ثقافة مختارات مقالات

البروفيسور الأسطة يكتب عن ازدواجية المعايير

أنا والجامعة 18:
شيطاني الأنثى: ازدواجية المعايير

بقلم الأستاذ الدكتور/ عادل الأسطة

بعد عودتي من ألمانيا أخذت أكتب في الصحافة الوطنية مقالات أدبية وأخرى اجتماعية لا تخلو من إشارات سياسية أحيانا. عدت أحرر الصفحة الثقافية في جريدة “الشعب” المقدسية، فأتسلل في صيف 1992 إلى القدس مغامرا. لقد صارت المدينة حراما على بلابلها حلالا للطير من كل جنس، ولما لم أتفق مع السيد علي يعيش، فلم أستمر في تحرير صفحة الثقافة أكثر من شهرين.

في تلك الأثناء أصدر السيد زهير الدبعي جريدة “نابلس”، وهي صحيفة أسبوعية أراد لها أن تكون صحيفة مدينة على غرار صحف المدن ولم ينجح، واستكتبني فكتبت مقالا أسبوعيا، وأرجح أنني في حينه كتبت مقالا عنوانه “شيطاني الأنثى”. وللمقال قصة.

لم تعاملني إدارة الجامعة بعد عودتي على أساس درجتي العلمية الجديدة بحجة أنني لم أحضر معي الكرتونة التي لا تمنحها الجامعة التي درست فيها إلا بعد سحب 80 نسخة من أطروحة الدكتوراه وتسليمها إلى الجامعة أو بعد طباعة الرسالة في كتاب.

ولما راقت الأطروحة للممتحن الثاني، فقد رأى أن تصدر في كتاب عن دار نشر معتمدة في برلين ومتخصصة فى إصدار كتب العلوم الإسلامية، وهي دار (كلاوس شفارز / Klaus Schwarz)، ولأن الدار تطبع كتبا ذات مواصفات ممتازة ويستغرق الأمر فترة طويلة، فلم أحصل على الكرتونة إلا بعد عامين، ما جعل إدارة الجامعة تعاملني، مدة عامين، على أساس درجة الماجستير.

لم أكن الوحيد الذي لم يحضر معه الكرتونة فورا، فهناك آخرون حدث معهم ما حدث معي ولكنهم عوملوا على أساس رتبة محاضر – أي كما لو أنهم حملة شهادتي ماجستير اثنتين، وبدا الأمر كما لو أنه كيدي والأصح أنه يدخل في باب ازدواجية المعايير.

كان كثيرون يلمحون لي أن الألمان لن يرسلوا لي الشهادة، علما بأنني أحضرت معي شهادة مصدقة من الجامعة تثبت أنني حصلت على الدكتوراه ونجحت في الامتحان الشفوي في التخصص الرئيس والتخصصين الفرعيين. وكان الذين يلمحون يوحون لي بأنني لم أحصل على الشهادة لأن هناك من كتب لي الأطروحة، ولطالما اختبرني كثيرون ليتأكدوا من أنني أنا كاتب الرسالة، ولا أبالغ إذا كتبت أنني يجب أن أدخل موسوعة (جينيس) في هذا الجانب – أي أكثر شخص في العالم تكونت لجنة منحه الدكتوراه من عشرات آلاف الممتحنين المتنوعين ؛ من الأساتذة الجامعيين وانتهاء بربات البيوت وباعة الخضار. وكما ذكرت فإن خالتي ربطت بين شهادتي ولون بدلتي السوداء. إن شهادتي سوداء، ولاحقا خربشت عن تأكد أستاذ جامعي من وجود ختم شهادتي فيها بنظره إلى حذائي الإيطالي الفاخر، ليرى إن كان الحذاء مختوما، وكان كذلك. لقد تأكدوا من أن الشهادة مختومة بتأكدهم من ختم الحذاء بختم منتجه.

كان السؤال، ومازال، هو:

– من يكتب لي أبحاثي ومقالاتي؟ ومن يصحح لي ما أكتب؟

والحكاية بدأت في ألمانيا.

لقد اختلفت مع الأستاذة (انجليكا نويفرت) والطلاب العرب وآخرين، وبدأت حرب لما تنته حتى اللحظة، ودخل على الخط أهل سارة وأهل هاجر والفصائل الوطنية وبعض الدول المجاورة، وصار الآخرون شغوفين بمعرفة الشخص الذي يكتب لي (إنما يعلمني بشر).

الحكاية، كما ذكرت، بدأت في ألمانيا، ومرة سألتني البروفيسورة (فيبكة فالتر) عن علاقتي بزميلة لها، ظانة أن بيننا ما بيننا، ذاهبة إلى أنني أقدم لزميلتها خدمات (؟)، وزميلتها، بدورها، تكتب لي. ومن وحي قصتي مع البروفيسورة (فيبكة) كتبت قصة قصيرة عنوانها ” لماذا كنت يوسف؟ من قال إني كنت يوسف؟! “.

أراد الألمان أن يتأكدوا من أنني أنا من يكتب، فاتصلت بي طالبة ألمانية تعد الدكتوراه وأخبرتني أنها ستزور (بامبرغ) لتلتقي بأستاذتي التي ستكون مشرفا ثانيا تقريبا لها، وأنها ترغب في أن تسمع مني رأيي في البروفيسورة (فيلاندت) مشرفتي.

زارتني السيدة (بيرجيت سي كامب)، وكانت متزوجة من الكاتب الفلسطيني محمود شاهين وذكرها في بعض رواياته، وباتت عندي في الشقة وأنفقت يومين تحدثنا فيهما عن رسالتي ورسالتها ولم تترك صغيرة أو كبيرة في رسالتي التي اطلعت عليها إلا سألتني فيها، وتأكدت أن الذي كتب لي رسالتي هو أنا.

هل انتهى الأمر واقتنع الألمان؟

إن انتهى الأمر نسبيا في ألمانيا فإنه بدأ حقيقة هنا، وكما ذكرت فإنه لما ينته، على الرغم من مرور 29 عاما، وعلى الرغم من أنني أنهيت عملي في الجامعة.

حقا من الذي يكتب لي هذا الذي كتبته وأكتبه؟ وهل تخصصت في ألمانيا في دراسة الأدب أم أنني تخصصت في طب (؟) النساء؟

في مقالتي ” شيطاني الأنثى ” سخرت إذ كل شيء يدعو إلى السخرية، فلقد احتار الآخرون في أمري في أشياء عديدة دفعتني أحيانا إلى التصرف البذيء. لقد كنت مثل قط يحشر في الزاوية يوميا، بل ساعة ساعة، في أثناء خروجي من البيت، بل وفي أثناء وجودي فيه. وحين قرأت قصة الدكتور المصري لويس عوض كتبت عنها.

كان للدكتور لويس عوض زوجة أجنبية تحب القطط، وكان له شقة ثانية يقيم فيها نهارا يقرأ ويكتب، ما جعل معارفه يشكون في أمره ويتساءلون:

– ماذا يفعل لويس عوض في شقته الثانية؟

لقد كتبت إن شيطاني الذي يكتب لي هو أنثى، موظفا بيت الشعر العربي القديم:

” إني وكل شاعر من البشر

شيطانه أنثى وشيطاني ذكر “.

ولقد بحث الآخرون عن شيطاني الأنثى، ومازال البحث قائما، ثم قلت إن قلمي الباركر السائل مسكون بجن، فسرقه مني بعض من التقيت بهم، ظانين أنني بعد ذلك لن أكتب.

رحم الله رئيس الجامعة الأسبق الدكتور بهجت صبري الذي تعامل معي ومع غيري بمعايير مزدوجة، فرفض أن يعاملني على أساس درجة محاضر كما عامل صديقي الأستاذ غسان السفاريني الذي تأخر أيضا حصوله على الكرتونة. ومرة رفعت صوتي محتجا على ازدواجية المعايير، فذهبت بالدكتور بهجت الظنون مذاهب شتى، ويومها فوجئت بوفد من نقابة العاملين يزورني في بيتي آملين أن أتريث وستحل المشكلة.

هل كنت حقا من جماعة صبري البنا أبو نضال أم أن أوضاع الضفة الغربية في نهاية الانتفاضة كانت مرعبة حقا؟.

لعل الحكاية هذه تحتاج إلى توضيح.

 

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
روافد بوست
كاتب وباحث سياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.