سياسة مختارات

الجزء الثاني من نظرة في مذكرات كونداليزا رايس

نظرة في مذكرات كونداليزا رايس

الجزء الثاني: المثالية والأيدولوجيا فى السياسة الأمريكية

 

بقلم/ مجدي منصور

هذا هو الجزء الثاني من قراءتي في مذكرات مستشارة الأمن القومي ووزيرة الخارجية الأسبق (كونداليزا رايس). كنت في الجزء الأول تحدثت عن كوندى وهى مستشارة الأمن القومي الأمريكي واختتمت المقال بعبارة ذكرتها كوندى على لسان الرئيس المصري الأسبق حسنى مبارك عندما قال لها: «أنا أعرف أنكم تريدون نشر الديموقراطية في الشرق الأوسط، ولكن لماذا بدأتم بالعراق؟، فهم الأسوأ، وسترون»!

    

ولعل النظر في أوراق هؤلاء المسئولين يكون مفيداً لنا، لأنه يُظهر ملمح من صورة كنا لا نراها، و يوضح خفايا وقائع جرت على أرضنا ولكننا كنا غائبين عن صنعها وبعيدين عن تفاصيلها رغم أنها أثرت فينا وما زالت، لأن الأقوياء هم دوماً (الفاعلون)، بينما الضعفاء محكوم عليهم بأن يكونوا (مفعول بهم). وتلك طبائع الأشياء قبل أن يكون منطق الأمور.

وأخيراً / إنني كنت حريصاً في ذلك الجزء الأ أتدخل بأي تعليق وأن أترك كوندى تقول وتروى بألفاظها، وتشرح وتُشرِح بأسلوبها كيف خُطط ونُوقش واتُخذ قرار ما جرى عندنا وعنِد الأخرين.

كوندى وزيرةً للخارجية  

تقول كونداليزا أنها فور علمها بنتائج انتخابات الرئاسة ونجاح بوش (الابن) في الحصول على فترة رئاسية ثانية. ذهبت إلى مكتب الرئيس وهنئته ، ولكن بوش بادرها قائلاً: «يجب أن نتحدث عن المستقبل يا كوندى ، قبل أسابيع قال لي كولن باول (وزير الخارجية) أنه يريد التنحي ، وأنا أريدك أن تكوني وزيرة للخارجية بدلاً منه».

وتعترف كوندى أنها فور علمها بأن رامسفيلد (وزير الدفاع) قد تنحى عن منصبه هو الأخر واثر الابتعاد عن الضوء، أنها فكرت في منصب وزير الدفاع لتصبح أول سيدة (ملونة) في تاريخ أمريكا تشغل هذا المنصب، ولكنها على كل حال قبلت حقيبة الخارجية.

ثم تتسرب من بين ألفاظ كوندى إحساس السود بشكل عام بالظلم والاضطهاد في أمريكا ، حينما تقول:

«أديت القسم كوزيرة للخارجية ، ورفعت بصرى ورأيت لوحة فرانكلين وتساءلت ما رأيه الآن بهذه الحفيدة البعيدة لأولئك (العبيد الرقيق) وهى تتعهد بالدفاع عن دستور الولايات المتحدة الذى رأى أن أجدادها يعدون (ثلاثة أخماس الرجل الواحد)؟ ولكن بطريقة ما ، كما أحببت أن أعتقد ، لعل فرانكلين كان يُحب تحول التاريخ نحو العدالة ، ولعل تعييني هذا جاء من خلال ما سار عليه».

ثم تتحدث كوندى عن انطباعاتها من خلال زيارتها لبعض الدول الأوروبية كوزيرة للخارجية ، فتقول:

«حينما أصبحت وزيرة للخارجية وجدت أن الأوروبيين يرون أنفسهم أصحاب وساطة بين أمريكا وإيران ، كما أنهم  ينظرون إلى واشنطن على أنها جزء من المشكلة ، وليست شريكاً في محاولة التوصل لحل. لقد كانت المسافة تتسع كل يوم بيننا وبين شركائنا الأوروبيين في الملف الإيراني». 

شيراك يحاول تهدئة بوش في نقده للفساد في أفريقيا!

وفى موقف أخرى تقول كوندى:

قال الرئيس الفرنسي جاك شيراك ذات يوم للرئيس الأمريكي بوش(الابن):

«نحنُ لا نستطيع أن نُدين الفساد في أفريقيا ، لأننا نحن (يقصد الغرب) كُنا المسئولين عنه».

ورد عليه بوش الابن: «إن الولايات المتحدة ليس لها ماضي استعماري في أفريقيا مثل فرنسا»!

كيف بدأت سياسة نشر الديموقراطية وحقوق الانسان في العالم العربي؟

تقول كوندى: لقد وضع الرئيس بوش الابن في خطاب تنصيبه للولاية الثانية مسألة السعي لتطبيق حرية الانسان ، وكان لبوش اليد المباشرة في ذلك الخطاب فأصبحت الحرية انعكاساً أكيد لقناعاته الشخصية حول كرامة الإنسان وحريته.

وكان الرئيس يسير على خُطى رتل طويل من القادة الأمريكيين الذين يؤمنون بأن المصالح الأمريكية لن يحميها على المدى البعيد إلا الحرية فقال:(إن بقاء الحرية في وطننا يعتمد اعتمادا متزايداً على نجاح الحرية في البلدان الأخرى).

ثم تشرح كوندى أسلوب السياسة الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط على مدى السنين السابقة فتقول:

ومع ذلك تابعت السياسة الأمريكية على مدى ستين عاماً شيئاً مختلفاً في الشرق الأوسط ، الا وهو (الاستقرار) على حساب (الديموقراطية). ولم نحصل على أياً منهما. فأصبح القرار الأن بالتخلي عن فكرة (الاستقرار قبل الديموقراطية) في هذه المنطقة العنصر الأخير في رد سياساتنا الخارجية على ما حصل في الحادي عشر من سبتمبر(أيلول) والقطعة الأخيرة في مبدأ بوش.

ثم تتحدث كوندى كأستاذة في العلوم السياسة ومستشارة الأمن القومي السابقة ووزيرة الخارجية الحالية عن مكان ومكانة المثالية والأيدولوجية في السياسة الأمريكية فتقول:

إن ذلك الخطاب فجر جدالاً بين صُناع السياسات والمحللين الأكاديميين حول مكان (المثالية) و (الأيدولوجية) في سياسة الولايات المتحدة الخارجية، فقد انكفأ أصحاب المذهب الواقعي إلى ثكناتهم ليطلقوا جرس الانذار بأن (المصالح) وليس (المثالية) هي يجب أن تكون المرشد والدليل في تفاعلات الولايات المتحدة مع العالم. لكن الشيء الذى لم يروه هو أن أجندة الحرية لم تكن مجرد قضية أخلاقية أو مثالية ، بل هي إعادة تعريف لما يُشكل مذهب الواقعية، هي تغيير للطريقة التي ننظر بها لمصالح الولايات المتحدة في ظل الظروف الجديدة المفروضة علينا بفعل هجمات سبتمبر.

وتوصلنا بعدها إلى الاستنتاج بأن مصالح الولايات المتحدة وقيمها يمكن أن ترتبط معاً بطريقة متماسكة لتُشكل ما أدعوه واقعية أمريكية متميزة.

ثم تضيف كوندى الخبيرة في النظريات والسياسات مصادر التأثير في انتهاج تلك السياسة فتقول:

إن الأصول الفكرية للربط بين ثغرة الحرية والارهاب بالغة التعقيد ، وغنى عن القول بأن أعمال برنارد لويس وفؤاد عجمي تركت أثرها فينا. لكن الوثيقة الوحيدة ذات الأثر القوى عند الرئيس وعندي بكل تأكيد هي تقرير التنمية البشرية العربية لعام 2002 الصادر برعاية برنامج الأمم المتحدة الإنمائي.

ففي هذا التقرير عرض المفكرون العرب تكاليف مبدأ الاستبداد والسلطوية وخضوع الفرد لمصلحة الدولة في الشرق الأوسط على مدى ستين عاماً ، وقالوا: ( العالم العربي على مفترق طرق ، ويخشى أن يترك وراء الاخرين ، والوضع الراهن السلطوي الاستبدادي أدى إلى ثلاثة ضروب للعجز كان من شأنها خنق التطور والتقدم ، وهى العجز في المعرفة وفى التعليم وفى تمكين المرأة وفى الحرية). ومن خلال تحديد المصادر الرئيسية للمشكلة عمل التقرير على تبيان الطريق نحو الأمام.

ثم تتحدث كوندى وهى العالمة ببواطن الأمور عن سياسة الحكام العرب وأسلوبهم في تسويق أنفسهم وسياساتهم القمعية في التعامل مع الولايات المتحدة الأمريكية، فتقول:

«لكن غياب الحرية في العالم العربي لم يعنى غياب السياسة والراحة التي أحس بها الكثيرون في الاستقرار الجوهري في المنطقة كانت راحة كاذبة. والحكان السُلطويون وأكثرهم من أصدقائنا وضعوا خياراً كاذباً هو «الاستقرار أو الديموقراطية »،«المتطرفون الاسلاميون أو أنا» هكذا قالوا لنا. ثم انخرطوا في سياسات حققت توقعاتها وثبُت مقولة الرأيين المتناقضين, قُمعت القوى السياسية الصحية، وسُجن المُنادون بالحرية وضُربوا ومُنعوا من تنظيم أنفسهم».

ثم تتحدث كوندى عن تبعات سياسة الضغط والقمع التي مارسها الحكام العرب على المعارضة في أوطانهم والاسلامية منها خاصةً ، وعلى شعور هؤلاء تجاه الولايات المتحدة، فتقول:

«اتخذ الاسلاميون ملاذاً لهم في المساجد والمدارس الدينية، وبرزوا كقوى سياسية وفى أماكن كثيرة على هيئة مقدمي خدمات اجتماعية للسكان، لم يكن نظام الحكم السلطوي يقدمها لهم، فاشتهرت الأعمال التي يقوم بها كل من حزب الله في لُبنان وحماس في المناطق الفلسطينية والاخوان المسلمين في مصر بارتباطها بأعمال الخير بين الفقراء مثلما اشتهرت هذه الجماعات بآرائها الراديكالية المتطرفة، ومن ثم انعكست تلك الرؤية وانتقلت إلى قطاع واسع من مُتلقين تلك الخدمة من الشعوب المقهورة».

ثم تروى كوندى موقف طريف ولكنه معبر ونابض عن السعودية ، فتقول:

وفى هذا السياق يحضرني مثال لا يمكن وصفه الا بحالة تشبه حالة الدكتور فاوست في الأساطير الألمانية. فقد عقدت الأسرة المالكة السعودية التي أقلقها الهجوم على الحرم المكي في أعقاب الثورة الايرانية عام 1979 اتفاقاً مع رجال الدين السلفيين المتطرفين.

ويمكن تلخيص موقف العاهل السعودي بالقول :

«الحرم لكم والساحة العامة لنا».

وفى زيارة قمت بها لأحد أماكن اقامة الملك (عبد الله بن عبد العزيز) ، صُعقت عندما وجدت نفسى أمشى داخل حوض مصنوع لعرض الأسماك ، وكل ما فيه أسماك من المناطق المدارية وسمك القرش المفترس. سألت أحد الأمراء: «ماذا يصنعون لمنع اسماك القرش من التهام الأسماك»؟

فقال: « إذا أطعمتِ القرش جيداً وبما يكفى لن يكون له رغبة في التهام الأسماك الأخرى».

وقلتُ لنفسي إن تلك نفس الطريقة التي يُعامل بها ال سعود السلفيين بها، أطعمهم  فلن يأكلوك. وانهارت تلك الصفقة عندما وقع الاعتداء على مركز التجارة العالمي.

لهذا يمكن القول من حيث الجوهر إن غياب قوى سياسية لائقة وجديرة بالاحترام قد ترك فراغاً ملائه المتطرفون الذين أصبحوا المتنفس “للسياسة” في بلدان تعانى من “ثغرة الحرية”.

كنا نعرف أن التغيير لن يكون سهلاً ، وأن قادة الدول الكبرى في المنطقة (السعودية، مصر، سوريا، الأردن) سيعارضون ذلك وسيعملون ضده، ومع ذلك كُنا مصممون، وكنا نعلم أن عمل أجندة الحرية عمل لأجيال وليس لجيل واحد.

كوندى في تركيا .. أُعجبت بجول ولم تفهم أردوغان!

ثم تتحدث كوندى عن زيارتها لتركيا فتقول:

أما تركيا البلد الذى ينعم بالاستقرار في المنطقة فهي الدليل والبرهان على أن الديموقراطية والاسلام يمكن أن يعيشا جنباً إلى جنب، بالإضافة إلى أن تركيا جغرافياً وتاريخياً تشكل جسراً بين الشرق الأوسط وأوروبا. 

وتُضيف رايس: أن تركيا عضو في حلف شمال الأطلسي وتريد الدخول للاتحاد الأوروبي، وكان من شأن الشروط الصارمة للعضوية الاقتصادية منها والسياسية، أن دفعت تركيا لاعتماد الديموقراطية.

لكن الأوروبيين اعتمدوا الازدواجية المعروفة عنهم!، إذ لم يكن لديهم الرغبة لإدخال سبعين مليون مسلم في الاتحاد وأحس الأتراك بأن أوروبا تريد أن خوض معها مفاوضات إلى الأبد. 

وتُضيف رايس كأستاذة علوم سياسية مغرمة بالنظريات:

إن ذلك الموقف الأوروبي يعتبر برهاناً على صحة أقوال صامويل هنجتون (صاحب أطروحة صدام الحضارات) إن أوروبا بإصرارها على وضع تقسيم جديد بين تركيا المسلمة وأوروبا المسيحية ترتكب خطأً استراتيجياً كبيراً.

ثم تتحدث رايس عن زيارتها لتركيا وتقول بأنها أُعجبت بوزير الخارجية عبدالله جول، عكس رئيس الوزراء رجب طيب أروغان الذى لم تستطيع أن ففهمه كما فهمت نظيرها جول.

وتشير رايس إلى أن حديث أردوغان معها تركز حول نقطتين:

الأولى: قلق تركيا من أكراد العراق وتفاهماتهم مع أكراد تركيا مما سينعكس على الوضع الجيو استراتيجي والأمني في تركيا والمنطقة.

والثانية: دعم الولايات المتحدة لطلب تركيا الانضمام للاتحاد الأوروبي.

وتختم رايس انطباعها عن تركيا بكلمات لها دلالة، وسيترتب عليها سياسة فيما بعد، فتقول:

أحسست بأن زيارتي إلى تركيا كانت ناجحة. أحببت الأتراك كشعب، فهم قوم أشداء، مختلفون عنا، ولهم جاذبيتهم. يذكرونني بالروس وهم يكافحون للحفاظ على موقع لهم بين أوروبا وآسيا. 

انتهت المساحة المخصصة لذلك المقال، لكن لم ينتهى بعد حديث كوندى التي تركت كرسي مستشار الأمن القومي الأمريكي، وجلست على مقعد وزير الخارجية الأمريكي.

تُرى ما الذى ستقوله وتكشف عنه في الحلقة القادمة؟! 

 

 

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
روافد بوست
كاتب وباحث سياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.