ثقافة مختارات

في النفس البشرية جنة ونار

كتب الروائي خلوصي عويضة

في النفس البشرية جنة ونار

في النفس أو للنفس جنّة ونار بالمعنى المجازي الذي يقترب أو يقارب الواقع، فبين الإصرار على التشدّد والرغبة في التفلّت تضيق تباعاً مساحة الوسطية في عدة قضايا دينية، ومقالتي هذه قراءة في بيان ظواهر وآثار تلك الظاهرة المستوحاة أو المستمدة من طبيعة النفس وخفايا أو دقائق حيلها التي تبدو في الظاهر مصادر قوة وضعف……

أنوّه إبتداءً أن المتكلّم في الدين صنفان من الناس، قائلٌ أو ناقل، فالأول تجب عليه البيّنة، والثاني يجب عليه التثبت لأن نقل العلم أمانة، فأنا هنا بصدد التأكيد أنني ناقل لا قائل فلست عالماً أو شيخاً ولا أدعي هذا الشرف، إنّما أنا من عوام عصاة المسلمين لكني قارئ لعشرات بل ربما أكثر من كتب العلوم الشرعية، قارئ عن وعي قلبٍ وعقل لمقاصد الشريعة الغراء، فالفقه في الدين منشأه الفهم الصحيح نتاج العقل السليم المدرك والذي هو مناط التكليف في أمور الدين والدنيا.

كلّما أكرمنا الكريم بهطول زخات غيثٍ من ماء السحاب قريب العهد بالسماء، تنازع المصلون الرأي بشأن جمع الصلوات فتعلو الهمهمات ثمّ ترتفع الأصوات بين مؤيدٍ للأخذ بالرخصة ومعارضٍ ممّن يتمسكون بالعزيمة فيسعى هؤلاء لفرض رأيهم، وقد لا يتورع بعضهم عن قذف غيرهم بسهم التمحّك بالرخص لضعفٍ في دينهم، كأن أحدهم شقّ عن قلب غيره واطلع على ما يكنّه من نوايا!!،فمن الناس من بطبعه يميل إلى التشدد، وهم أصناف فمنهم من جبلته هكذا، ومنهم من يأخذ بالأحوط من باب الحرص،

وهناك من يشعر بالتميّز والتفوق على أقرانه وغيره من المسلمين، فهو في تشبثه ومعايبة الآخر إنما يدافع وينافح في الجوهر عن امتيازٍ يظنّ أنه يخصّه ويرفع من شأنه بنظر من حوله فلا يسمع أو يحاور لئلا تمسّ قداسة آرائه أو مواقفه التي تؤهله بنظره لأن يشار إليه بالبنان أنه من الملتزمين حرفيا بقواعد وضوابط الأحكام.

وفي المقابل، هناك من يتعمّد تتبع الرخص في كل مناحي الحياة إرضاءً لأهوائه، فتراه عن قصدٍ أو جهل يتجرأ على اجتزاء قواعد الفقه لتتطابق مع مصالحه ونزواته، فمثلاً، اعتدنا أن نسمع الناس تردد(الضرورات تبيح المحظورات) وهو قول مجتزأ ومخل ومربك للمعنى قد يؤدي لكوارث كما حصل في القروض الربوية التي عمّت بها البلوى، والصواب أن نصّ القاعدة( الضرورات تبيح المحظورات والضرورة تقدر بقدرها ما لم يكن لها بدل)، فانظر الفرق فهو واضح المعنى والأثر المترتب عليه.

أعود لمسألة الجمع موضحا أن الشرع يراعي طاقة النفس فالرخصة من صميم الدين واحياء لسنّة شرّعها رسول الرحمة الذي صحّ عنه كما عند ابن عباس من حديث مسلم،أنه جمع خمسة عشر يوماً في غير سفرٍ ولا مطر، فلما سئل الراوي وهو حبر الأمة وترجمان القرآن عن سبب الجمع أجاب أن النبي أراد أن يعلم أمّته الرحمة، أي اليسر والتيسير والسعة، نعم هناك ضوابط حددها فقهاء المذاهب بعدما أمعنوا عقولهم ما وسعتهم أذهانهم في فهم مقصد الشارع، فمنهم من اشترط شدة المطر فيصعب معه الذهاب الى المسجد، ومنهم من اشترط هطوله لحظة، نعم لحظة الإحرام أو التلبس بنية الجمع!،

ومنهم من حدد شروطاً تفرغ الرخصة من مضمونها، بل جاء من يقول أن الجمع إن توفرت كافة شروطه فجائز في العشاء مع المغرب دون العصر مع الظهر وهذا خلاف فعل النبي عليه أفضل صلاة وأزكى سلام، فلا معنى لهكذا مسلك سوى الرغبة في بسط استبداد الرأي على الغير، إذ معلوم من قواعد الشرع أن المشقة تجلب التيسير، ثمّ كم يوماً في السنة تسخو السماء بالماء في ظل ما أحاق بالبيئة من كوارث تلوث، وأيضا شحّ النفوس بالزكاة الذي يمنع القطر، بالكاد بعدد أيام أسبوع أو اثنين في أحسن الأحوال على مدار العام، ومعلوم من الدين بالضرورة أن الزكاة من الأركان أما الجمع فمن فروع الفقه،

فالزكاة أشقُّ على النفس من الصلاة بمراحل يدركها من فقه ألف باء طبيعة شح النفس البشرية وتشنجها لحظة انفاقها المال أعز ما تملك للأسف، ولله درّ الإمام أبي حنيفة النعمان الذي كان له الفضل بتأسيس علم القياس العقلي في استنباط الأحكام حتى غدا أحد المصادر المعتبرة في التشريع، فاللعلم تجب الزكاة في الذهب والفضة اضافة للزروع والبهائم ولا تجب بموجب نص في الكتاب أو السنة في المال النقدي السائل، حتى جاء هذا العالم الرباني فقال ( أو ما يقوم مقامهما) أي مقام الذهب والفضة، فتلقت الأمة قوله بالقبول وغدت الزكاة واجبة في الأوراق المالية بكلّ أنواعها،…

فما الذي يمنع الجمع في الأنواء والأجواء العاصفة بردا وزوابع رياح عاتية تصفع الوجه والظهر والبطن فترتعش الأطراف؟،فالقياس هنا على المطر له مسوّغ عقلي لأن علّة المشقة قائمة، والقاعدة الفقهية تقول أن (الحكم يدور مع العلة وجوبا وعدما ما لم تفد العلة حكما مطلقا).

واضح أن طبيعة النفس وآلية فهم النصوص والأحكام وتقليد العلماء تؤثر أـيّما تأثير في زاوية الرؤية للأمور، وأظنّ أنّ التشدد يستطيعه كلّ أحدٍ إنما استنباط الرخصة هو الذي يحتاج إلى دقة فهم وسعة نفس، فما المانع أن يشعر عوام الناس كم في الدين من سعة ويسر وسماحة؟،

فهذا أدعى لأن يترك انطباعا رائعا في نفوسهم إذ لا يخفى طوفان الفتن التى تحيط وتحدق في الإنسان في هذا الزمان الصعب، فلا بأس من اظهار صورة اليسر بدل العسر والرفق بدل الشدة، فمن قرأ عن وعي وبصيرة أدرك كيف يؤثر المكان والزمان في طبيعة الفتوى في المسائل الفقهية دون العقائدية، وليس أدل على ذلك من اختلاف بعض فتاوي الإمام الشافعي بعد انتقاله من العراق الى مصر.

بل إن المتأخرين من فقهاء الشافعية أجازوا الجمع بين الصلوات لمن له عذر خاص في أي وقت شرط أن لا يتخذها عادة، وكذا الجمع في السفر لم يقيدوه بسقف زمني محدد طالما نية السفر قائمة بعكس من حدد له وقتا معينا قياسا على المسح على الخفين، وبعض العلماء المحققين المتبصرين اعتبروا أن العادة والعرف المجتمعي يؤثر في الحكم الشرعي، فمثلاً من حلف أن لا يأكل لحما فأكل سمكاً فإنه لا يحنث بيمينه لأن اللحم إذا أطلق لم يراد به السمك انما لحم الطير والحيوان، مع أن السمك لحم بالطبع.

ولم تكن المشاعر والعواطف الآدمية بمنأى عن التشدد بل ارتقى الى تزمت عند البعض،فقد ورد حديث نبوي شريف فحواه (من عشق فعف فكتم فمات مات شهيدا)، فنفاه البعض جملة وتفصيلا، والبعض هدد متوعدا من يأتي على ذكره لأنه لم يرد في الصحيحين، مع أن هناك من انتصر له وصححه سندا ومتنا، لكن الأهم صحة وجمال معناه فهو حثٌ على فضيلة جمر الطهر التي بها تزكو النفوس وتسمو نحو العلا فوق العلا .

يبقى القول أن ما سطرته عبر قراءتي هذه يحتمل الخطأ والصواب، لكن تلك هي خلاصة أو عصارة غدة الدماغ الصنوبرية المختصة بتوقد طاقة العقل، المتحصلة على مدار ردح من حياتي، اجتهدت ها هنا أن يعبق جوّ النص برائحة نعناع وريحان الرحمة، فهنيئاً لمن أخذ بالعزيمة دون أن يستطيل على غيره وتختال نفسه، ولا بأس ولا حرج بل هنيئاً أيضاً لمن عمل بالرخصة احياءً لسنّة المصطفى صاحب أطهر قلبٍ في الوجود.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
احمد دلول
كاتب وباحث سياسي

2 Replies to “في النفس البشرية جنة ونار

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.