دين سياسة مختارات مقالات

المقاومة السلمية بالبقاء والثبات هي الجهاد الحقيقي في ظل عدم توازن القوى

القتال وسيلة وليس غاية، وهو كُره للبشر!

بقلم/ جميل عبد النبي

في القرآن الكريم لم يكن القتال غاية في ذاته، إنما مجرد وسيلة يكرهها المؤمنون، لأنها عكس فطرة الإنسان الباحث عن الحياة:

“كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ”.

لكن، ولأنه قد يصد أذىً أكبر منه، فقد يكون خيراً في نتيجته، إلا أنه لن يتحول إلى غاية، ولا إلى فعل محبوب.

القتال وسيلة وليس غاية، وهذا ما يجب أن يظل حاضراً في وعي المقاتلين، حتى لا نتحول من طالبي حق إلى مجرد قتلة.

في حالتنا الفلسطينية لا يمكن لأي عاقل أن يشيطن حقنا في القتال، فنحن مُعتدى علينا، ومن حق المُعتدى عليه أن يرد عن نفسه عدوان المعتدين، وهذه مسلمة بالنسبة لنا، ليست هي في ذاتها محل النقاش.

إلا أنه يبقى وسيلة، ويجب ألا نسمح له أن يتحول إلى غاية في ذاته، ولا بأي حال من الأحوال، ويجب أن يكون شعارنا: الحياة في سبيل الله، لا الموت في سبيل الله، فالله يريدنا أحياءً لا أمواتاً، والحياة هي مدخل إعمار الأرض والاستخلاف فيها، وليس الموت.

القتال مجرد وسيلة، نستخدمها مضطرين، ومكرهين، إن وجدنا أنها وحدها الطريق نحو انتزاع الحقوق، وإن كانت لحظة استخدامها مناسبة، أما إن ثبت العكس فإن وسائل النضال أكثر من أن تنحصر في القتال.

في مقال سابق حاولت أن أعرض الصورة كما هي، دون أن أواصل خداع نفسي بأي أوهام مخادعة، ولم أدع إلى الاستسلام، ولا إلى الإحباط، بل العكس، فلقد كان هاجسي الذي أخاف أن يتسرب إلى ذواتنا كفلسطينيين هو الإحباط، فيما نحن فعلاً أقوياء ببقائنا في الأرض، وبعدالة روايتنا، وقلت: أن البقاء في الأرض في هذه المرحلة هو الأهم، لأن غاية اقتلاعنا من الأرض لم تفارق عقل أعدائنا، ولن تفارقه، وهو لا يرى حلا حقيقياً إلا بانتزاعنا من الأرض، فهذا هو جوهر مشروعه، ونقيض هذا المشروع الحقيقي هو في البقاء في الأرض، واستخدام وسائل نضالية نستطيعها، ونستطيع تحمل تبعاتها إلى أطول مدة ممكنة، حيث صراعنا مع إسرائيل طويل، ولا تنهيه جولة واحدة، وعليه فإن من يزعم دعمنا أن يدعم مقومات بقائنا هنا، ابنوا لنا مدارس، ومستشفيات، ومصانع، وادعموا زراعتنا لما تبقى من أرضنا، وفروا لشبابنا فرص عمل حتى يكفوا عن التفكير في الهجرة، ابنوا لنا مساكن تكفي فقراءنا الذين يقتلهم برد المخيم، أما أن تكتفوا بدعمنا بالوسائل القتالية التي لن نستطيع استخدامها، وفقاً لمعادلة قواعد الاشتباك الجديدة..! وأيضاً إن استخدمناها فلن نزيل بها إسرائيل، وسيجلب علينا استخدامها ردات فعل مميتة، سيكون دوركم حينها تعداد قتلانا، والتباكي علينا، فتلك والله أشكال من الدعم ليست في صالحنا.

أصلاً مقاومتنا- حتى القتالية منها- غايتها فقط الحفاظ على جذوة الصراع مشتعلة، وغاية كهذه يكفيها الحجر، أو القليل من الفعل، لأن كل ما يمكن أن نجمعه لن يزيل إسرائيل، لأن إزالتها يحتاج إلى طاقة أمة، وهذا قولكم أنفسكم، وحينما تكون طاقة الأمة جاهزة، تعالوا وحرروا فلسطين، ونحن على اليقين لن نمنعكم، أما الآن، ونحن نقاتل وحدنا، فإن مجرد البقاء هنا هو أهم عمل وطني حقيقي نستطيعه، وإن كنتم صادقين في دعمنا فادعموا ما يعزز هذا البقاء.

إلى أهلنا في الضفة:

إياكم والذهاب إلى حيث لا تحتملون تبعاته، المطلوب منكم الآن هو البقاء هناك، واللجوء إلى الوسائل النضالية التي لا تشكل أي خطر على هذا الوجود، كثفوا من مقاومتكم الشعبية، والسلمية، لكن إياكم وما لا تستطيعون احتماله.

سؤالي الأخير:

لماذا كان من حقنا في غزة أن نبقي مسيرات العودة تحت السيطرة، وهذا أصلا ما كنا نطالب به نحن أيضاً، ثم لا يحق للضفة أن تفعل ذلك؟!

أي عمل نضالي غير محسوب قد يصل بنا إلى نتائج لا تحمد عقباها.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
روافد بوست
كاتب وباحث سياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.