الانتخابات الفلسطينية
سياسة مقالات

الانتخابات العامة في فلسطين بين الرغبة والخوف

الانتخابات العامة في فلسطين بين الرغبة والخوف

بقلم/ د. أحمد دلول

أعلن الرئيس محمود عباس خلال خطابه في الجمعية العامة للأمم المتحدة أنَّه سيعلن عن تنظيم الانتخابات العامة في فلسطين فور عودته للأراضي الفلسطينية، وكان واضحاً أنَّ هذه الدعوة المفاجئة جاءت غامضة وغير واضحة، وذلك بالتزامن مع إعلان حماس موافقتها على مبادرة الفصائل الثمانية لتحقيق الوحدة الوطنية وإنهاء الانقسام.

لقد عاد الرئيس عباس من الأمم المتحدة؛ لكنه لم يصدر قراراً ذا علاقة بالشأن، ومازال المتابعون يتحدثون أخذاً ورداً عن طبيعة الانتخابات؛ رئاسية وبرلمانية ومجلس وطني وبلديات؟ أم برلمانية وبلديات فقط؟!، وكذلك عن الجغرافيا، وعن مواقف الفصائل بين احتمالات الرفض والقبول، لكن الأمور لم تتضح بعد.

حركة فتح: تطلعات ومخاوف

صحيح أنَّ الرئيس عباس لم يحدد شكل الانتخابات القادمة؛ لكنه يعتبر –وكذلك حركة فتح- أنَّ إجراء الانتخابات التشريعية يجدد شرعيات الكتل البرلمانية، وقد يؤدي إلى سحب البساط من تحت أقدام حماس، خاصة وأنَّ كثير من استطلاعات الرأي تقول بأنَّ نصيب حماس لن يصل إلى 35% من مقاعد البرلمان، في ظل التجربة المريرة التي عاشها الشعب الفلسطيني خلال السنوات ال13 الماضية وخاصة في قطاع غزة، لذلك فحركة فتح تعوِّل على أصوات الناخبين في قطاع غزة.

يجب التأكيد على أنَّ تنظيم الانتخابات يشكل طوق نجاة للرئيس عباس، ويمكِّنه من التفاوض مع الاحتلال الإسرائيلي أو تمثيل الشعب ضمن قيادة موحدة، لأنَّ فترة الانقسام أضعفته وجعلته طرفاً من قيادة الشعب وليس كل القيادة، لذلك رأينا كيف أنَّ أطرافاً من الاحتلال الإسرائيلي كانوا يقول بأنَّه لا يمثل إلا جزءاً من الشعب، لذلك؛ نستطيع القول بأنَّ الرئيس عباس بات محتاجاً ومضطراً للانتخابات أكثر من غيره، كما أنَّه جاد هذه المرة في الدعوة إلى تنظيم الانتخابات على مقاسه حتى لو اضطر إلى إجرائها في الضفة الغربية والقدس دون غزة رغم صعوبة تطبيق هذا الخيار.

تجدر الإشارة إلى أن فتح منقسمة على نفسها، ولم يعد لها الثقل الأكبر على الساحة الفلسطينية، ولا يستطيع الرئيس عباس ضمان توحد حركته خلفه، ومن غير المتوقع أن يخوض انتخابات بحركة منقسمة، لذلك؛ نستبعد تنظيم انتخابات رئاسية على وجه التحديد. وعلى الأرجح؛ سوف تصر حركة فتح على إجراء انتخابات تشريعية فقط، متذرعة بحل المجلس التشريعي من قبل المحكمة الدستورية، وأنَّ الانتخابات القادمة ستكون لبرلمان الدولة وليس للمجلس التشريعي، وهو ما يعني أنَّ الرئيس عباس يتطلع لإحكام السيطرة على النظام السياسي الفلسطيني بمكوناته وسلطاته المختلفة، لذلك نجده يمسك ب13 منصباً مهماً داخل النظام السياسي بدءاً برئيس منظمة التحرير وليس انتهاءً بالقائد الأعلى للقوات المسلحة،

حركة حماس: تطلعات ومخاوف

في المقابل؛ تريد حماس عقد انتخابات تشريعية ورئاسية، وتدرك أنَّها لن تنافس في الانتخابات الرئاسية بمرشح لها، لكنها قد تمنع فوز مرشح حركة فتح للانتخابات الرئاسية من خلال دعم مرشح مستقل، وكذلك تدرك أنَّ خوض الانتخابات التشريعية والبلدية سيخفف كثيراً من الأعباء عن الشعب في غزة، لكنها لا ترغب بالخسارة. ومن الواضح أنَّ عدم ضمان التوصل إلى هدنة طويلة الأمد، وتزايد احتمالات شن عدوان إسرائيلي جديد على قطاع غزة؛ يجعلانها مستعدة للتجاوب مع الدعوة لإجراء الانتخابات.

ومن المتوقع أن تناور حماس رافضةً تنظيم الانتخابات التشريعية دون الرئاسية، وذلك لمعرفتها المسبقة بتطلعات الرئيس عباس من ناحية، وعدم ضمان عواقب أي سلوك سياسي وأمني قد يتخذه عباس من ناحية أخرى، حيث يشير خبراء إلى أنَّ الرئيس عباس لن يقبل باستلام غزة إلا “نظيفة”؛ أي خالية من أي شيء قد يؤثر على الحكم في غزة مثل موظفي الحكومة أو سلاح المقاومة وخلافهما.

قد يجري الإعلان عن تنظيم الانتخابات، ولكن قد لا يتم إنهاء الانقسام، لأنَّ الانتخابات ليست أكثر من مظهر ديمقراطي لا يؤدي دوره في ظل نظام سياسي مأزوم، ومهما يكن من أمرٍ؛ هناك شروط مختلفة يجب أن تتحقق حتى ينجح تنظيم هذه الانتخابات، وهي:

– الحاجة إلى وحدة بين الضفة وغزة والقدس، ومن الواضح أنَّ الاحتلال يمنع إجراء الانتخابات في القدس، ولا تمتلك حركة فتح سلطة/سيادة على قطاع غزة، وربما لا تتم في الضفة الغربية لوحدها، لأنَّ هذا ينقل النظام السياسي الفلسطيني من الانقسام إلى الانفصال.

– وجوب أن تجري الانتخابات بالتوافق الوطني في كل الأطر ذات العلاقة بالانتخابات، مثل: الرئاسة، البرلمان، المجلس الوطني، البلديات، وغيرها، وذلك بهدف تجديد الشرعيات المنتهية منذ يناير 2009 أو يناير 2010م، خاصة وأنَّ إجراءها في الوقت الحالي يعزز الانقسام.

– من الواجب تهيئة الأجواء السياسية للعملية الديمقراطية المقبلة، حيث لا يمكن نجاح الانتخابات في ظل التراشق الإعلامي والاتهامات المتبادلة بين حركتي فتح وحماس.

أخيراً؛

من الملاحظ أننا أمام عدة احتمالات، على النحو التالي:

– احتمال عدم إجراء الانتخابات إطلاقاً؛ إذا كانت تصريحات الرئيس عباس لأجل الاستهلاك الإعلامي، خاصة وأنه دعا للانتخابات في ديسمبر الماضي. ويدعم هذا الاحتمال: استمرار الانقسام وعدم الاتفاق على الخطوات التحضيرية للانتخابات مثل الحكومة والخوف من عواقب نتائج هذه الانتخابات.

– احتمال إجراء الانتخابات في الضفة الغربية فقط، في حال رفضت حماس إجراء الانتخابات التشريعية دون الرئاسية، وهو احتمال وارد، لا سيما بعد عقد الانتخابات المحلية في الضفة فقط، وعقد المجلس الوطني بشكل انفرادي، وحل المجلس التشريعي ومجلس القضاء الأعلى، وإحالة ربع القُضاة على التقاعد. ويمكن أن تمهد إسرائيل الطريق لهذا الاحتمال، لأنه يعمق الانقسام، وصولاً للانفصال.

– احتمالات إجراء الانتخابات التشريعية في كل من غزة والضفة؛ إذا جرى الاتفاق المسبق مع حماس، بحيث تضمن مقاعد تتناسب مع قوتها الجماهيرية، بشرط أن تدعم الرئيس عباس للرئاسة أو تقبل بعدم إجراء الانتخابات الرئاسية، مع توفير ضمانات لحركة حماس.

– الوحدة الوطنية وإجراء انتخابات رئاسية وتشريعية؛ بحيث تكون الانتخابات أداة من أدوات الكفاح ضد الاحتلال وتعبيرًا عن تجسيد الدولة الفلسطينية على الأرض، وتنافس حماس وفتح ضمن قائمة انتخابية واحدة، وتشترك الحركتان في حكومة وحدة وطنية.

هناك آراء تعتبر أنَّ موافقة الرئيس عباس على استلام أموال المقاصة من الاحتلال الإسرائيلي منقوصة يشير إلى رغبته في تحسين آليات التعامل مع موظفي حكومته وأنصاره في قطاع غزة، وذلك بهدف ضمان أصواتهم في الانتخابات القادمة، وقدم شكره لكافة موظفي السلطة على تحملهم طيلة 7 أشهر الماضية. هذا في ظل أن نيكولاي ملادينوف قد أعلن استعداد الأمم المتحدة للإشراف على الانتخابات، كما أعلنت حماس موافقتها على الانتخابات الرئاسية والتشريعية والمجلس الوطني، وهذا يعني أنَّ الانتخابات العامة في فلسطين أصبحت أمراً واقعاً، ولكن؛ من المستبعد تنظيم انتخابات رئاسية،

وقد تكون الانتخابات التشريعية طوق نجاة بالنسبة لحماس بشكل يساعدها في الانسحاب التكتيكي من تكاليف الحكم والسياسة في قطاع غزة، وهو ما يعني أنَّ حماس قد تقبل تنظيم هذه الانتخابات، ولكن بضمانات عربية ودولية تتعلق بالموظفين وسلاح المقاومة.

 

اقرأ أيضاً: فلسطين بين قرار التقسيم وصفقة القرن

رياح التغيير في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
احمد دلول
كاتب وباحث سياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.