.ultrasawt.com

شلش، لندا، (2017)، تشيلي: أينما ذهبت تجد راهباً وصياداً وفلسطينياً، موقع قدس نت. تم لاطلاع عليه بتاريخ 15/12/2019   https://qudsn.net/post/114489

Beaume, V. (2019) ‘Politics resettled: The case of the Palestinian diaspora in Chile’, Refugee Studies Centre Oxford Department of International Development

Baeza, C. (2005) ‘Les Palestiniens du Chili: De la Conscience Diasporique à la Mobilisation Transnationale’, Revue d’Études Palestiniennes, 95: 51-87.

Baeza, C. (2014) ‘Palestinians in Latin America’, Journal of Palestine Studies, 43(2), 59-72.

Jabra, J. I. (1995). The First Well, a Bethlehem Boyhood. Fayetteville: University of Arkansas Press.

Mavroudi, E. (2018) ‘Deconstructing Diasporic Mobilisation at a Time of Crisis: Perspectives from the Palestinian and Greek Diasporas’, Journal of Ethnic and Migration Studies, 44(8): 1309-1324.

Saffie, N. and Agar, L. (2012) ‘A Century of Palestinian Immigration to Chile: A Successful Integration’ in Raheb, V. (ed.) Latin Americans with Palestinian Roots. Bethlehem: Latin Patriarchate

Sokefeld, M. (2006) ‘Mobilizing in Transnational Space: A Social Movement Approach to the Formation of Diaspora’, Global Networks, 6(3): 265-284.

Tsimhoni, D. (1993) Christian Communities in Jerusalem and the West Bank Since 1948: An Historical, Social and Political Study. London: Praeger.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0

One Reply to “الاندماج الفلسطيني في تشيلي وأثره على الهوية الوطنية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.