عروض كتب مقالات

الإسلام السياسي والعسكر والموضوع الفلسطيني في الشرق الأوسط

ظواهر عربية تتراجع
الإسلام السياسي والعسكر والموضوع الفلسطيني والمكانة الجيواستراتيجية للشرق الأوسط

بقلم/ وليد عبد الحي

من الطبيعي تنامي ظاهرة أو بروز أخرى بين الحين والآخر، كما في ظاهرة الإسلام السياسي في منطقة الشرق الأوسط وغيرها من الظواهر.

لا تولد الظواهر الاجتماعية ناضجة، فهي تتطور وتتكيف وتنمو وتموت على غرار الظواهر البيولوجية، وتصبح عملية مراقبة ما تحت سطح المجتمع ضرورة علمية لتحسس دبيب الحركة الناشئ في الأحشاء الاجتماعية والثقافية، بل وفي المنظومة المعرفية للفرد والمجتمع.

وأزعم ان اربع ظواهر كبرى في الاجتماع السياسي العربي بدأت تتراخى وتتراجع وبوتيرة متتابعة ويحتاج الكشف عن التداعيات المتبادلة فيما بينها الى جهد علمي عميق ومرهق، وهذه الظواهر هي:

أولا: تراجع القوة الكامنة والمحتملة للحركات الدينية ذات التوجه السياسي:

وأعتقد ان البيئة الدولية هي العامل الحاسم في هذا التراجع بفضل العلمنة (تفسير الظواهر الاجتماعية والطبيعية) والنظم السياسية (أقل من 1% من النظم السياسية في العالم هي نظم يحكمها رجال الدين) والقانون الدولي الذي ينظم العلاقات الدولية في كل القطاعات التجارية والسياسية والعلمية والاجتماعية … الخ (منظمات التجارة والمجتمع المدني والبعثات الدبلوماسية والهجرة والتحالفات العسكرية والتعليم وكل القوانين الدولية هي قوانين وضعية تقر بها كل الدول في العالم وتراعيها بقدر كبير).

كما ان الحروب لم تعد تشن بدوافع دينية في معظمها رغم بعض الظلال المتبقية في بعض الحروب لاسيما الحروب الأهلية، بل ان القيم السياسية (الديمقراطية وتحديد فترة الحاكم وعدد مرات حقه في الترشح والتداول على السلطة ..الخ) هي افكار بدأت تتسلل الى البرامج الانتخابية حتى في برامج الحركات الدينية، فالنظم السياسية العلمانية تعطي الأحزاب الدينية مدخلات أكثر مما تأخذ منها..

وقد سبق لي ان رصدت كل ذلك في متابعة متواصلة لبنية الحركات السياسية الدينية العربية (بغض النظر عن التقييم المعياري في أن ذلك جيد او سيء، فهذا موضوع آخر)، وانتهيت الى تراجع الحركات الدينية كمسار ولو غير خطي.

الإسلام السياسي

ثانيا: تراجع بريق المؤسسات العسكرية العربية:

ففي بداية ما بعد الاستقلال توهم العرب أن المؤسسة العسكرية هي التي ستقود عملية التحرر والتنمية لا سيما في بعض الدول العربية الكبرى (مصر وسوريا والعراق والجزائر والسودان) وأن النظم السياسية المنبثقة عن حركات التحرر الوطني العسكرتارية مؤهلة للنجاح في التنمية بمقدار تأهلها للتحرر،كما أن استقرار النظم الملكية العربية قائم على اعتبار حماية الأنظمة تسبق حماية الدولة والمجتمع.

لكن أداء المؤسسة العسكرية كما كشفته الهزائم العسكرية المتلاحقة، ودورها في الفساد، ودورها في دعم الاستبداد، وفشلها في تقديم نماذج تنموية بديلة الى جانب ضحالة المستوى الفكري لكثير من قيادات هذه المؤسسات، بدأ يؤثر تدريجيا على صدارتها للمشهد السياسي العربي، وأصبحت نداءات الحكومات المدنية تتزايد تدريجيا وبدأ ذبول أوراق شجرة العسكرتاريا يتزايد لأن البيئة لم تعد ذاتها ، وللاسف فان العسكرتارية العربية عرفت التغير ولم تعرف التكيف.

ثالثا: تراجع مركزية القضية الفلسطينية:

لقد أصبح المجتمع العربي -في قطاع غير قليل- يراها قضية “إنسانية” لا قضية سياسية، وأصبح الهم المعيشي للمواطن العربي يزاحم نزوع التحمل لصالح الشأن الفلسطيني، ومع انهيار الجدران بعد كامب ديفيد وأوسلو ووادي عربة والتسلل الليلي والنهاري والخلوات الخليجية الإسرائيلية واعتياد العين العربية على مشهد اللقاءات العربية الإسرائيلية، جعل القضية الفلسطينية هما “قُطريا”، بل جعلته سلطة التنسيق الامني نصف قُطري،

كما ان أنفاس المقاومة المتبقية أصبحت مجالا لتندر بعض الشرائح الموهومة ثقافيا، الى جانب الاحباط السائد بفعل الخلل في موازين القوى في هذا المشهد بخاصة مع غياب المنظور الاستراتيجي العربي والفلسطيني على حد سواء، لكن بنية وطبيعة المشروع الصهيوني في المنطقة سيقود لاحقا لتجدد النزاع (وهو أمر يطول شرحه) وقد يربك المشهد كله.

رابعا: تغير المكانة الاستراتيجية للشرق الاوسط في حسابات القوى الدولية المركزية:

لقد أدى التغير في روسيا (من اتحاد سوفييتي الى جمهورية روسيا) والتغير في الصين (من ماوتسي تونغ الثورة المستمرة الى برنامج التحديثات الاربعة البراغماتي) والتغير في اوروبا (باهتزاز المشروع الاتحادي وتنامي القوى اليمينية) والتغير في البنية الداخلية الامريكية (سياسيا واقتصاديا وعسكريا) الى أعادة ترتيب الأقاليم الجيواستراتيجية لكل من هذا القوى الدولية، وهو ما سيعيد خريطة التحالفات بين القوى الاقليمية المركزية (الاقطاب الاقليمية) والقوى القطبية الدولية وبشكل سيهز شبكة العلاقات التقليدية.

إن تكاتف الظواهر الأربع السابقة خاصة الإسلام السياسي في الشرق الأوسط يوحي أن “الحَمْلَ” قد وقع (سفاحا او زواجا)، وأن المنطقة العربية على أعتاب تشكل جديد، وسيكون لتغير مكانة الشرق الاوسط في استراتيجيات القوى الدولية الفاعله دورها في تحديد “جنس المولود”، بينما ستتكفل العولمة والتكنولوجيا في تربيته…فهل تستطيع القوى التقليدية ان توقف هذا المسار بينما هي في حالة تآكل؟ اظن انها- في أحسن الأحوال- تستطيع ” المشاركة المحدودة فقط في تحديد جنس المولود “لكنها لن تكون هي المُرَبِية”.

اقرأ:

هدم منازل الفلسطينيين في القدس سياسة لتفتيت العامل الديموغرافي في القدس

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
وليد عبد الحي
الأستاذ الدكتور وليد عبد الحي؛ مفكر وباحث وخبير في الدراسات المستقبلية مستشار للمجلس الأعلى للإعلام لشؤون البحث العلمي وأستاذ العلاقات الدولية ورئيس قسم العلوم السياسية في جامعة اليرموك الأردنية منذ عام 1994م، وشغل في الفترة 1982-1994 محاضراً في جامعة الجزائر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.