سياسة مختارات مقالات

أنا والقنوات الفضائية

وليد عبد الحي يكتب:

أنا والقنوات الفضائية

أعلم جيدا أهمية ودور الاعلام، وأعلم ضرورة أن يستمع المتلقي لأكثر من رأي في القضية الواحدة، لكني ومن خلال تعاملي مع الكثير من الفضائيات العربية (في مصر او قطر او الامارات او سوريا او لبنان او الجزائر او الاردن او ليبيا أو تونس او لندن وغيرها) لاحظت ما يلي:

1- استغلال الضعف البشري للانجذاب نحو الشهرة، وفي البدايات دغدغني هذا الشعور وتوهمت بظهوري في البداية أنني احرك عجلة التاريخ، ورغم أنني كنت اقول قناعتي دون أن اتنبه الى البعد الخفي في أجندات كل فضائية، وتنبهت لذلك بعد أن قمت بتحليل مضمون برامج قناة فضائية عربية مشهورة، فقد حللت آلاف الاخبار والصورة والزمان والشخصيات وتبين لي ان الموضوعات يغلب عليها نمطا معينا لا يتفق مع وجهة نظري، لكنه يخدم الفضائية بطريقة لا اتنبه لها.

2- بعض الفضائيات تدفع لك مبلغا ماليا (وبعضها يعدك ولا يعطي) عن الحلقة التي تظهر فيها بخاصة اذا كان البرنامج حواريا، وهكذا تصبح بين خيارين: اما ان تفقد المال والشهرة أو تجاري الخط السياسي للفضائية، وقد تقول لكني قلت رأيا مخالفا لهذا الخط، والحقيقة هي ان الصورة يتم رسمها بوجودك، فانت لا تحدد محاور النقاش بل انت جزء منه، فمثلا عندما يتم التركيز في فضائية معينة على التنوعات المذهبية او العرقية او الدينة او القومية او القبلية فالأمر هنا ليس موقفك الرافض بل تكريس الفكرة بغض النظر عن رأيك، فما معنى مثلا ان فضائية عربية مشهورة كرست 44.7% من برامجها للتنوعات الاثنية في المجتمع العربي؟ وهنا أتذكر مقالة للأديب المرحوم غسان كنفاني حول حوار في التلفزيون القبرصي بين طلاب عرب وطلاب اسرائيليين، وكانت حجة الطلاب العرب هي الاقوى، وخرجت الصحف القبرصية والاسرائيلية في اليوم التالي تقول: ان الفكرة الاهم هي في “الجلوس معا” للحوار .

3- التصيد: في كثير من الاحيان لا يجد الاعلامي زبائن لبرنامجه (لاسباب كثيرة)، فيبدأ البحث عن أي ضيف، ويبدأ يهبط بالمستوى لا لأنه يريد ولكن لأن المطلوبين اعتذروا، وهنا تكون فرصة الباحثين عن الشهرة والنجومية المعتلة.

4- الاسفاف في الحوار لاسيما عندما يصل الامر الى شخصنة الامور والسب والشتم وقلب الكراسي والمناضد واشهار السلاح … لقد راينا على الشاشات شتائم ورشقا بالماء وضربا وأحذية.

5- وراء كل فضائية “مالا وأجندة سياسية”.. وأنا لا اريد مالا واضع أجندتي لنفسي، واحب ان أكون في الخلف لأن ذلك يسمح لي بمدى أو سع للرؤيا.

بناء عليه، ورغم الدعوات الكثيرة التي تأتيني بخاصة في الفترة الاخيرة (وقد يبدو في هذا الزعم قدر من النرجسية).. فقد قررت طلاق الشاشات طلاقا بائنا بينونة كبرى….أما ان تنقل الشاشات محاضرة لي هنا او هناك فهذا شأن آخر لا علاقة لي به.. هل قراري صائب؟ .. ربما.

 

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
وليد عبد الحي
الأستاذ الدكتور وليد عبد الحي؛ مفكر وباحث وخبير في الدراسات المستقبلية مستشار للمجلس الأعلى للإعلام لشؤون البحث العلمي وأستاذ العلاقات الدولية ورئيس قسم العلوم السياسية في جامعة اليرموك الأردنية منذ عام 1994م، وشغل في الفترة 1982-1994 محاضراً في جامعة الجزائر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.