سياسة مختارات مقالات

نظرة في مذكرات كونداليزا رايس

مجدى منصور يكتب⁦

في مذكرات كونداليزا رايس: الجزء الأول

لم يكُن في جدولي الكتابة هذه الفترة، فقد انكببت على قراءة مجموعة من محاضر مجلس الأمن القومي الأمريكي المستخرجة وفقًا لقانون حرية المعلومات الأمريكي، وكذا على مجموعة من الدراسات الاستراتيجية المهمة التي أعدتها عدد من مراكز الأبحاث مثل «كارنيجي»، ومعهد «أميركان انتربرايز»، و«ميدل إيست».

ولا أعلم إن كان هذا الانكباب انشغالًا فقط أم هروبًا من واقع عربي محطم بائس حزين، فكل ما حولنا يصُد ولا يشد، ويُبعد ولا يُقرب، ويُحزن ولا يُفرح، ويثير الاحباط والتشاؤم بدلًا من أن يبعث على الأمل والتفاؤل أو كما وصفه شاعر العرب الكبير نزار قباني في قصيدته أنا مع الإرهاب:

«بالوطن المخلع المفكك المهترئ».
وطن «تناثرت أشلاؤه أشلاء»
وطن «يبحث عن عنوانه وأمة ليست لها أسماء»
وطن «لم يعُد في أرجائه حُرية حمراء أو خضراء أو صفراء».

ووسط ذلك الزحام من الحزن والحطام والإحباط والتشاؤم جاءتني مذكرات السيدة كونداليزا رايس، مستشارة الأمن القومي ووزيرة الخارجية في عهد بوش الابن، جاءتني هدية من أحد الأصدقاء، وأرفق الصديق العزيز مع الكتاب خطابًا يقول فيه «إن نظرة على تلك المذكرات لن تضُر إن لم تنفع وتُفيد، وهو لا يعتبرها وقتًا ضائعًا قد أبدده».

وأمسكت بالمذكرات وهي معنونه بـ«أسمى مراتب الشرف» وتقع في 850 صفحة من الحجم الكبير، وهي ككُل مذكرات الساسة في الغرب تُبنى على وقائع معززة بوثائق، حتى تخرج المذكرات شهادة سياسية وليست مؤلفات روائية!

كما يحدث عندنا في العالم العربي. فتجد من يكتبون مذكراتهم لا يكتبون ما حدث بناء على وقائع مسجلة، بل يكتبون ما ظنوا أنهم قالوه، أو ما توهموا أنهم قالوه، أو ما تمنوا لو قالوه، وبذلك يغلب الفن الروائي على العرض السياسي!

وأعترف أنني تثاقلت في قراءتها، ولكن بعد قراءتها وجدت أن عرض تلك المذكرات ربما يُجيب عن بعض الأسئلة المطروحة اليوم. ولقد قررت أن يكون تناولي للمذكرات وعرضي لها على شكل بانورامي سريع.

وأخيرًا، فإنني سوف أتدخل ببعض التعليقات على بعض الفقرات المعروضة بغرض توضيح أمر ما.

كوندي في البيت الأبيض

تبدأ كوندي (تدليل كونداليزا) مذكراتها أو رواياتها بإهداء تلك المذكرات إلى والدها الذي ستذكره كثيرًا في تلك المذكرات، وذلك يدل على ارتباطها الكبير به رغم موته.

ثم تتحدث كوندي عن علاقاتها الوثيقة بعائلة بوش، بدءًا من بوش الأب مرورًا ببوش الابن، وكيف أن بوش الأب هو من رشحها لابنه المرشح الرئاسي. (لأنها كانت تعمل مع بوش الأب في فترة رئاسته مساعدًا خاصًا للرئيس للشئون السوفيتية) وبالفعل أصبح بوش الابن رئيسًا لأمريكا، وكوندي صارت مستشارته للأمن القومي.

ثم تشرح كوندي ما هو مجلس الأمن القومي، فتقول: إنه تأسس بموجب القانون القومي عام1947، ويوجد به أربعة اعضاء أصليين بموجب القانون هم: الرئيس، ونائب الرئيس، ووزير الخارجية، ووزير الدفاع، والمنصب الوحيد الآخر الذي نص عليه القانون هو منصب السكرتير التنفيذي لمجلس الأمن القومي.

تعليق:

الرئيس التنفيذي للحكومة الخفية!

كان المنطق الذي قام عليه قانون الأمن القومي الأمريكي منطقًا بسيطًا يستلهم فكرة المنفعة مصدرًا للشرعية، والنجاح معيارًا لقياس التصرفات والأفعال، بصرف النظر عن التاريخ والقانون والأخلاق!

وكانت الفتوى الأصولية التي فتحت الطريق لقانون الأمن القومي الأمريكي تقريرًا أعدته لجنة خاصة أشرف على أعمالها الرئيس الأسبق هربرت هوفر، وقد جاء في تقريرها إلى الرئيس ترومان في أواخر عام 1951 ما نصه حرفيًّا:

«إنه من الواضح الآن أن أمريكا تواجه عدوًّا لا يُخفي أهدافه في السيطرة الدولية، وعلينا أن نحاربه. وفي حربنا معه فليست هناك قواعد تستحق الالتزام بها، سواء من ناحية السلوك الإنساني، أو الأخلاق. فإذا كان على أمريكا أن تنتصر في هذه الحرب، فإن القيم التقليدية للتعامل العادل يجب أن يعاد النظر فيها. ومن المحتم علينا أن نتعلم دروس الانقلاب والتخريب وتدمير أي عدو بطرق أكثر مهارة وأشد تعقيدًا من أية طرق قد تستخدم ضدنا».

واتساقًا مع الموقف نفسه واستمرارًا للسياق نفسه، صدر قانون الأمن القومي الأمريكي، وهو القانون رقم «80 – 453»، وقد نص على إنشاء مجلس للأمن القومي تابع لرئيس الجمهورية ومقره البيت الأبيض، ومهمته:

«أن يعمل بكل الوسائل وبواسطة وكالة المخابرات المركزية وغيرها من أجهزة الأمن القومي التي يقتضي الأمر إنشاءها على تحقيق الأهداف السياسية والعسكرية للولايات المتحدة على مستوى العالم، وله أن يتخذ الخطط والعمليات التي يراها كفيلة بتحقيق أهدافه».

ولقد كان هذا القانون هو الذي ابتدع لأول مرة منصب «مستشار الأمن القومي» حتى يكون حلقة الاتصال بين الرئيس وبين مجلس الأمن القومي الذي تُمثل فيه كل أجهزة العمل المباشر التي تجمعت كُلها فيما سُمي بعد ذلك «لجنة الأربعين» نسبة إلى رقم المادة الخاصة بها في التوجيه الرئاسي الصادر بتشكيلها في ذلك الوقت.

وكان مستشار الرئيس للأمن القومي بحكم منصبه هو الذي يرأس اجتماعات هذه اللجنة الخطيرة، المشرفة على توجيه العمل المباشر بكل أساليبه نيابة عن أكبر قوة في العالم وفي التاريخ، ولعله من هنا كانت الحساسية الخاصة لمنصب «مستشار الأمن القومي»، فضلًا عما هو ظاهر من اختصاصاته الرسمية، كانت اختصاصاته السرية جامحة وفادحة إلى الحد الذي أصبح معه بالفعل «الرئيس التنفيذي للحكومة الخفية للولايات المتحدة الأمريكية». (انتهى التعليق).

كوندي تقرر أن يكون أسلوبها الوسيط النزيه!

وتقول كوندي إنه منذ ماك جورج باندي، أول مستشار للأمن القومي، وكان ذلك في عهد الرئيس كينيدي، تغيرت أمور عديدة وبرز في العمل أسلوبان:

الأول: أسلوب هنري كيسنجر مستشار الأمن القومي ووزير الخارجية الأمريكي في عهدي نيكسون وفورد، الذي حاول ونجح في أن يُصبح مركز قوة مستقل، وفي بعض الأحيان أكبر من الرئيس.

والثاني: أسلوب برنت سكاوكروفت، مستشار الأمن القومي للرئيس بوش الأب، وهو أسلوب الوسيط النزيه، وتُضيف كوندي: «بحكم علاقتي الطيبة بسكاوكروفت اخترت أسلوبه، اخترت أن أكون الوسيط النزيه».

كوندي تُدلى بأسرار السيطرة الإسرائيلية على السياسة الأمريكية!

تقول كوندي في مشهد لافت للنظر: كان الرئيس بوش الابن يجد تلك اللغة غير المباشرة في عملية سلام الشرق الأوسط تدعو للإحباط، وتُضيف حرفيًّا: «لأننا كُنا مقيدين من الإسرائيليين»،

بعد توليه سُدة الرئاسة بأيام أبدى اعتراضه لي حين قدمت له بيانًا عن عملية السلام، صيغت كلماته بدقة ليُدلى به إلى الصحافة، فسأل لماذا ينبغي أن أقوله بهذه الطريقة؟

فرددت عليه بالقول: «سيدى الرئيس، إذا غيرت فاصلة واحدة، تكون قد غيرت السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط»!
نظر إلي وتراجع عن طلبه وقرأ البيان كما هو مكتوب!

كوندي تجيب عن السؤال الأهم، لماذا لا تلجم أمريكا الإسرائيليين؟

وفي فقرة أخرى تتحدث كوندي عن شيء مهم وخطير، فتقول:

انقضت خمسة أيام منذ أطلقت إسرائيل عملية الدرع الواقي ضد المنظمات الإرهابية الفلسطينية (حماس وفتح والجهاد) كان العالم العربي في حالة غضب. وكنا تحت ضغط هائل لنُلجم الإسرائيليين. لكن ثمة ثلاث مشكلات في هذا الأمر:

أولًا: أن هناك افتراضًا، وخاصة لدى العرب وحتى الأوروبيين، بأنه إذا هددت الولايات المتحدة بالعزل الدبلوماسي، أو رُبما وضع قيود على مساعدتها المالية أو العسكرية فإن إسرائيل ستلتزم التزامًا كاملًا وفوريًّا.

وهذا بالطبع ليس صحيحًا، وعلى وجه الخصوص وهي في خضم عملية عسكرية تراها ضرورية لأمن إسرائيل، وقامت بها ونفذتها حكومة منتخبة ديمقراطيًّا. وما هو أكثر من ذلك، هو ما الذي يريده الرئيس الأمريكي من تهديد حليف للولايات المتحدة بهذه الطريقة حين تكون إسرائيل في حالة رد على العدوان؟

ثانيًا: يجب أن يكون الرئيس حذرًا؛ لأنه إذا دعا إسرائيل للتوقف ولم تقبل فإن مصداقيته ومصداقية الولايات المتحدة ستُصاب بضرر كبير.

ثالثًا: يوجد داخل الإدارة الأمريكية أقطاب (رامسفيلد وتشيني وقتها) يرون أن إسرائيل من حقها سحق الإرهابيين الذين يعتدون عليهم.

تعليق:

لعل كلمات كوندي تلك هي أكبر رد على مقولة الرئيس المصري الراحل أنور السادات أن 99% من أوراق اللعبة في يد الولايات المتحدة، ولعله يلاحظ أيضًا مدى تأثير مسألة شرعية السُلطة لدى الغرب عامةً وأمريكا خاصةً، وهذا الموضوع له تفاصيل محزنة ومخجلة لا داعى لذكرها الآن. (انتهى التعليق).

عندما حولت كوندي عرفات للأم تيريزا!

تذكر كوندي كذلك أنها تحدثت إلى داني ياتوم مستشار رئيس الوزراء الاسرائيلى شارون، وتوسلت إليه بأن يعملوا على الأقل لإنهاء حصارهم لمجمع المقاطعة. وقلت:

«عرفات يتحدث على قناة CNN على ضوء الشموع. وأنتم تجعلونه يبدو كالأم تيريزا، أضيئوا له النور»
أجاب دانى: «لديهم الكهرباء يا كوندي (تدليل كونداليزا)، هو يفعل ذلك لاستدرار العطف».

الحرب على العراق

لا تذكر كوندي في مذكراتها جديدًا لا نعرفه عن الحرب على العراق وإسقاط نظامه، ويبدو أن تلك الأمور ما زالت من الأسرار، ولكن كوندي تحاول بشتى السُبُل أن تجد مبررات لتلك الحرب، وهي من بعدها تحاول أن تسوق مبررات قديمة في قالب تحاول جاهدة أن تجعله جديدًا لتبرير ما حدث، برغم ثبوت خطأه وتأكد فشله.

ورغم كل حججها للدفاع عن قرار الغزو، فإنها تضطر لأن تعترف في أكثر من موضع بأن ذلك العمل قد أحدث شروخًا داخل الإدارة، وهي تسوق ما قاله وزير الخارجية الأمريكي كولين باول الذي شارك بنصيب كبير في الحملة على العراق، «إن البيان الذي أدليت به في الأمم المتحدة، ومجلس الأمن عن العراق كان وصمة عار في تاريخي المهني».

وتضيف أن ذلك العمل أساء لصورة الإدارة على مستوى العالم، لدرجة أن الكثيرين في العالم أصبحوا يرون الإدارة الأمريكية «غوريلا متوحشة»!

ولكن كوندي وهي تتحدث عن ذلك الموضوع صرحت دون أن تقصد بالصراع الذي كان موجودًا بين أفراد المجموعة الرئاسية في إدارة بوش الابن فهي تقول:

بعد سقوط النظام العراقي ودخول القوات الأمريكية للعراق، دعا نائب الرئيس الأمريكي، ديك تشيني، للاحتفال في مكتبه ومعه معاونوه وكذلك وزير الدفاع، دونالد رامسفيلد، وكل الصقور الذين كانوا مؤيدين للغزو وإسقاط صدام، ولم يُدع وزير الخارجية، كولن باول، ولا مستشارة الأمن القومي، كونداليزا رايس، وقال تشيني أثناء الاحتفال:

«إن البنتاجون قد حرر العراق، فماذا فعلت وزارة الخارجية (كولين باول) ونظيرها على الناحية الأخرى» (يقصد كونداليزا رايس مستشارة الأمن القومي).

وتعلق كوندي على ذلك في مذكراتها بالقول: «لقد كان ذلك عملًا سخيفًا من ديك».

تعليق:

إدارة عمادها الكراهية!

من المعروف أن بوش الابن دخل لرئاسته ومعه مجموعة رجال ونساء يحملون مشروعًا إمبراطوريًّا اتفقوا جميعًا على جدول أعماله بندًا بعد بند.

لكن الاتفاق على جدول الأعمال سلفًا، لم يستطع أن يحجب مشكلات رئيسية أبرزها الخلافات الشخصية بين أقطاب الإدارة (تشيني ورامسفيلد وكولين باول، وكونداليزا رايس)، والتنافر بين كل منهم نافذ من القلب إلى العظم كما يقولون.

وطول الفترة الأولى لبوش الابن كان أقطاب الإدارة الجديدة منهمكين بالكامل في مناورات سياسية تخصهم، فقد راح كل منهم يحاول إعلاء دوره وتحجيم دور غيره، وإثبات صواب مشورته مع تسفيه مشورة الآخرين، وإفساح مجال نفوذه الشخصي، ولو على حساب الآخرين.

وكان برنت سكوكروفت، مستشار الأمن القومي في عهد بوش الأب، أول من تحدث عن تلك الأحوال علنًا في ذلك الوقت، فقد ذكر في حديث للنشر مع المحقق البارز فرانسيس فيتزجيرالد ما نصه:

«هناك في الإدارة صراع شخصيات، وهذه صراعات موجودة باستمرار في كل إدارة، وكانت موجودة على أيامنا في إدارة بوش (الأب)، لكن هذه الصراعات ظلت مكتومة في الداخل، وأما الآن وفي عهد هذه الإدارة فإن هذه الصراعات مطروحة في العلن».

وطبقًا لما نشره فيتزجيرالد وقتها فإن سكوكروفت، وهو خبير مطلع (بحكم أنه كان مستشارًا للأمن القومي مع الأب وصديقًا وفيًّا له بعد سقوطه في الانتخابات، وشريكًا معه في كتاب واحد بعنوان عالم يجري تغييره صدر سنة 1998 يحمل اسميهما بوش وسكوكروفت معًا وتجربتهما السياسية جنبًا إلى جنب) فإن هذه الشهادة أشارت دون مواربة إلى أن:

(تشيني) كان مشاكسًا مع كل وزراء بوش الأب، وكانت له شطحات غير معقولة بعض المرات، ومن شطحاته المشهورة:

« أنه أشار بعدم تصديق جورباتشوف بشك أن ادعاءاته الإصلاحية للنظام السوفيتي ليست إلا عملية تمويه وتضليل، وأن الولايات المتحدة عليها أن تواصل الضغط وتشدده حتى يتفتت عدوها السابق شظايا صغيرة وسُحبًا من الغبار تُغطي الكرملين حتى تدفنه تحتها»! ولم يكن ذلك رأي وزير الخارجية جيمس بيكر.

وفي كلام سكوكروفت أن تشيني كانت له من أيام وزارة الدفاع معارك مع معظم أطراف إدارة بوش الأب وقتها، وأن هذه المعارك إذا لم يقع تداركها سوف تسحب ذيولها إلى إدارة بوش الابن، فقد اصطدم تشيني حين كان وزيرًا للدفاع (في رئاسة الأب مع كولين باول وهو وقتها رئيس الأركان)،

وأول الأسباب أن تشيني، وهو المدني، حاول أن يتدخل في تحضير وإدارة حرب الخليج الثانية، متصورًا نفسه جنرالًا على كتفه خمس نجوم مثل آيزنهاور. واضطر باول أن يتشاجر معه مرة كل أسبوع على الأقل (طبقًا لرواية فيتزجيرالد نقلًا عن سكوكروفت).

ومن إشارات سكوكروفت في حديثه مع فيتزجيرالد أيضًا يبين أن دونالد رامسفيلد (وزير الدفاع وقتها) بدوره لا يحب ديك تشيني، فهو يعد نفسه الرجل الذي رشح تشيني مستشارًا للبيت الأبيض وقت رئاسة نيكسون، وكان عمره وقتها أقل من ثلاثين سنة، لكن ديك – كما يناديه رامسفيلد تصغيرًا لاسم ريتشارد – قد شق طريقه بسرعة وتفوق.

وعلى أي حال فإن رامسفيلد لم يستطع إقناع نفسه بأن تشيني سبقه، وأصبح نائبًا للرئيس في الإدارة الحالية.

كذلك يبين ضمن أسباب ضيق رامسفيلد أنه لا يستريح مع عائلة بوش، ويعرف أنها قبلت به كارهة! لأن جورج بوش (الأب) نما إليه أن رامسفيلد اعترض على تعيينه مديرًا لوكالة المخابرات المركزية في زمن الرئيس فورد، وأنه قال لهنري كيسنجر (وزير الخارجية وقتها) وهو القائم بدور المرشد والمعلم للرئيس فورد:

« إن جورج بوش (الأب) لا يصلح مديرًا للمخابرات المركزية؛ لأن شخصيته ضعيفة وليست لديه مواصفات قائد رفيع المستوى»،

ومع أن بوش (الأب) حصل على المنصب، فإنه لم ينس لرامسفيلد رأيه فيه.

فوق ذلك فإن رامسفيلد لا يحب كونداليزا رايس(مستشارة الرئيس للأمن القومي وصاحبة المذكرات)! يراها قريبة أكثر من اللازم من كولين باول (وزير الخارجية)، متعجلة أكثر من اللازم إلى فتح أبواب المكتب البيضاوي أمام وزير الخارجية حتى يوثق علاقته بالرئيس،

وقد أضاف رامسفيلد في حضور الجنرال ماير رئيس أركان الحرب السابق للجيش الأمريكي (أنه يستطيع أن يرى الرابط بين باول وكوندي) ولم يزِد رامسفيلد على ذلك، لكن الإشارة كانت واضحة إلى اثنين من (الملونين) في إدارة بيضاء تجيء من أقصى اليمين في الجنوب الأمريكي.

وفوق ذلك فإن رامسفيلد يكره كولين باول (وزير الخارجية وقتها)! بسبب صيته العريض في المؤسسة العسكرية الأمريكية، ولا يشعر براحة حين يسمعه يتكلم أمامه وهو وزير الدفاع بخبرة رجل يظن أنه يفهم في شؤون وزارته أكثر مما يفهم هو.

وفي تلميحات سكوكروفت أن كولين باول ليس معجبًا على الإطلاق بكل أفراد المجموعة الإمبراطورية! فهو يسمعهم يتحدثون عن استعمال القوة، دون أن تكون لأحد منهم معرفة بشؤون الحرب، فكلهم بمن فيهم (الرئيس بوش الابن) نفسه تهربوا من الخدمة العسكرية في فيتنام بعذر أو آخر!

وتروي السيدة كونداليزا رايس أنها كثيرًا ما رأت كولين باول يعود برأسه إلى الوراء ويقلب عينيه إلى أعلى، إشارة إلى ضيقه بكلام يسمعه حول مائدة اجتماعات مجلس الأمن القومي (وتلك حركة مشهورة عن باول). (انتهى التعليق).

كوندي والذئاب في واشنطن!

ويأتي مشهد آخر تذكره كوندي بأسي: أنها عندما تعرضت لهجوم الإعلام الأمريكي بعد غزو العراق، وفي أحد أيام ذلك الهجوم العنيف كان يُفترض أنها ستتناول العشاء مع أحد أصدقائها (عضو في الكونجرس لم تشأ أن تذكر اسمه) إذ قال لها:

«من الأفضل ألا يشاهدنا الناس معًا. فأنا يجب أن أحافظ على موقفي الموضوعي» وشعُرت كيف أن «واشنطن مكان لا يجد فيه المرء صديقًا حين تهاجمه الذئاب».

وبعد إسقاط النظام العراقي، وأثناء البحث عن كيفية ادارة الدولة العراقية بعد الغزو الأمريكي له، تقول كوندي: رغم أن مجلس الأمن فوض الولايات المتحدة في استخدام عائدات النفط العراقية لبناء العراق من جديد، ورغم حرص الإدارة الأمريكية على إبعاد الأمم المتحدة عن أي شيء يتعلق بإدارة العراق، فإن كولين باول(وزير الخارجية) اتصل بكونداليزا رايس وقال لها:

«أخشى أننا سوف نجد أنفسنا فشلنا بالعناية بذلك الطفل الجديد، وفي يوم ما سوف نجد أنفسنا نحاول إعطاء هذا الطفل المريض إلى الأمم المتحدة مرةً أخرى».

ويأتي اسم الرئيس المصري الأسبق حسنى مبارك في مذكرات كوندي، فتقول:

فور معرفتي بتفجير مقر الأمم المتحدة في العراق وموت مبعوث الأمم المتحدة فيرا دي ميللوا، تذكرت قول الرئيس المصري مبارك لي: «أنا أعرف أنكم تريدون نشر الديمقراطية في الشرق الأوسط، ولكن لماذا بدأتم بالعراق؟ فهم الأسوأ، وسترون»!

انتهت المساحة المخصصة لذلك الجزء وكانت فيه كوندي مستشارة الأمن القومي، وفى الجزء القادم سنرى كوندي وزيرة للخارجية.

تُرى ماذا ستقول؟

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
روافد بوست
كاتب وباحث سياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.