ثقافة مختارات مقالات

فلسفة الحزن بين الثرثرة والحكمة

تأملات من خلجات النفس حول فلسفة الحزن بين ثرثرته أو احتوائه في عمق القلب 


بقلم/ رزان السعافين

تمر السنون بعمر المرء وقد لا يعرف البشر عنه أي شيء من حياته، لأن هيبة ووقارا وشيئا من الغموض الممزوج بالصبر الجميل دواخله.

يكون صلبا في مواجهة مختلف التيارات الحياتية، ليس قسوة بل لأن احترام الذات الداخلية ومكنوناتها هي أول سلم في الارتقاء بها.

وإن احترام مكنونات الذات هو قرار ينبع من فئة تعد قليلة على وجه هذه البسيطة، وينعكس ذلك على طبيعتهم، وسلوكهم، ورؤيتهم العميقة في التعبير عن الأشياء.

لدرجة أنهم يعيشون بين الناس وهم لا يشعرون ولا يرون ولا يعرفون عنهم شيئا.
سواء في الحياة الواقعية أو الافتراضية، أو حتى في أدق تفاصيل المواقف؛ فتتشكل حول هذا الصامت هالة تلقائية مليئة بالنور، ولا يستطيع أحد فهمه وإدراكه من داخله العميقة أو حتى القدرة على اختراق هيبته المقدسة بالدخول بشكل استنتاجي في عوالمهم إلا من كانوا يحملون من الحكمة والخير والعمق مثلهم تماما؛ وهذه درجة تلاقي الأرواح المجندة دون أن تدري كيف ولماذا تلاقت، وهنا يرتقي الفرد إلى محور السؤال لتلك الكينونة.

فنراه أكثر الناس سعيا ليعطي الناس ما فقده، ويجعل منهم شيئا مبينا، حتى لو لم يأخذ منهم أو مثلهم، وكذلك تراه يحتوي أفئدة المتعبين، رغم تعبه الشديد، ويكون يروي قلوب العطشى لأي أمر، رغم عطشه في مآسيه، ويكون يد العون للبشرية حتى وإن لم يلقَ عونا كثيرا، حتى أنه لا يستسلم رغم كل ظروف ومعطيات الاستسلام، ولن يتراجع عن العطاء رغم أي تحديات.

حتى أنه يساعد الغير ولا ينتظر معروفا بالمقابل، لأنه يعلم أن ليس الكل يعترف بهذا العطاء الكبير رغم أوج حزنه، ومدركا لحساسيته تجاه تناقضات ومزاجيات هذا الكوكب بأناسه.

ومن بين كل هؤلاء، لن ينتظر أحدا أن يكون مرآته وداخل قلبه سوى الصادقين والمقدّرين فِقه فلسفته العميقة؛ بأن يأتوا وحدهم يتسللون إلى نور قلبه بشكل هو نفسه يتعجب منه، من هنا ندرك قيمة وجوهر الحكمة حين تتحد بين المتحابين، في المعروف وأهله، والعطاء وثمرته وغير ذلك.

وكما قيل: “الحكمة هي أن أدرك أنني لا شيء، والحب هو أن أدرك أنني كل شيء وبين الاثنين، تتحرك حياتي”.

مما سبق يتحدث عن من اتخذ من الحزن ابتلاءا خالصا أمام حُكم الله، وليس مفتاحا أو وسيلة أو غاية لأغراضه الدنيوية العابرة في تقلب مزاجات الأيام والأحوال والأشخاص،

بمعنى أن هناك من يغرقون في أحزانهم، ويواجهون العالم بقسوة زائفة أو غير مباشرة، ويعولون على كل قول وفعل وأمر ومحصلة أنها تراكمية ويواجهون العالم بالسيف إن لم يكن أحد بجانبهم، يرهقون الأشياء حولهم والأشخاص، بدل أن تعكس رهف أحاسيسهم الدفينة الصدوقة.

وعن كينونة الحزن ومشاعره المحيطة في تحريك وتذويب ما بدواخلنا لننطلق بالحياة أقول،

أن الحزن شيء طبيعي .. وهو من سنن الله في أرضه، والحزن إما أن يتحول إلى ملهاة أو مأساة أو حكمة !

وهذا يعتمد على نفسية وجوهر الإنسان وحقيقة صفائه!

لو تحول إلى مأساة، فقد كان الإنسان جزوعا قاسيا؛ بأن يعمم قسوة الحياة على كل شيء فتتحول إلى نظرة سوداوية للأشياء. وتعلو السلبية ويتقلب السلوك في مختلف المواقف فيحتار الناس ويصيبهم الأرق من هذا الجازع، وهذا ليس من الحكمة.

وإن تحول إلى ملهاة، بأن تصبح سيرة حزنه كلهو في الحديث والمواقف أو كلما تذكره تحدث به،

كما نقول .. كلما ناح باح!

فقد يكون أفضى بسر حزنه لفرد أو اثنين، فإنه بنفس الوقت المحتمل قد أفضى للعشرات، يوزع حزنه على الناس ليتعاطفوا معه.. وهذه ثرثرة في الحزن، وفقدان هيبة‘ وخلفها ويلات من الخيبة.

فهذا أيضا ليس من الحكمة.

أما أن يتحول الحزن إلى حكمة وصمت عميق وتأملات أعمق، وإما إلى مأساة أو ملهاة سطحية.

وحينما تصول وتجول تفاصيل هذا الألم داخل المرء وهو صامت بشكل لطيف، نهر من الحزن يعتريه داخله لكن لا يظهر عليه ولا أحدا يعرف ما بداخله إلا ربه.

هنا تكمن الحكمة.. ومن أوتي الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا.. وعليه لا تتوافق مع الحكيم لا المأساة ولا الملهاة، لأن كلاهما حزنا دراميا، يلجأ إليه الناس مستغلين حزنهم لنيل أمور أخرى من الناس.

وفي الحقيقة لو لم يواجهوا حزنا، لتمنوه وعاشوه في خيالهم كي يستعطفوا العالم بأنانية مليئة بالشوائب والأوجاع، بحثا عن الأمراض المعنوية، بدل علاجها.

هكذا يعيش الكثير، مع خالص الأسف على واقعهم!

وتضيع أوقات، وتمر سنوات، وتتغير أشياء، ولا يتغيرون.

والألم هنا نفقه أنه ابتلاء لمن أحبه الله في نظرته الشفافة للحياة، وبلاء لمن أراد ذلك في نظرته القاتمة أيضا للحياة، وبين الاثنين نفرق بأصل الإنسان ومخبره.

لهذا نرى ثرثرة الحزن الرمادية أو جديته السوداوية بالملهاة أو المأساة المنعكستين سلوكا دراميا تستهويان الكثير من الناس العاديين العابرين، والناس يحبون الخوض في ذلك والعيش في كنف ذلك، فتضيع الهيبة، وتجر خلفها خيبة تلو خيبة!

كما هو شائع “النكد يجر النكد”.

إذن المشكلة ليس بالحزن والألم كشعور مؤقت في الحياة الدنيا من مصائب الأيام.

بل بالتعامل وبالتعاطي معه بالكم والكيف، وألا يتحول إلى فصول مسرحية يشاهدها الناس ويحكون عنها كمضغ ماء على اختلاف أنماطهم، ولا أن تتحول إلى نبش عيب الواقع بما ومن فيه كنظرة سوداء قاتمة في مختلف الأمور.

وهنا تضيع ضالته، ولا ضالة لعابر!

أما الحكمة فهي ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق الناس بها.

وإذا وجدت إنسانا عميقا، صامتا صائتا صارخا من الأعماق بشكل هادئ وصامت دون أن يعلمه أحد، فاعلم أنه ذاق من الويل والألم ما يكفيه وزيادة!

وهذا العمق الذي يصل إليه يعود إلى حقيقة جوهره وكينونته النقية النفسية وطريقة تعامله مع هذا الوجع المؤلم، دون إفصاح أو إطاحة.

من هنا نستطيع أن نفرق بين الحزن الأنيق من صاحب الخلق الرفيع. والحزن الوضيع الذي يتأرجح في مهب الأقوال والأوقات والأماكن.

ومن هنا نستطيع أيضا، أن نميز لماذا أغلب العظماء في حياتهم من قرأنا عنهم وربما عشناهم، هم حكماء بفطرتهم، وقدموا للعالم ما لم يقدمه غيرهم.

حيث جعلوا الحزن جسرا فوق كل معطيات آلامهم. ولم يكونوا تحت ركام معتقداتهم ينتظرون من يجعلهم يفوقون من اعتبار حزنهم ويل وخيبة وضحية.
فانتظار من يُفِقهُم من سبات آلامهم هو وسيلة دراما شعورية أو لا شعورية، لهدف غير معلن في كرات الأيام ودحرجاتها.

ومن هنا أيضا نعلم جوهر النفوس في الوصول إلى الأشياء، إما أن يكون الحزن وسيلة تسلط أو وسيلة انهزام آخر.

أما من يرتدي الحكمة، فيصل بالحكمة إلى ما هو أعظم من ذلك، هو الخير الكثير كما قال الله لنا.

ومن أوتي الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا“، قد يكون ترك بصمات كلها خير خلفه لا يعلمها سوى ربه الذي خلص له وصبر جميلا على ابتلائه، وقد يكون كثير الصمت كثير الفعل، كثير العطاء وكثير المزاح، يتفاعل ويتعامل ويندمج بشكل تلقائي دون ضرر أو ضرار أو حتى إسفاف.

وقد يصل إلى مرحلة من التوازن يتفوق بها أضعافا على من بعمره، بمنتهى الرشد والحكمة !

ولا أحدا يعلم بعمق حزنه وانكساراته الداخلية التي جعل الناس حوله يتناسوها مع الزمن بإرادته القوية، أو لا يعلم أحد عنها لاحقا حتى لا تصبح ثرثرة أو حقد على الواقع والأشياء والحياة ككل.

لهذا، حياة المرء من صنع نفسه، وتزكيتها بالحكمة وصولا إلى النور، بدل أن تسلك درب الشقاء والهزائم وصولا إلى مسالك متشعبة هالكة، ترهقه وترهق كل من عرفه واقترب منه.

إذن حافظ على قلعة نفسك من انهيار المعنى باحتواء ذاتك، ولا تدع أحدا على الكوكب أن يحتويك كأنت بكل ما فيك سوى من اندمج بعوالمك تلقائيا بمنتهى الصدق والحق والجمال والرقي في شفافية القلب ونقائه، لأن الإنسان مرآة من يشبهه.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0

One Reply to “فلسفة الحزن بين الثرثرة والحكمة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.