مختارات مقالات

محطات مشرفة عن الدكتور أحمد يوسف في تعامله مع الشباب

الدكتور أحمد يوسف ..  شمسٌ بازغة في سماء غزة الغائمة

بقلم/ رزان السعافين

لا أنوي في مقالتي هذه عرض مواقف سياسية أو أفكار قرأتها أو سمعتها حول الدكتور أحمد يوسف، بل لمواقف تشرفت بها، سمعها قلبي قبل أذناي، وترجمتها تصوراتي الذهنية بعد مشاهدة عيناي، لأسطرها بقلمي. حيث تتزاحم العبارات دوما حينما أرغب في الحديث عن مقتطفات من حياة إنسان، عمل الكثير ولا زال يعمل.

وعلى الرغم من أن هناك العديد من المواقف لكن ما يسبقها إلى ذهني وضوحه التام في التعامل مع الآخرين.

من خطاب تدكس جامعة فلسطين

قرأت له مقالات وكتب ومنشورات تتحدث عن مختلف الرؤى السياسية والتوجه الوطني، فكان كل ما يكتبه لا يختلف عن أقواله وحواراته البعيدة عن أضواء وكاميرات الإعلام.

فلو جالسناه أو تحدثنا إليه أو تناقش معنا بصورة عفوية أو منظمة، فأرى ما يقوله، وما يفعله، ولا يختلف عما يكتبه وينشره؛ حتى لو كان نقدا أو مغايرا لما هو سائد.

بطبيعتي كنت دائما حذرة من أي قائد، ومن كل من له سيرة طويلة في العمل السياسي، لأن التناقض سمة غالبة بين قول وآخر، أو قول وفعل في غالب تعاملاتنا سواء على صعيد التعاملات الاجتماعية، أو مهنتنا الصحفية، أو حتى الأنشطة المجتمعية.

ونحاول أن نقاوم هذه الآفات المجتمعية بكل ما أوتينا من صبر وقوة، لكي لا تبقى كرات أفكارنا تتدحرج في نفوسنا وتتعبنا.

ظنون متقلبة في البداية

في أول لقاء لنا به مع مجموعة من الشابات عام 2010 في استضافة فكرية تتبع لوحدة الإعلام الأجنبي “مجموعة 16 اكتوبر”، وكان آنذاك يعمل الدكتور أحمد يوسف في وزارة الخارجية، فقد كان لقاؤه يتمايز عن غيره من لقاءات الضيوف في محافل الأنشطة واللقاءات المجتمعية، أنه لم يسرد إنجازات الحكومة، ولم يبرر لما كان يسمى “أخطاء فردية” أشيعت في ظل بداية الانقسام وحكم حركة حماس، ولم يضع وقتنا ونحن نستمع إلى شخص موجه من أحد، بل لامست ذلك عن قرب. لقد كان مناديا بتحرر ذات الإنسان، وخوض التجارب بدون إملاءات أحد، والتحرر من اعتبارات الغير ما دام هناك تجربة.

رسخ في ذهني هذا التصور تجاهه، وبت أقابله وأستمع إليه وأكون ضيفا حاضرا أو مشاركا في مختلف أنشطة المجتمع ووسائل الإعلام ورغم كل ذاك، كان الحذر سيد الموقف. المهم أني أشعر وأرى دائما، أن هناك شيئا مختلفا عن الغير، وجرأة في الطرح، ووضوحا دون تردد في عرض المسائل.

منذ أن كنا طلبة في مرحلة البكالوريوس الأول، بعد الثانوية العامة، كنت مشاركةً في عدد من الأنشطة والأعمال المجتمعية ذات العلاقة بالإعلام والشأن الفلسطيني، حيث كانت فترة بعد حرب 2009 حتى عام 2012 فترة أعتبرها زاخرة بالأحداث والتحولات السياسية، والمآسي الإنسانية. لفتنا العالم بالتفاته إلينا وعلينا وأتت مئات الوفود إلى قطاع غزة وقابلنا العشرات منهم، فلقد كان لفريق المناصرة الشبابي “بيان” في معهد بيت الحكمة الذي يرأسه د. يوسف حتى الآن، الدور الحيوي في استقبال تلك الوفود والتعامل معها. هاتفتني ابنته، الزميلة النشيطة مفاز يوما للتعارف والحديث حول الفريق.

صار اللقاء وتمت دعوتي للمعهد للحديث مع منسقة الفريق آنذاك، وبقيت فترة أتابع الأنشطة بصمت، وأشارك بحضور ما ندر من اللقاءات والأنشطة إن أتتني دعوة؛ وأرفض معظمها لضغط الوقت لديَّ.

ما كنت أراه حقا هو حجم التواضع والتقارب بين فئات الشباب ومن هم مسؤولين سواء في مناصب معينة داخل وخارج البلاد أو الوفود. كنت أرى الشباب ليس تبعيين، ولا تابعين، ولا نسخة كربونية من أحد في أروقة معهد بيت الحكمة.

برنامج التمكين السياسي

يحدث أني انقطعتُ فترة وجيزة من الزمن تقدر بشهور قليلة انشغلت بها لظروف تخرجي من دراستي الأكاديمية الثانية؛ لكن رأيت في عام 2016 أن معهد بيت الحكمة يعلن عن برنامج التمكين السياسي التدريبي للنخب الشبابية في المجتمع، وبادرت بالالتحاق دون تردد.

وكانت الورش التدريبية ذاخرة بأنشطة مباشرة لمعهد بيت الحكمة، وتم الانضمام بتجديد دعوتي للانضمام إلى فريق بيان، وكنا نتعامل مع د. يوسف عن قرب في مختلف اللقاءات. وما دفعني للاستمرار والعودة إلى نشاطي من جديد هو صدق من يعلو منبر هذا المعهد. تخيل عزيزي القارئ لهذه السطور، أن تترك مكانا لانشغالك سنوات، وتأخذ فكرة عنه ويكسوك الحذر لأن طبيعتك حذرة، وتعود إليه بعد ذلك وترى أن الفكرة أو اللمحة الطيبة والإيجابية لم تخب.
وأثناء وبعد هذا البرنامج الزاخر بالعطاء، بدأت ترتسم لي ملامح طبيعة الدكتور أحمد يوسف، ورؤيته، ونظرته تجاه السواعد الشبابية.

وعليه كان بادرة هذا البرنامج عقد مؤتمر الشباب الأول نهاية عام 2017م، بتنظيم فريق بيان مع معهد بيت الحكمة، وللحديث عن مؤتمرات الشباب سأفرد مساحة خاصة لمقالة أخرى حول ذلك.

كان تعزيز وتحفيز الدكتور أحمد يوسف للشباب المشاركين والقائمين على إنجاح المؤتمر تعزيزا أبويا للجميع على حدة. كنت حينها عضو لجنة إعلام المؤتمر، ومشاركة بورقة بحثية مع زملاء لي.

وبعد انتهاء ذلك المؤتمر، كان والدي حفظه الله من الحاضرين معي، وعن قرب عفوي قدمت د. يوسف لأبي، فما رأيت إلا سلاما حارا، وتواضعا جما، وبدأ كلاهما يتحدثان عن مختلف المواضيع ارتجالا بشكل عام، وعن نقاط الالتقاء بالأشخاص والأماكن والأحداث.

كنت في هذا الموقف أشاركهما بشيء من الشعور التقديري تجاه أبي، والأب د. يوسف في احترامه الجم ووقفته الثابتة تواضعا وهيبة، حيث لم أرَ أنه مجرد موقف عابر كالعديد ممن يتعرفون على والدي عن قرب في مختلف المحافل التي يشاركني حضورها أو صحبتها.

فاحترام الدكتور لشباب مجتمعه المبادرين هو احترام شامل لكل ما يخصهم، عكس ما رأيته مع أشخاص آخرين في محطات حياتي ممن يحترمون الغير إن عرفوا أبيه قبله، بلغة المصالح. ومن هنا أيقنت أن من تواضع لله رفعه، وزاد ذلك اليقين حين مشاركته لنا حدث تدكس.

رحلة مؤتمر تدكس

في مستهل صيف 2017 حدث قدرا أن أكون أحد منظمي حدث تدكس جامعة فلسطين، عن ملف الرعاة، وكانت صحبتي بالصديقة إسراء ياسين، محطة من محطات كثيرة جمعتنا. وكان تدكس أبرزها. وفي حوار عابر عن محور السياسة والإعلام، كان الفريق بحاجة إلى متحدث بارز ذي خبرة وافية في تقديم خطاب ملهم.

خطر ببالي آنذاك د. أحمد يوسف، وبشكل تلقائي حدثتهم عنه، وقدمت لهم بيانات الوصول إليه من التواصل والعنوان، مع سرد ما أعرفه صدقا عنه، خاصة عن تجربته في الغربة ورحلته الطويلة والزاخرة في التأليف والنشر.

بدأ شعاع الثقة يبزغ وسط غيوم الحذر حينما وافق وشارك معنا د. يوسف بكل فعاليات وكواليس أنشطة تدكس جامعة فلسطين، فقد كان آنذاك التعامل مختلفا ونوعيا لأنه بعيد عن عوالم العمل السياسي والمجتمعي بقالبه المعروف.

تخيلوا أن جميع القائمين على الحدث هم شباب، وكذلك المتحدثين وغيرهم. وكان البعض في بادئ الأمر حذرا أن هناك من هم أكبر منا سنا يجالسونا ويشاركونا، لكن سرعان ما انطفأت تلك الشكوك، وبدا بيننا أبٌ وأخ كبير صديق لنا في هذه المحطة المهمة التي تركت ذكريات جميلة في نفوسنا جميعا، وليتها تتكرر !

كان أبونا وصديقنا الجديد يتابع معنا كل جديد، ولم يعتذر عن أي لقاء تحضيري في كل أسبوع، ولم يرفض أية دعوة حضور ترفيهية أو اجتماعية تواجد بها الفريق وكل أصدقاء تدكس. هذا رغم انشغالاته العديدة، ورغم مواعيد عمله المتتالية.
لدرجة زاد شعوري كشخص أن في كل وسط شبابي لا بد أن يكون لهم أب قريب منهم بينهم ومعهم يشاركهم، متواضع بروح وهمة عالية لا تثبطهم ولا تزعزع عزيمتهم حتى يستمروا؛ وهذا ما رأيته بالفعل صادرا منه بوجه حق.

لم يختلف مع أحد، ولم ينفر من أحد، ولم يتقاطع رأيا أو فكرا مع أحد، حتى لم أشاهد أحدا شكا أو بكى أو تفوه كلمة خلفه، كما نرى تجاه بعض أصحاب المناصب في محطات مجتمعية أخرى.

واستمر تواجدي ومشاركتي بعد ذلك في سلسلة لقاءات الشباب والندوات والمؤتمرات داخل معهد بيت الحكمة، وكانت الحكمة آتية لي بخير كثير في حب العطاء في مراحل تلت ذلك.

الحاضنة الشبابية والأب الحاضن

انطلقت أول حاضنة شبابية سياسية في قطاع غزة في يونيو 2019، وكنتُ أمثِّل فريق بيان الشبابي ومسؤول ملف الإعلام في مجلسها التنفيذي، وهي أحد مخرجات مؤتمر الشباب الثاني المنعقد عام 2018م.

لقد دفعني الأمر للموافقة لقبول تواجدي في المجلس التنفيذي لهذه الحاضنة دون تردد في بادئ الأمر، هو حجم الوضوح تجاه تأسيس وتطبيق هذه الفكرة.

فمعظم المؤتمرات لدينا في بلادنا تخرج بتوصيات بحثية دون تطبيق فعلي، لكن ما شجعني هو مبادرة تطبيق توصية جامعة لعدد من الأوراق البحثية في ذاك المؤتمر، وأن العمل في عقد المؤتمرات بدأ يؤتى أكله، والتوصيات لها مخرجات وتطبيق، وهذا مبدأ قلما يحدث في بلادنا المليئة بالتناقضات والصراعات بين النظرية والتطبيق، والقول والعمل، والوعودات والفعل. ولقد حدث بالفعل، طبقنا، وعملنا ما تم وعدنا به.

لا زالت سفينة هذه الحاضنة تبحر ورغم أي معيقات تجاوزتها، كان هو القائد الأجدر بالنسبة لنا كي ترسو يوما بسواعد الشباب نحو بر الأمان بشكل واضح وجاد؛ كي نستمر رغم تعدد التجاذبات والأحزاب والفصائل في العمل الوطني الشبابي.

فالكل الفلسطيني بسواعد شبابية يجتمعون معا في حاضنة واحدة من شهور طويلة برعاية موافقته ومشورته وكنف محبته لهم، هو أسمى تطلع حاني من أب فلسطيني متحرر من الإطار التنظيمي والمؤسسي والمجتمعي؛ لأجل الصالح العام في محطات حياتية مختلفة.

هذا قليل من فيض مواقف استرسلتها مما طرأ ببالي وأنا أخط هذه الكلمات بمقالتي عن وضوح شمس هذا الرجل الفلسطيني وثبات مواقفه، وسلطت الضوء عليه بحقيقة الإنسان الذي يرجوه الشباب قائدا وقدوة، عزة ونخوة، دون تناقض أو أية فجوة.

لديه همم ويزرع بالشباب هذه المبادئ للوصول إلى القمم. ولا أنسى ما نشره يوما على الفيسبوك بما معناه أن يأتي الأوان ليتفرغ جيله للاستشارات، ويبدأ الشباب بالعمل!

وبناء عليه، سيعرف أي قارئ ما معنى ذلك على أرض الواقع من تجاربنا الشبابية عن قرب وعن وجه حق. 

 

أحمد يوسف

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.