سياسة مختارات مقالات

المكابرة السعودية في اليمن

المكابرة السعودية في اليمن

بقلم البروفيسور وليد عبد الحي

في الحوار الأكاديمي الدقيق بين دراستين هما :
Fearon, James D. 1995. “Rationalist Explanations for War.” International Organization 49(3):379–414
ودراسة
Giacomo Chiozza ,H. E. Goemans: International Conflict and the Tenure of Leaders:
Is War Still Ex Post Inefficient?
American Journal of Political Science, Vol. 48, No. 3, July 2004, Pp. 604–619

دار نقاش علمي حول متغير محدد هو متغير تقييم الحرب بعد وقوعها” ex post inefficient ” وتأثيرها على القادة في الجانبين، وتصل الدراستين الى نقطة توافق (من خلال اعتماد منهجين كمي وكيفي) وهي ان الحرب الفاشلة في النظم الأوتوقراطية والهجينة تزيد احتمالات سقوط الحاكم الذي اشعل الحرب.

وتتاكد هذه النتيجة في دراسة غطت فترة 160 سنة(1816 الى 1975) ، وهي :
Bruce Bueno de Mesquita and Randolph M. Siverson
War and the Survival of Political Leaders: A Comparative Study of Regime Types and Political Accountability The American Political Science Review
Vol. 89, No. 4 (Dec., 1995), pp. 841-855

ذلك يعني ان هذه الدراسات تحدد بعدين هما طبيعة النظام السياسي، ونتيجة الحرب، فكلما كان النظام اقرب للأوتوقراطي او حتى النظم الهجينة ويفشل في الحرب كلما كانت احتمالات بقائه في السلطة اقل، وكلما طالت مدة الحرب تزايدت احتمالات السقوط، ولعل المؤشرات المستخدمة في هذه الدراسة وتوظيفها من خلال الانحدار( Regression) يشير الى أن تطبيقها على السعودية في حرب اليمن يصل بنا الى نتائج قاتمة.

مؤشرات الفشل السعودي في اليمن:

بعيدا عن سياسات التشفي الغرائزي السائد في الادبيات السياسية العربية، لنتأمل في المؤشرات التالية:

1- مدة الحرب: في بدايات الحرب قال الامير محمد بن سلمان انه” سيهزم الحوثيين خلال ايام”( فضائية سي ان ان العربية 3 مايو 2017)، وقدر الناطق باسم التحالف العربي لمراسل البي بي سي في بداية الحرب ابريل 2015 في الرياض انه خلال ” شهور قليلة ستقع هزيمة الحوثيين).

لقد بدأت الحرب في مارس 2015، أي أننا على اعتاب السنة السادسة من هذه الحرب دون اية ملامح على الكسب السعودي، وهو ما يعني تزايد خطورة مؤشر مدة الحرب.

2- التكاليف الاقتصادية لهذه الحرب على الاقتصاد السعودي: تُقدر الخسائر السعودية من العسكريين حتى منتصف 2019 بحوالي 3000 قتيل من الجيش السعودي وحوالي 20 الف جريح(Los Angeles Times تموز 2019) ، ومنذ تلك الفترة ارتفع العدد الى قرابة أربعة آلاف وخمسمائة ( بعد معارك منطقة نهم وقبلها) والجرحى ارتفعوا الى 25 الف جريح.

من ناحية أخرى، تقدر مراكز الدراسات الغربية ومنها معهد استوكهولم ( من أهم مراجع الدراسات للانفاق الدفاعي) ان نفقات الحرب السعودية في اليمن تصل الى 6 مليار شهريا ( وهو ما يعني 6 X 12 X 5 = 360 مليار دولار مجموع نفقات الحرب حتى الآن)، وتتضح هذه الأرقام في دلالتها من خلال التنبه لمعدل الأنفاق العسكري السعودي قياسا لاجمالي اجمال الناتج المحلي ، حيث يصل المعدل الى 8.8% وهو ما يجعلها الاول عالميا( وتمثل هذه النسبة 24.6 من اجمالي الانفاق الحكومي وهو ما يجعل السعودية تحتل المرتبة الثانية عالميا)، وعند الدخول في تفاصيل هذه الارقام نستدل على أن السعودية تشتري 12% من اجمالي مبيعات السلاح العالمي وما يعادل 68% من اجمالي مبيعات السلاح الامريكي ،وقد ارتفع الانفاق الدفاعي السعودي بنسبة 192% خلال فترة السنوات الخمس للحرب اليمنية.

3- تفكك التحالف السعودي أو الانسحاب التدريجي الهادئ لبقية المتحالفين، بدأ التحالف باعلان تسع دول عن المشاركة في التحالف، لكن الوضع الميداني يشير الى ان دولتين( السعودية والامارات) تشاركان بفعالية بينما السودان كانت مشاركته ذات معنى في البداية لكنها تآكلت تدريجيا، بينما البقية من المتحالفين لا يشاركوا بما له أي تاثير على موازين القوى وهو ما يعني وقوع العبء كله على الدولة السعودية لا سيما بعد الشروخ في التوجهات الامارتية في الميدان، حيث انشغلت بالسيطرة على مضيق باب المندب واليمن الجنوبي.

4- الصورة الكالحة للسعودية لدى المجتمع الدولي رغم الجهد والمال الهائل لتحسين هذه الصورة، فتقارير المؤسسات الدولية (الحكومية وغير الحكومية) تشير الى أن اليمن بحاجة ل 29 مليار دولار لاعادة اليمن الى وضعها قبل عشر سنوات، والتركيز على ان 90% من الهجمات الجوية ضد اهداف مدنية(Human Rights Watch)، ومصرع 40 الف مدني (مراسل البي بي سي تموز 2019) ونزوح ثلاثة ونصف مليون يمني حتى عام 2016 ، كما ان تكاليف تدمير البنية التحتية يصل الى حوالي 14 مليار دولار في السنة الاولى للحرب ( رويتر 16 اغسطس 2016) منها تدمير 2000 مدرسة في دولة تعد من افقر دول العالم.

فإذا اضفنا الى ذلك شبح الصحفي جمال خاشوقجي الذي يلاحق السعودية (وتوظفه تركيا ودوائر سياسية في الولايات المتحدة وبمساندة من الاعلام القطري)، وتزايد الاحاديث عن تجسس سعودي على شخصيات دولية متنفذة لا سيما في مؤسسات التواصل الاجتماعي، فان الصورة تزداد قتامة.

5- ظهور بعض المؤشرات على اتكاء التحالف العربي على بعض شركات الامن الخاصة ذات السمعة السيئة مثل شركة أكاديمي((Academi) بعد مقتل بعض عناصرها ، وهو ما تتبعته صحيفة الغارديان البريطانية في 8 ديسمبر 2015.

6- على الرغم من كل الجهد والانفاق العسكري فان مركز تواجد الحوثيين بقي على حاله منذ 2016،كما ان جبهة الجنوب التي تقيم فيها حكومة عبد ربه هادي تعرفا انقسامات مريرة مع قوى جنوبية ناهيك عن المشاكل مع حزب الاصلاح، ذلك يعني أن الجهد السعودي يراوح مكانه، بل يتراجع في بعض المناطق كما جرى في الهجمات الاخيرة خلال الايام الماضية في منطقة نهم.

ذلك يعني باختصار ان الفترة الزمنية لانتهاء الحرب فاقت بحوالي 12 ضعفا الى 70 ضعفا ( حسب تقديرات الناطق باسم التحالف او تقديرات ولي العهد السعودي تباعا)، كما ان الانفاق الدفاعي فاق كل التقديرات الاولية بمقدار 200 ضعف ، وتشوهت الصورة السعودية اكثر( ويكفي متابع تقارير الواشنطن بوست وغوغل…الخ) ، والتخلي التدريجي عن المشاركة من دول التحالف ..كل ذلك يرجح فتح نوافذ التغيير في بنية السلطة سواء توقف القتال ام استمر.

فإذا اضفنا لهذه العوامل الاحتقان في العائلة الحاكمة بعد اجراءات ولي العهد المعروفة ، وتراجع مستويات الانفاق الحكومي، وثغرات خطة 2030 نكون امام احتمال أقوى ..وربما.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
روافد بوست
كاتب وباحث سياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.