سياسة مختارات

الفلسطيني بين الإحباط والأمل وسط ظروفه الصعبة

هل أنت مُحبَط؟ يجب ألا أُحْبَط، وسأواصل

 

بقلم/ جميل عبد النبي

ليس لدى الفلسطينيين أي خيار سوى مواصلة النضال، حتى وإن بدت كل تفاصيل الدنيا ضدهم.
لم يعد سراً أننا نمر الآن في المرحلة الأصعب نضالياً، لكن القضية لم تنته بعد، ولن تنتهي، طالما أن هناك فلسطينيين كُثُر لا يزالون على الأرض.
ما أقوله هنا ليس هدفه مجرد رفع للمعنويات، التي من الواضح أنها في حالة صعبة الآن، وقد نحتاج فعلاً إلى شيء من رفع المعنويات، لكننا نحتاج أكثر إلى الحقيقة، نعم، نحتاج إلى الحقيقة كما هي، فلقد عشنا طويلاً على الأوهام، دون أن تحقق لنا تلك الأوهام أي إنجاز يمكن لنا أن نتخذه ذريعة لنقبل مزيد منها.
عام 1948م طلبت منا الجيوش العربية أن نمنحهم الفرصة للقضاء على إسرائيل الناشئة، وصحونا على خازوق دُق ولم يُقلع حتى يومنا هذا، أيضاً ما قبل ال 67م كانت هناك وعود بإلقاء إسرائيل في عمق البحر، طعاماً لأسماك القرش، وأيضاً صحونا على ذات الخازوق، وقد اخترق ما تبقى من جسدنا.
وحتى أكون منصفاً، فإنني لا أٌلقي باللوم على العرب، لا في ال48، ولا في ال67، ولا على أنفسنا كفلسطينيين، دون الدفاع بالطبع عن حالة التردي العربي العامة، التي نشترك فيها جميعاً، لكن، هذا شيء، وإلقاء اللوم شيء آخر، ففي الحقيقة لم يكن عربي واحد سعيداً بقيام إسرائيل، ولا ببقائها، حتى هؤلاء المتكالبون على رضاها، لا يفعلون ذلك حباً وطوعاً، إنما لأن الواقع أكبر منا ومنهم جميعاً، وأيضاً دون أن أبرر لأحد سرعة انهياره، لكنها الحقيقة، هذه ليست دورتنا الحضارية، وهناك جذور بعيدة تفوق مظاهر التردي المعاصرة، التي شاءت لنا الأقدار أن نولد وقد استحكمت حلقات انهيارنا الحضاري، وصرنا في ذيل القافلة كعرب، وكمسلمين.

الآن يجب أن نقرأ المشهد كما هو، دون رتوش، ودون أن نبني أحلاماً على افتراضات غير موجودة، حيث لم يعد هناك المزيد من الوقت.

دعونا ننظر حولنا، ماذا سنرى؟
مصر، الدولة الأهم في الدول العربية تحيط بها الأزمات من كل الاتجاهات، هناك خطر مصيري على مياه النيل، ومن الغرب هناك حدود شاسعة مفتوحة للفوضى، ومن الشرق لا يزال شذاذ الآفاق يظنون أنهم قادرون على استعادة أمجاد الخلافة..! وهناك إسرائيل التي قالت كلمتها مسبقاً، بأن مصر إذا تفتت، تفتت باقي العرب.
سوريا تحتاج إلى قرن من الزمان حتى تستعيد عافيتها، ومحور إيران غارق حتى النخاع في أزمات لا تنتهي، ولن تنتهي، طالما هناك قوى كبرى مستفيدة من هذه الأزمات، والعراق يضربها الفساد، والفوضى، والتبعية، ودول الخليج مرعوبة من العدو الإيراني المصطنع، وتلهث خلف الحماية الأمريكبة، وبلاد المغرب العربي بعيدة، وليست هي الأخرى بمنأى عن تهديد الرجعية الدينية، والتطرف الديني، الاتحاد الأوروبي لن يدخل في مواجهة مع أمريكيا من أجلنا، وروسيا لم تكن يوماً حتى أيام الاتحاد السوفيتي تؤمن بحقنا في كل فلسطين، فماذا تبقى لنا؟ وعلى ماذا يجب أن نراهن؟
هذه هي الحقيقة، وما دونها وهم جديد، مطلوب منا أن نراهن عليه، حتى نخسر ما تبقى من وجودنا.

لكن، وتلك أهم لكن سأقولها:
إن لدينا كفلسطينيين أوراقاً مرعبة للمشروع الصهيوني، لأنها تهدد أصل وجوده، أو جوهر مشروعه على الأقل، وبكل أسف، فهو يعرفها عنا أكثر مما نعرفها نحن عن أنفسنا، وليس لديه أهم من مقاومتها.
لدينا وجودنا داخل أرضنا الفلسطينية، فنحن الآن ستة مليون وثمان مئة ألف فلسطيني، موزعون جغرافياً على امتداد فلسطين، في داخل ما يسمى إسرائيل، غرباً، وشرقاً، وشمالاً، ونحن في القدس، وفي الضفة، وغزة، والسبع، وعددنا الآن يفوق كل ما جمعوه من العابرين.
ثم لدينا روايتنا، نعم لدينا الحقيقة التي يجهلها العالم، أو شعوب العالم على الأقل، هذه الرواية ليست من صنعنا، بل من صنع التاريخ ذاته، حتى ما سجلته التوراة منه، يشهد بأننا كنا هنا قبل الجميع، ولم تخل هذه الأرض منا يوماً واحداً من أيام التاريخ، حتى أيام ما قيل عن دولتهم التاريخية المزعومة، التي لم تجد لها سنداً من خارج التوراة، أيضاً كنا هنا.
لا أقول شعراً، ولست من ذوي القدرة على نسجه، إنما أحاول عرض الصورة كما هي، بمرها، وحلوها.
صحيح أن علينا أن نقاتل الآن وحدنا، لكن أيضاً صحيح أننا هنا، وطالما نحن هنا، وطالما أننا مصرون على البقاء هنا، فإن مشروعهم لم ينجح، ولن ينجح.
إن كان لنا من مهمة وطنية نستطيعها الآن، ونحن فعلاً نستطيعها، فهي البقاء هنا، وهذا ما يجب أن نُسَخّر له كل طاقتنا، ولا يوجد ما هو أهم من ذلك الآن، فكل ما سوى ذلك فشل، أو أُفشل، ليس هذا هو المهم، المهم أنه لم يحقق ما انطلق من أجله، وأنا أيضاً لا أدينه، فالمعادلة أكبر من الجميع، لكن من غير المعقول أن نواصل العمل بذات الأدوات، وأن نواصل إهمال مصادر قوتنا في البقاء على أرضنا.
على كل ما سنخطط له من الآن فصاعداً أن يصب في تعزيز هذا البقاء، وعلى كل من يزعم أنه يدعمنا، وهناك من يريد أن بدعمنا بما لا يشكل خطراً عليه ذاته، على كل هؤلاء ألا يدفعونا بعيداً عن تعزيز البقاء، والوجود، ما دون ذلك من كل ما يقال عنه دعماً ليس هو ما نحن بحاجة إليه الآن، ودعوني أذكر بالآتي:
إننا من الأساس نعرف أننا لن نزيل إسرائيل عسكرياً وحدنا، وإن كان لهذا الأمر أن يتم فهو بحاجة إلى طاقة أمة، ليست جاهزة الآن، وجاري إشغالها بكل أزمات الدنيا إلا بفلسطين، ومع ذلك، فحتى يأتي هذا اليوم- إن أتى- فدعونا نعزز بقاءنا هنا، ثم نقاتل بما لا يهدد هذا الوجود.

كلمة أخيرة:
صدقوني أننا مع ضعفنا أقوى من إسرائيل مع قوتها، فهي الدولة الوحيدة في العالم التي تبحث عن مجرد الاعتراف بحقها في الوجود، لأنها تعرف أنها أُنشأت على باطل، وسط محيط بشري كبير كله يرفضها، ويريد أن يلفظها، بينما نحن، فمن يجرؤ أن ينفي عنا حق البقاء؟ حيث يمتد وجودنا إلى وجود أجداد أجدادنا من الكنعانيين، والفلسطينيين الأوائل، الذين تحدثت عنهم كل سجلات التاريخ.
البقاء، ثم البقاء، ثم الحفاظ على البقاء.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
روافد بوست
كاتب وباحث سياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.