ثقافة مختارات مقالات

البروفيسور الأسطة يكتب عن تجربته في تدريس مساق اللغة العربية

أنا والجامعة: الجزء 20
إشكالية مساق اللغة العربية

بقلم/ ا.د. عادل الأسطة

عندما عينت في الجامعة كنت مثل أكثر زملائي أكمل نصابي التعليمي بتدريس مساق اللغة العربية.

كانت هناك خطة موضوعة مسبقا لتدريس المساق تعتمد نصوصا من الأدب العربي؛ قديمه وحديثه، وكان الذين يدرسون المساق يلتزمون بالنصوص المتفق عليها دون أن يكون هناك امتحان موحد في الامتحانات الشهرية.
ونادرا ما كان معلمو المساق يغيرون في النصوص ويستبدلونها بأخرى، ما دفع بأحد زملائي إلى التندر في هذا، لدرجة أنه مرة كتب لي، وأنا في ألمانيا، أنه سيظل يدرس قصيدة حسان بن ثابت:

“عفت ذات الأصابع فالجواء إلى عذراء منزلها خلاء”.

سيظل يدرسها إلى يوم يبعثون، وكان عندما يأتي على قول حسان:

“عدمنا خيلنا إن لم تروها تثير النقع منزلها كداء”.

يستبدل قسمنا بخيلنا، مازحا ساخرا وناقدا الثبات.

وللحقيقة أقول إن القسم لم يتشدد في إلزام المدرسين بالنصوص، لا في هذا المساق ولا في غيره من المساقات، وأشهد أن الجامعة لم تتدخل في تدريسي وما أختاره على الإطلاق، وهذا جانب يسجل إيجابا للجامعة.

لقد وثقت بي في هذا الشأن ومنحتني حرية كاملة وأكثر، فكنت أدرس نصوصا وأدباء لا يمكن تدريسهم في بعض الجامعات العربية.

ليس ثمة مأخذ لي على إدارة الجامعة فيما يخص حريتي في تدريس النصوص، وليس لي خلاف معها في هذا، وإنما الخلاف كان معها في شأن آخر هو عدم احترامها لمساق اللغة العربية قياسا إلى احترامها وتقديرها لمساقات اللغة الانجليزية.

في بداية تأسيس الجامعة لم يكن عدد الطلبة بالآلاف، وكان تدريس اللغة العربية يتم في شعب لا يزيد عدد الشعبة منها على خمسين طالبا، فلما أصبح عدد الطلاب بالآلاف غدا تدريس اللغة العربية في مدرجات يبلغ عدد الطلاب في المدرج الواحد قريبا من 179 طالبا، وهنا تكمن الكارثة، فكيف تدرس اللغة في مدرج؟

إن تدريس اللغة -أية لغة- يتطلب تعليم الطالب القراءة والكتابة والتحدث والقواعد، وهذا يبدو أمرا مستحيلا إذا ما بلغ عدد الشعبة الواحدة أكثر من 39 طالبا.

أول خطوة بادرت إليها فيما يخص مساق اللغة العربية هي عدم تكرار تدريس النصوص.

لقد أحضرت معي من عمان نسخة من كتاب وداد القاضي “مختارات من النثر العربي”، وكان يدرس في الجامعة الأميركية في بيروت ومن ثم في الجامعة الأردنية، واخترت منه نصوصا من عصور مختلفة وصرت أدرسها واستبدلها كل فترة بنصوص أخرى، وهكذا درست الجاحظ والمعري والتوحيدي والمقامات وابن بطوطة وابن حزم الأندلسي وأسامة بن منقذ ونجيب محفوظ وزكريا تامر وتوفيق الحكيم وغسان كنفاني وآخرين كثر، فيم ظل زملائي يدرسون الشعر القديم الذي لم يرق لكثير من الطلاب.

ليس اختيار النصوص هو الإشكالية الوحيدة مع الزملاء والجامعة فيما يخص تدريس المساق، فعندما صرت رئيسا لقسم اللغة العربية أصررت على رفض تدريس اللغة في مدرجات، وإذ أصرت الجامعة فقد وافقت على مضض على ألا يزيد عدد الطلاب في المدرج على 90 طالبا – أي النصف، واقترحت على الإدارة أن تستعين بحملة الماجستير لتدريس هذا المساق، لكي يتفرغ حملة الدكتوراه إلى تدريس مساقات التخصص والدراسات العليا، وهكذا استعنت بحملة الماجستير من معلمي المدارس، فتنفسوا الصعداء وشعروا أن شهاداتهم التي حصلوا عليها عادت بالنفع عليهم، ولكن كما يقول المثل الشعبي “اجت الحزينة تفرح ما لقيت مطرح”، فما إن استقلت من رئاسة القسم حتى عاد كل شيء إلى سابق عهده.

تدريس اللغة في المدرجات أساء لها كثيرا، فقد غدا كثير من المدرسين يفكر في صعوبة تصحيح أوراق الامتحانات حين يكون عدد طلاب المدرج الواحد 179 طالبا، فكيف إذا كان المدرس يعلم شعبتين أو ثلاث شعب؟

ما سبق يعني أنه سيصحح ثلاثة امتحانات كل شهر – أي 540 ورقة، فمن أين له الوقت الكافي ليقرأ ويكتب؟

كان مدرسو المساق على دراية بهذا، ومع ذلك فقد وافقوا على ما تطلبه الإدارة منهم دون أي اعتراض، وللتغلب على مشكلة التصحيح فقد صارت الأسئلة تركز على مهارات غاية في الدقة وتتطلب إجاباتها إلمام الطالب بالنحو العربي إلمام متخصص به درس النحو كله كما لو أنه متخصص في الأدب العربي.

الطريف في الأمر أنه ما من مرة خلت أوراق الأسئلة من أخطاء عديدة، ما دفعني مرة إلى الطلب من مدرسي المساق، وكانوا أكثر من ثمانية، أن يجتمعوا معا وأن ينظروا في الأسئلة قبل طباعتها وأن يوقعوا أسماءهم ليتحملوا المسؤولية، ولم يختلف الأمر لاحقا كثيرا.

وأنا أنظر في كيفية تدريس مساق اللغة العربية بالطريقة التي يدرس فيها أتذكر رسالة توفيق الحكيم إلى صديقه الفرنسي (أندريه) يشرح له فيها بؤس معلمي اللغة العربية حين كان طالبا، ويخبره فيها أنهم أساؤوا إلى اللغة العربية ونفروا الطلاب منها، خلافا لمدرسي اللغة الفرنسية والمناهج الفرنسية.

مرة عرضت أسئلة امتحان نهائي على صديق لي درس الأدب العربي وطلبت رأيه فيها، فأجابني إن هذه الأسئلة لكي يجيب الطالب عنها تتطلب دراسته مساقات النحو ألف وباء وجيم.

ومرة وأنا أدرس المساق، جاءني طالب وقال لي قصته مع تعلم اللغة العربية. قال لي إنه درس المساق ثلاث مرات ورسب فيه، وقد قضى في الجامعة سبعة أعوام وهذا هو الفصل الأخير له، فإن رسب فسوف يفصل من الجامعة.

سجل الطالب المساق في شعبة أدرسها ولم أكن أركز على النحو ولم أكن أبحث عن الشاذ من القضايا اللغوية ليتعلمه الطلاب. طلبت من الطالب أن يقرأ وأن يكتب وأن يتحدث وهكذا نجح في الامتحان وتوطدت علاقتي به وصار كلما زار الجامعة يزورني.

إن تدريس مساق اللغة العربية في الجامعة يحتاج إلى إمعان النظر فيه ويتطلب من مدرسيه إدراك فلسفة تدريس اللغة والغايات المرجوة من تعليم مساق في ثلاثة أشهر.

لطالما كنت أغمز وألمز وأنا أتوقف أمام رأي توفيق الحكيم في معلمي اللغة العربية في عصره : “إنهم لا يعرفون معنى اللغة على الإطلاق.

هل كنت على صواب؟

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
روافد بوست
كاتب وباحث سياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.