ثقافة مختارات

البروفيسور الأسطة يكتب عن فوضى الانتفاضة الأولى وانعكاساتها على التعليم

الاستاذ الدكتور عادل الاسطة يكتب:

أنا والجامعة 19 :
فوضى الانتفاضة وانعكاساتها السلبية على التعليم

عندما عدت من ألمانيا في تموز 1991 كانت الانتفاضة التي لفتت أنظار العالم إلى القضية الفلسطينية تكاد تقترب من نهايتها، وأخذت سلبياتها تظهر ظهورا لافتا، ما انعكس سلبا على التعليم المدرسي والجامعي معا.

وحين أنظر في الرسائل التي كان بعض زملائي يرسلها لي أرى أن التعليم، حتى قبل عودتي، أخذ يسوء، فمباني الجامعة مغلقة والقاعات البديلة لم تكن قاعات تعليم، وأحيانا كان بعض الأساتذة يحاضرون في مداخل البنايات المستأجرة من الجامعة. ولم يكن التعليم في المدارس أحسن حالا، ففي امتحانات الثانوية العامة (التوجيهي) كان ثمة فوضى خبرتها شخصيا، إذ كانت بعض أوراق الأسئلة تسرب من قاعات الامتحانات بطريقة ما، وكان هناك معارف لبعض الطلاب ينقلون الأسئلة إلى معلمين لا يراقبون فيجيب هؤلاء عن أسئلة الامتحانات لتسرب إجاباتها إلى داخل القاعات. ومرة عرض علي أحد معارفي أن يرسل لي صديقه ومعه الأسئلة لأكتب إجاباتها.

ولحسن الحظ أن العام الدراسي 1991 – 1992 انتظم في مباني الجامعة، وفيه، مع ذلك، طغت على التعليم بعض أجواء الانتفاضة، فصار قسم من الأساتذة والطلاب يحسب حسابا ما لما يجري في خارج الجامعة، ولم يكن المعيار في تحقيق كينونة المحاضر أو الطالب معيارا أكاديميا صرفا. ولا زلت أذكر عبارات قريب لي – رحمه الله – انتمى إلى حركة فتح ليحمي نفسه من الآخرين، حال تعرض المقنعون أو بعضهم له.

– في ظل هذه الفوضى يجب أن يكون هناك جدار تستند إليه، حتى لو لم تكن مقتنعا.

لقد ظهرت الفتوة وأخذ بعض حملة السلاح يفرض أتاوات على بعض التجار ليحموه، وساد الخوف وبعض الجبن أيضا، وأعتقد أن إدارة الجامعة في حينه لم تكن بمنأى عن هذه الأجواء، ما أثر على بعض قراراتها، وكنت آسف كثيرا عندما كان قسم من معارفي يلمح لي أن أحل مشكلتي مع الإدارة بالتهديد والوعيد والتلويح بالقوة، وقد آثرت شخصيا المنطق والقانون، وهو ما نصحني به الصديق مصدق المصري الذي طلب مني أن أعتمد على مخاطبة الإدارة ومجلس الأمناء بالاعتماد على كتابة رسائل لهم فقط، وهو ما اخترته غالبا في الأصل، علما بأن صديقا آخر أعلمني، فيما بعد، أن للحطة الحمراء التي كنت أتقي، بوضعها على رقبتي، البرد دورا كبيرا في عدم تشجع الإدارة على معاقبتي. ما قاله لي هذا الصديق جعلني أبتسم للأمر الذي لم يخطر ببالي إطلاقا. (هل شكرت الجبهة الشعبية للون الحطة فقط؟).

عندما عاد الدكتور منذر صلاح إلى رئاسة الجامعة في تلك الأيام لم تكن السلطة الفلسطينية تأسست، ولم تكن الأوضاع استقرت. والدكتور منذر رأس الجامعة في العام 1982 وكانت شخصيته ذات رهبة، ومع ذلك، فإنه في ظل فوضى الانتفاضة كان أحيانا لا يجرؤ على اتخاذ قرارات أكاديمية حاسمة.

ذات يوم تقدمت معلمة لغة عربية بشكوى ضد قسم اللغة العربية، فقد ذهبت إلى الدكتور منذر ومعها أسئلة امتحان نهائي لمادة اللغة العربية، وخاطبت رئيس الجامعة محتجة على ما في ورقة الأسئلة من أخطاء ومما قالته إنها علمت ابنتها في المدرسة اللغة العربية وأن الجامعة بدلا من الارتقاء بلغة ابنتها تهدمها وتعلمها عربية خاطئة.

أحال الدكتور منذر ورقة الأسئلة إلى رئيس قسم اللغة العربية المرحوم محمد نوفل ليبدي رأيه فيها، فأحالها بدوره إلي وطلب مني أن أكتب رأيي فيها.

قرأت ورقة الأسئلة وفجعت بما فيها من أخطاء، وشككت أن تكون الأسئلة من وضع أستاذ في القسم، ولذلك طلبت من الأستاذ المعني نموذجا من أسئلته، فأحضره، ولما لاحظت أنه هو صاحب الأسئلة كتبت تقريرا ليس لصالحه على الإطلاق، ورأيت أن المعلمة والدة الطالبة معها حق فيما ذهبت إليه.

عندنا قرأ رئيس الجامعة التقرير الذي كتبت فيه إن واضع الأسئلة لا يستحق أن يكون عضو هيئة تدريس في قسم اللغة العربية، عقد د. منذر اجتماعا مع أعضاء مجلس القسم ليتخذوا القرار نيابة عنه. والحقيقة أنني لم أره قلقا مرتبكا كما رأيته في ذلك الاجتماع. طلب من أعضاء القسم إبداء رأيهم وبدا قسم منهم مترددا مركزا على الجانب الإنساني لزميلهم، ولم يراعوا الجانب المهني، وأرجح أنهم أيضا في موقفهم كانوا يراعون أوضاع الضفة غير المستقرة ويحسبون للجهة التي قد تقف خلف عضو هيئة التدريس ألف حساب. وقد أكون الوحيد الذي جرؤ على كتابة التقرير وركز على ضرورة مراعاة الجانب المهني أكثر من مراعاة الجانب الانساني

يومها لم يتخذ الدكتور منذر القرار، فلقد أراد أن يتخذه القسم، وحين اتخذ القسم القرار خاطبنا رئيس الجامعة قائلا:

– مش تقولوا بعد الاجتماع وخروجكم إن الدكتور منذر هو من اتخذ القرار.

وبعد أن أقيمت السلطة الفلسطينية استقرت الأوضاع نسبيا وصار التعليم أفضل حالا، بما لا يقارن بما كان عليه في سنوات الانتفاضة، وصار رئيس الجامعة أكثر جرأة في اتخاذ قراراته وأكثر هيبة أيضا.

علام كنت أعتمد في تلك الأيام؟ ربما أفادتني الحطة الحمراء من حيث لا أدري، وربما أفادتني الجبهة الشعبية أيضا من حيث لا أدري، وكانت الجبهة أبدت، من خلال بعض الرفاق فيها، موافقتها على نشر نص “ليل الضفة الطويل” إذا حذفت منه عبارة أسخر فيها من شعار رفعه أعضاؤها في الانتفاضة وهو “إذا كان دمي أحمر فكيف لا أكون جبهة شعبية” والعبارة التي كتبتها معقبا فيها على هذا الشعار هي: “إن دم أفراد الموساد أحمر فهل الموساد جبهة شعبية؟”.

ربما ما يستحق أن يكتب هو تدريس مساق اللغة العربية في جامعة النجاح الوطنية، وقد كان تدريسه سبب خلافا كبيرا بيني وبين بعض زملائي، وما زلت أرى تدريسه بالطريقة التي يدرس فيها عبثا، بل وإساءة للغة العربية وللجامعة أيضا.

 

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
روافد بوست
كاتب وباحث سياسي

One Reply to “البروفيسور الأسطة يكتب عن فوضى الانتفاضة الأولى وانعكاساتها على التعليم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.