سياسة مختارات مقالات

قلق أصحاب حل الدولتين بعد إعلان صفقة القرن

الدكتور حيدر عيد يكتب عن قلق أصحاب حل الدولتين، بعد إعلان ترامب صفقة القرن

بقلم/ د. حيدر عيد

دونالد ترامب لم يأت بجديد عن الواقع المعاش في فلسطين: إذا أردتم دولتين (تحت حكم إسرائيل) أو دولة واحدة (أيضا تحت حكم إسرائيل)، فالأمر سيان. ولكن مجرد إثارة إمكانية عدم الاستمرار في ترويج وهم إمكانية إقامة دولة فلسطينية مستقلة على حدود 67 وعاصمتها القدس، أصاب بعض القوى التقليدية، يميناً ويساراً، في مقتل.

لقد تم الترويج لهذا الحل العنصري الذي يقوم على أساس الفصل بين السكان بناءً على هويتهم الدينية، وتفضيل الهوية اليهودية من خلال اعتراف فلسطيني لا لبس به “بحق” إسرائيل، بخلاف قرار التقسيم المشئوم، بالتواجد على 77% من أرض فلسطين الانتدابية، وبالتالي الموافقة على قوانينها الأساسية التي تعطي “الحق” لأي يهودي/ة ولد/ت في أي بقعة على سطح الأرض بالعودة إلى “أرض الميعاد،” في حين أن حق اللاجئ/ة الفلسطيني/ة قابل للتفاوض أملا بالوصول إلى حل مقبول لدى “الطرفين!”

ما يغيب بالكامل عن هذا الخطاب، الذي يُسمى خطاب “الاستقلال،” هو البعد التحريري للنضال الفلسطيني، وطبيعة الاستعمار الاستيطاني للمشروع الصهيوني. بمعنى أن الأهداف النضالية للشعب الفلسطيني قبل إطلاق مشروع حل الدولتين العنصري كانت تتمحور حول حق العودة للاجئين/ات الفلسطينيين/ات إلى الأراضي التي طُهروا منها عرقياً كضرورة موضوعية لتحقيق “الحلم” الصهيوني.

ولأنه لا يمكن الفصل تاريخياً وأيديولوجياً بين انتشار الاستعمار الغربي وامتداده، على أسس فكرية عنصرية، إلى بقاع الأرض، بما فيها العالم العربي، وبداية التفكير بتصدير ما أسماه الغرب المعادي للسامية “بالمشكلة اليهودية” إلى فلسطين، من ضمن بعض الاقتراحات، تم تغليف المشروع بأبعاد دينية تعبويه، مما أدى أيضاً إلى صبغه بصبغة استيطانية شبيهة بالمبررات الأيديولوجية/الدينية التي صاحبت قيام دول الاستعمار الاستيطاني الأخرى مثل أمريكا وأستراليا وجنوب أفريقيا…إلخ

وكما أي استعمار استيطاني، كان يجب التعامل مع السكان الأصليين إما بالإبادة و/أو التطهير العرقي و/أو استغلالهم كأيادي عاملة رخيصة. وعليه كانت النكبة الفلسطينية المرآة المعكوسة للمشروع الصهيوني في فلسطين، وأصبحت تمثل صميم القضية الفلسطينية. فلا عجب إذاً من أن تكون قضية العودة هي صميم النضال الفلسطيني، بل أصبحت ملازمة لمفهوم العدالة كما يراها الشعب الفلسطيني. وتجسد ذلك في المشروع الوطني الفلسطيني حتى بداية تبني حل الدولتين العنصري على أسس يمينية بحت التقت مع توجهات ستالينية مسيطرة على صناعة القرار داخل اليسار الفلسطيني الموالي للاتحاد السوفييتي.

و مع سيطرة خطاب الدولتين و تحوله إلى أيديولوجيا يتم تعبئة الجماهير الفلسطينية على أساسها تم تغيير الأولويات في المعادلة النضالية و أهدافها، فتم بدايةً الخلط المتعمد بين مقولات متناقضة و إعادة ترتيب الأولويات، وبدأ الحديث عن برنامج من نقاط 10 في منتصف السبعينيات من القرن المنصرم، مروراً بما أُطلق عليه “البرنامج المرحلي” الجامع لكل القوى الفلسطينية الفاعلة، وصولاً إلى التبني الكامل لحلٍ يؤدي إلى إقامة دولة مستقلة على 22% من فلسطين، الحل الذي بالضرورة يعني الاعتراف الصريح بإسرائيل، و الضمني بقبول نتائج وجودها كدولة استعمار استيطاني قام على أساس تفريغ الأرض من سكانها.

وأصبح خطاب التحرير متأخراً عن خطاب الاستقلال بمراحل مع تحول تعامل قيادة السكان الأصليين مع إسرائيل كدولة غازية قامت باحتلال أراضي الضفة الغربية وقطاع غزة، وجزء من القدس. وتم تصنيع الشعارات اللازمة “للمرحلة” وتعبئة الكوادر، والتكرار الإعلامي الروبوتي المستمر عن “واقعية” و “براغماتية” حل الدولتين بغض النظر عن تمثيله لمكون واحد من مكونات الشعب الفلسطيني الثلاث.

ومع التأييد الأمريكي الرسمي ووقوف “اليسار الصهيوني” خلف هذا الحل، اكتسب زخماً هائلاً ساعد على تهميش أي طروحات تحريرية ذات بعد ديمقراطي يتعامل مع إسرائيل كتجسيد لمشروع استعمار استيطاني جمع بين أشكال متعددة ومركبة للاضطهاد.

وكأي بروباغندا تعبوية تم الترويج لحل عنصري على أساس أنه يجسد “الاستقلال الوطني” المرجو بعيداً عما أسماه بعض المروجين له “هراء” و “عدم واقعية” البديل الديمقراطي الذي يمزج بين البعد الديمقراطي المدني والعدالة النسبية.

وبدا وكأن الحديث عن العدالة، أي العودة والمساواة، هو ضرب من الخيال على الرغم من ادعاء أصحاب حل الدولتين أنهم “لم يتخلوا” عن حق العودة !

في هذه الحالة إما أننا نتعامل مع سياسة تشكيل وعي زائف مؤدلج يرى أن “الاستقلال” متجسد برموز معينة، هو تجسيد للمشروع الوطني الفلسطيني، ولا يرى الاستحالة العملية لتجسيد هكذا مشروع، أو مصالح طبقية ارتبطت عضوياً بحل الدولتين على الرغم من عدم تحقيقه الحد الأدنى من تطلعات الشعب الفلسطيني بمكوناته الثلاث.

وهذا ما يفسر “خيبة الأمل” الهائلة من كلام الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن إمكانية قبوله بدولة واحدة عنصرية بدلاً من “دولتين” وإن كان لا يمانع أيضاً الحل الأخير طالما أنه يضمن سيادة السيد الأبيض. 
ولتسقط صفقة القرن !

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.