سياسة مختارات

الخرائط والتكنولوجيا والممارسات المكانية لإنهاء الاستعمار في فلسطين

الخرائط والتكنولوجيا والممارسات المكانية لإنهاء الاستعمار في فلسطين

بقلم/ زينة الاغا

نظرة عامة

تُستَخدم ممارسة رسم الخرائط منذ زمن بعيد في فلسطين/إسرائيل كأداةٍ لبسط النفوذ وفرض الإمبريالية ونزع ملكيات السكان الأصليين، حيث دأبَ رسامو الخرائط الصهاينة (ولاحقاً الإسرائيليون)، منذ زمن الانتداب وحتى وقتنا الحاضر، على تسخير الخرائط لطمس المعالم المادية والجغرافية والاجتماعية الشاهدة على ارتباط الفلسطينيين بأرضهم وحيازتهم لها.

ومع ابتكار نظام التموضع العالمي (GPS) ونُظم المعلومات الجغرافية (GIS)، وازدياد عدد أقمار الاستشعار عن بُعد في العقود القليلة الماضية، صار بالإمكان وضع خرائط دقيقة وشاملة لأرض فلسطين التاريخية. غير أن ناشري صور الأقمار الصناعية، مثل جوجل، ماضون في تقويض وجود فلسطين بنشر صور متدنية الوضوح أو باقتراح مسارات غير صحيحة للفلسطينيين، أو بتسمية الأماكن بتسميات غير صحيحة و/أو عبرية أو بترك المناطق التي يقطنها الفلسطينيون فارغة، كأرض مباحة.

تتناول هذه الورقة السياساتية إقصاء الفلسطينيين من الخرائط المرسومة لأرضهم منذ بداية الانتداب البريطاني وحتى يومنا الحالي، حيث ترى الكاتبة أن الخرائط غير الدقيقة للمناطق تشوه فهم الفلسطينيين للحيز المكاني وتسلخهم عن موطنهم، وتتطرق إلى الخرائط البديلة والخرائط المضادة كوسيلة للاعتراف بالماضي وتقييم الحاضر وتخيل المستقبل. وتخلُص إلى أن الخرائط – رغم ارتباطها الوثيق بالاستعمارين البريطاني والإسرائيلي واستخدامها المستمر كأداة لمحو الوجود – يمكن تسخيرها للتعبير عن المخيلة الجغرافية وكأداة مقاومة.

رسم الخرائط الاستعمارية

بالرغم من أن الخرائط الحديثة تدَّعي الدقة الحسابية، إلا أنها ببساطة لا تعكس الواقع. فهي تفرض تصورًا معينًا للأرض التي نعيش عليها، حيث الخطوط المرسومة على الخرائط تفصل بين البلدان وبينها وبين المحيطات، بينما تمثل المناطق الواقعة بين الخطوط كياناتٍ اجتماعيةً سياسية ذات سيادة مكانية وتُسمى الدول القومية. وهذه الدول القومية مقبولة في النظام العالمي ككيانات ثابتة بالرغم من عملية تشكُّل الدول وتفككها في أماكن كفلسطين والسودان والتبت. تَظهر الدول القومية على الخرائط الحديثة التي تعرض سطح الكرة الأرضية ثلاثي الأبعاد على مسطح ثنائي الأبعاد كمعالم قَطعيةٍ وموضوعية وبديهية للواقع السياسي – وهي واجهة كاذبة يعززها المستخدمون الذين يتفاعلون مع الخرائط السياسية على أنها وصفٌ مُصغَّر ومُطابق تمامًا للحيز المادي.

تعرّضت الإسقاطات الخرائطية للكرة الأرضية لانتقادات في العقود القليلة الماضية، ولا سيما إسقاط مركاتور الإسطواني واسع الانتشار، لأنها تجعل القارة الأوروبية مركزًا لها. فخرائط العالم تضع النصف الشمالي من الكرة الأرضية في الأعلى بحيث تحتل القارة الأروبية منتصف الخريطة. وإسقاط مركاتور، على وجه الخصوص، يشوه الحجم النسبي للقارات إذ يُقزِّم قارتي أفريقيا وأمريكا الجنوبية، ويُضخِّم أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا وغرينلاند.

لا تزال خرائط العالم اليوم إلى حدٍ كبير تمثل مشاريع استعمارية وقومية تعكس نزعةً غربية بامتياز للاستيلاء على الأرض والسيطرة عليها. فسرعان ما تحولت الخرائط المعدَّة لغايات الملاحة إلى وسيلة لتقسيم الكرة الأرضية ومقدراتها تقسيمًا مصطنعًا فيما بين القوى الاستعمارية، لأن ممارسة السيطرة ومن ثم ترسيخها واستدامتها لا تتسنى إلا باحتواء التنوع في مناطق منفردة ذات حدود. وبحسب بول كارتر، فإن الخرائط كانت تعبِّر عن “النوايا الإمبريالية لتقسيم وتصنيف سطح الكوكب بُغية احتلال أراضيه والسيطرة على موارده”. 

يتفق هذا الطرح وخرائط الشرق الأوسط الحديثة التي رسمتها بُعيد الحرب العالمية الأولى القوى الإمبرياليةُ الفرنسية والبريطانية، وتجسدت في اتفاقية سايكس بيكو في 1917 ومؤتمر سان ريمو في 1920. فقد حولت الخرائط الجديدة التي وضعها الأوروبيون المنطقةَ التي كانت تضم وحدات إدارية عثمانية مائعة الحدود إلى مجموعة مفككة من الأراضي المفصولة بخطوط مستقيمة انبثقت منها محميات العراق وإمارة شرق الأردن وفلسطين ولبنان وسوريا. ووليَّ على هذه الدول ملوكٌ بقرارٍ إمبريالي، ووُضعت تحت نظام انتداب أبوي.

الخرائط الاستعمارية البريطانية لفلسطين زمن الانتداب

يقول إدوارد سعيد في كتابه الثقافة والإمبريالية إن “الصراع حول الجغرافيا… ليس صراعًا حول العسكر والمدافع وحسب بل هو أيضًا صراع حول الافكار، والأشكال، والصور، والمتصورات.” وفي هذا السياق، شهدَ النصف الثاني من القرن التاسع عشر طفرةً في حملات الاستشراق الاستشكافيةِ الأوروبية القاصدةِ فلسطين لإجراء دراسات ومسوحات تاريخية ولغوية وجغرافية وأثرية، ولا سيما في المناطق ذات الأهمية التوراتية والدينية. وعلى النقيض من الخرائط الدينية التي تعود إلى القرون الوسطى ومطلع العصر الحديث والتي كانت تحتوي عادةً على مخلوقات أسطورية وأسماء أماكن توراتية، فإن المستكشفين الأوروبيين الحديثين الذين تحوَّلوا إلى رسامي خرائط، ادعوا الواقعية والدقة في خرائطهم بناءً على الطُرق”العلمية” المتبعة في إعدادها.

الشكل (1): خطة التقسيم بحسب لجنة بيل، 1937

 

ومع أن الانتداب البريطاني في فلسطين أصبح نافذًا بالكامل في 1922، إلا أن الحكومة البريطانية كانت تُعد العُدة للسيطرة على فلسطين قبل ذلك بعقود. ففي الفترة ما بين 1871 و1877، أجرى صندوق استكشاف فلسطين البريطاني مسحًا شاملًا لغرب فلسطين. ورغم أن الحملة كانت بقيادة شخصيات دينية وأكاديمية، إلا أن الحكومة شاركت مشاركةً مباشرةً فيها ويُقال إنها استغلت تلك الجمعيات “كواجهة… لجمع المعلومات الاستخبارية عن المنطقة”. كانت الدراسةُ المسحية التي انبثقت من الحملة الأكثرَ دقة وتعقيدًا من الناحية التقنية حتى ذلك التاريخ، واستُخدمت في التخطيط العسكري إبان الاجتياح البريطاني لفلسطين في الحرب العالمية الأولى. وركَّز نطاق الدراسة على المنطقة الواقعة بين نهر الأردن وبين البحر الأبيض المتوسط، وهي الحدود نفسها تقريبًا لفلسطين تحت الانتداب ولكن بعد خمسين عامًا.

أنتجت القوى الاستعمارية إبان الانتداب البريطاني سلسلةً من المسوحات المفصَّلة لأغراض التخطيط العسكري والسياسي والاجتماعي والاقتصادي. ونادرًا ما تضمنت الخرائط توزيعَ السكان العرب الأصليين الجغرافي في فلسطين ونشاطَهم. وعلى سبيل المثال، كُلِّفت لجنة بيل بإيجاد “حل” عقب ثورة فلسطين 1936-1939، فأوصت لأول مرة بتقسيم فلسطين في 1937 واستخدمت خرائط لتبين الخيارات المختلفة المتاحة لتقسيم اليهود والعرب وتغاضت عن الواقع الديمغرافي على الأرض. (الشكل 1).

كانت اللغة الجغرافية المستخدمة في الخرائط البريطانية تتكون بالكامل تقريبًا من أسماء عربية مكتوبة بحروف لاتينية، ولا سيما الأماكن ذات الأهمية المسيحية. وأضحى المسح الذي أُجري لفلسطين تحت الانتداب البريطاني في أربعينات القرن الماضي الخريطة القانونية لفلسطين التي صورتها كوحدة إدارية واحدة. واستُخدمت فيها آلاف الأسماء العربية1. وأصبح ذلك مصدرًا رئيسيًا للتوتر مع القيادة الصهيونية التي أصرَّت على ذكر أسماء الأماكن بالعبرية (متى ما وُجدت) إلى جانب الأسماء العربية و/أو التسميات الإنجليزية في الوثائق الحكومية الرسمية. وصار محو الأسماء العربية واستبدالها بأسماء عبرية الحجرَ الأساس في السياسة المكانية الصهيونية منذ إعلان قيام دولة إسرائيل في 1948 ولغاية يومنا هذا.

الخرائط الصهيونية الأولى

أخذت الخرائط الصهيونية في الانتشار عقب انعقاد المؤتمر الصهيوني الأول في بازل سنة 1897 وعليا الأولى، أي موجة المهاجرين اليهود الأوروبيين الأولى في الفترة بين 1881 و1903، وكانت الكثير من تلك الخرائط تحوي علامات طوبغرافية ودينية مصممة لإعادة رسم الخريطة على غرار الدولة الصهيونية المقترحة. وعلى وجه الخصوص، استخدمت منظمة كيرين هايسود، ذراع جمع التبرعات للحركة الصهيونية، وكذلك الصندوق القومي اليهودي المكرس لاستملاك الأراضي الفلسطينية وتطويرها لبناء المستوطنات اليهودية، الخرائط للنهوض بالاستعمار الصهيوني في فلسطين.

الشكل (2): خريطة منظمة كيرين هايسود، 1932

يبين الشكل (2) خريطةً تعود إلى سنة 1932 استخدمتها منظمة كيرين هايسود في جمع التبرعات من المجتمع اليهودي الأمريكي. تَظهر على يسار الخريطة إنجازاتُ المنظمة، بينما تَعرض الخريطة ساحلَ البحر الأبيض المتوسط والمنطقة الشمالية باللون الأحمر للدلالة على “الأراضي اليهودية” بحسب التسمية في مفتاح الخريطة. وتُشير إلى القدس بنجمة داوود، وتحصر المناطق الفلسطينية في حفنة من البؤر الحضرية.

وتضرب الخريطة مثالاً جليًا للاستشراق إذ تصور السكان الأصليين بأربعة أشخاص يركبون الجمال في الصحراء. وتُظهر الخريطة أيضًا يهودًا يعملون بجد بمحاذاة المراكز الزراعية والصناعية الجديدة. يوضح هذا التباين ادعاء إيلا شوحط بأن الصهاينة الأوروبيين اعتقدوا بأنهم هم مَن سيصنع التاريخ وأن السكان الأصليين كانوا يشكلون خلفيةً ناشزة.

يعرض الشكل (3) خريطة من خرائط عديدة وضعها الصندوق القومي اليهودي وتُظهر المستوطنات اليهودية الجديدة في الفترة 1936-1940 باللغة العبرية. وقد اختيرت أسماء المستوطنات التي سبقت قيام الدولة وفقًا للمراجع التوراتية/التلمودية أو تخليدًا لشخصيات صهيونية، سعيًا لجعل التاريخ اليهودي التوراتي جزءًا أساسيًا من جغرافية التوسع الصهيوني الحديث. وفي هذه الخريطة، تشبه أنماط المستوطنات في المناطق الساحلية والشمالية الأنماطَ الواردة في الشكل (2)، وبالكاد تظهر أي مناطق فلسطينية. أمّا المراكز التجارية والزراعية الفلسطينية المزدهرة فيما بات اليوم يُعرف بالضفة الغربية، لم تُظهرها الخريطة باستثناء القدس وطريق القدس-أريحا كدليل على وجود حياة.

الشكل (3): خريطة الصندوق القومي اليهودي، 1940~

 

عزَّز محو السكان الفلسطينيين الأصليين من الأرض المقولةَ الصهيونية المشهورة بأن فلسطين “أرضٌ بلا شعب لشعبٍ بلا أرض”.  وكانت هذه بالطبع مغالطة. فقد بلغ عدد سكان فلسطين مع نهاية القرن التاسع عشر 600,000 نسمة، وكانت فلسطين نشطة زراعيًا واقتصاديًا وسياسيًا.

رسم الخريطة العبرية 

في أعقاب نكبة 1948 ومع ضياع فلسطين وتهجير 750,000 فلسطيني من ديارهم، انبرت دولة إسرائيل الوليدة إلى استخدام العبرية بدلًا من العربية في الخريطة القومية كوسيلة من وسائل بناء الدولة الصهيونية. فاستُخدمت أسماءُ عبريةٌ لوصف كافة المعالم الجغرافية لكي يلتحم التاريخ اليهودي التوراتي بالسيطرة على الأرض. وكان الهدف الأسمى يتمثل في جعل العبرية اللغةَ الوحيدة التي يمكن بها فهم التضاريس والمشهد الجغرافي، وبذلك محو تاريخ السكان الأصليين وتجاربهم.

لقد أدرك ديفيد بن غوريون، أول رئيس وزراء لإسرائيل، أن أسماء الأماكن ليست اختيارًا لغويًا وحسب وإنما تعبيرٌ عن علاقات القوة والنفوذ، ولذلك شكَّل لجنةً في تموز/يوليو 1949 لإطلاق أسماء عبرية على كل الأماكن في منطقة النقب بجبالها ووديانها وينابيعها وممراتها وما شابه. وفي غضون ثمانية أشهر تحوَّلت منطقة بئر السبع في الجنوب إلى “النقب”، وتتوجت تلك الجهود بصدور خريطةٍ عبرية لتلك المنطقة في آب/أغسطس 1950. وتسنى إنجاز ذلك بجمع أسماء الأماكن من الخرائط الاستعمارية البريطانية، وترجمة الأسماء العربية المستخدمة، وتأصيل تلك الأسماء في سياقات توراتية/دينية وتاريخية لإضفاء المصداقية عليها.

كانت عبرنة منطقة بئر السبع بمثابة اختبار أساسي لتوطيد السيادة الإسرائيلية على الأرض المستولى عليها حديثًا. وقد أثنى بن غوريون على اللجنة بقوله: 

“لقد طهرتم نصف أرض إسرائيل من عار اللغة الغريبة، وأكملتم ما بدأه الجيش الإسرائيلي، وهو تحرير النقب من الحكم الغريب. وآمل بأن تواصلوا عملكم لتحرير منطقة أرض إسرائيل بأكملها من حكم اللغة الغريبة”. 

أصبحت عبرنة أسماء الأماكن لاحقًا مشروعًا قوميًا ترعاه الدولة، حيث أُنشئت لجنة التسميات الحكومية في آذار/مارس 1951 لتسمية الأماكن ذات الأسماء العربية بأسماء عبرية، واختيار أسماء جديدة للأماكن المنشأة حديثًا. وبعد عقد من الزمن على قيام الدولة، كانت اللجنة قد أطلقت نحو 3000 اسم جديد تزامنًا مع إزالة أسماء القرى الفلسطينية من الفهرس الإسرائيلي الرسمي. وقد جاء في تقرير اللجنة لعام 1958: “طالما أن الأسماء لا تظهر في الخرائط، فإن أصحابها لن يحوزوا دلالاتها في الواقع”.

وفي الوقت نفسه، رسَّخ بن غوريون واللجنة أسماءَ الأماكن العبرية في المؤسسات والوكالات والمنظمات الرسمية وغير الرسمية، حيث صدرت الأوامر للجيش الإسرائيلي باستخدام الأسماء الجديدة وتعميمها، ولوزارة التعليم بأن تؤكد حضور الأسماء العبرية وتحذفَ الأسماء العربية في المدارس. وجرى تعميم الأسماء العبرية أيضًا وترويجها عبر هيئات حكومية متنوعة مثل مديرية الأشغال العامة، وعبر وسائل الإعلام كذلك.

تُظهر عبرنة الخرائط موقفًا متناقضًا إزاء اللغة العربية، حيث اتُهمت بأنها لغةٌ غريبة وأجنبية، وفي الوقت نفسه كانت علامة المصداقية والأصالة التي لا جدال فيها. امتلك الفلسطينيون علاقةً ومعرفةً وثيقة بالأرض وتضاريسها لأنهم عاشوا عليها طوال قرون. ومن هنا جاء الافتراض بأن أسماء الأماكن العربية المعاصرة قد حافظت على مسميات العصور التوراتية القديمة وتقاليدها. وبالنسبة إلى اللجنة، كانت الأسماء العربية المعاصرة دليلًا من الماضي، وعاملًا مؤثرًا في طريقة اختيار الأسماء العبرية. فقامت اللجنة إمّا بترجمة معاني الأسماء العربية إلى العبرية مباشرة وإمّا بالاستيلاء عليها وتصريفها تصريفًا عبريًا إنْ كانت قريبة من العبرية.

لا يزال العمل مستمرًا على الخريطة العبرية وراء الخط الأخضر (خط الهدنة المرسوم في 1949) وفي القدس الشرقية والضفة الغربية وقطاع غزة والجولان السوري المحتل. وبالرغم من أن المستوطنات تنتهك المادة 49 من اتفاقية جنيف الرابعة، إلا أن لجنة التسميات الحكومية أطلقت مسميات على المستوطنات اليهودية غير القانونية منذ 1967 لضمان التوحيد اللغوي على جانبي الخط الأخضر. وهذا يوضح استمرارية مشروع بناء الدولة الإسرائيلية التي سعت منذ تأسيسها إلى السيطرة على أكبر قدرٍ ممكن من الأرض بأقل عددٍ ممكن من الفلسطينيين.

غدت خريطة الضفة الغربية اليوم رقعةً مرقّعةً بالتسميات السياسية والعسكرية وفقاً للمناطق المحددة بموجب اتفاقات أسلو (أ) و(ب) و(ج). وغالبًا ما تتراكب هذه التسميات على المستوطنات غير القانونية والمناطق الفلسطينية المبنية بالإضافة إلى نقاط التفتيش والحواجز. أما الخرائط التي تُعدّها هيئات المراقبة مثل مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية فهي متعددة الطبقات ومعقدة وغالبًا ما يعجز الإنسان العادي عن قراءتها.

والأهم من ذلك أن أي خريطة للأرض الفلسطينية المحتلة تصبح متقادمة حالما تصدر لأن المستوطنات اليهودية الإسرائيلية تتزايد، والأراضي الفلسطينية تتضاءل، والحواجز تتوسع أو تُزال أو تتغير أماكنها. وفي حين خرائط المنطقة الداخلة في الخط الأخضر تصور إسرائيل في العادة كوحدة جغرافية ثابتة ومتجانسة، فإن خرائط ما وراء الخط تصور واقعًا جغرافيًا غير مستقر أو مكتمل حيث تواصل إسرائيل التلاعب بالأرض والسيطرة عليها وضمها.

وهكذا، فإن الخريطة العبرية كانت وما تزال ممارسةً من ممارسات تشكيل الدولة، وهي وثيقة شاهدة على الاستعمار الصهيوني الذي تتجلى آيديولوجيته في الممارسات المكانية للدولة الإسرائيلية. وهذا ما يعنيه رسام الخرائط الفلسطيني سلمان أبو ستة بقوله إن الفلسطينيين قد مُسحوا عن الخريطة.

التكنولوجيا: الفرصة المهدورة

غيَّر التقدم التكنولوجي في العقدين الماضيين طريقةَ الإنسان في التفاعل مع المكان تغييرًا جذريًا، حيث صار بمقدور العموم منذ إطلاق القمر الصناعي إيكونوس في 1999 أن يحصلوا على صور دقيقة لكوكب الأرض بعد أن كانت في السابق حكرًا على الحكومات. وآذن الانتشار السريع لصور الأقمار الصناعية، المفتوحة المصدر والتجارية، من شركات مثل جوجل إيرث وديجيتال غلوب وورلد فيو وبلانيت ببدء حقبة جديدة.

تُستَخدم البيانات الجغرافية المكانية عالية الوضوح في جهود المناصرة والمساءلة وإجراء التحليل في إطار قضايا مختلفة تضم، على سبيل المثال لا الحصر، تتبعَ أنماط التدهور المناخي ومراقبة اتجاهات الفقر والصراعات العالمية وتيسير مهام الإغاثة من الكوارث والحفاظ على الإرث الثقافي. وثمة منظمات، كمنظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش ووسائل إعلامية، تستخدم البيانات الجغرافية المكانية كشاهد على الانتهاكات الدولية لحقوق الإنسان ولتقييم مدى فداحتها.

الخريطة العبرية كانت، وما تزال، ممارسةً من ممارسات تشكيل الدولة، وهي وثيقةٌ شاهدةٌ على الاستعمار الصهيوني الذي تتجلى آيديولوجيته في الممارسات المكانية للدولة الإسرائيلية

تُعد صور الأقمار الصناعية في معظم الأحيان موضوعيةً ودقيقة وموثوقة – ولهذا فإنها عمومًا محيَّدةٌ سياسيًا وقلما يُحتجُّ عليها. ومع ذلك، فإن صور الأقمار الصناعية واستخداماتها، كما في حال الخرائط المطبوعة، تظل عُرضةً للتحيزات الاجتماعية والسياسية لدى رسامي الخرائط التي يمكن أن تعوقَ القدرةَ الكامنة في تلك الصور على إحداث تأثير إيجابي. ويتجلى ذلك بوجه خاص في حالة جوجل وعلاقتها الشائكة بفلسطين.

أطلق المركز العربي لتطوير الإعلام الاجتماعي (حملة) تقريرًا في 2018 قال فيه إن خرائط جوجل تخدم مصالح الحكومة الإسرائيلية بتسهيل مساعيها الرامية إلى تحجيم مسؤولياتها تجاه السكان المحتلين بموجب أُطر عمل حقوق الإنسان الدولية. ويُبين التقرير بأن مسارات الطرق في خرائط جوجل مصممةٌ حصرًا للإسرائيليين والمستوطنين غير القانونيين ويمكن أن تكون خطرة على الفلسطينيين، حيث إن البرمجية المستخدمة تختار الطُرق الأنسب تلقائيًا على افتراض أن المستخدم يحمل هويةً إسرائيلية ويستطيع استخدام الطرق المسموحة للإسرائيليين فقط، وتتجاهل مئات نقاط التفتيش والحواجز والإغلاقات التي تُحدّ من حرية الفلسطينيين في الحركة.

التسميات المستخدمة مسألةٌ خلافية أيضًا. فعلى الرغم من أن إسرائيل لم تُعلن حدودها قط، إلا أن جوجل أعطتها اسمًا وحدودًا كما لو كانت أرضًا غير متنازعٍ عليها، واعتبرت القدس عاصمتها، متجاهلةً وضعها المعترف به دوليًا. وفي الوقت ذاته، تُهمَّش العديد من المناطق الفلسطينية أو تُمحى برمتها، كما مُحيت القرى البدوية التي لا تعترف بها الدولة الإسرائيلية، والقرى الفلسطينية داخل المنطقة (ج) من الضفة الغربية الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية. والأهم من ذلك أن الضفة الغربية وقطاع غزة (باستثناء المستوطنات الإسرائيلية غير القانونية) لا تظهران كجزء من أي بلد أو دولة لأن فلسطين غير مصنفة كدولة. وفي 2016، تعرضت جوجل إلى انتقادات لاذعة بسبب خلل تقني محا الضفة الغربية وقطاع غزة من خرائطها، وتداعى المحتجون في عريضة دعت الشركة إلى إعادة فلسطين على خرائطها، وجمعت ما يزيد على 615,000 توقيع.

ينسحب تركيز جوجل في خرائطها على المناطق الإسرائيلية، غير القانونية وسواها، على خدمة “ستريت فيو” (التجول الافتراضي)، حيث تغطي هذه الخدمة معظم إسرائيل ومستوطناتها غير القانونية وكذلك المدينة القديمة في القدس التي تحتلها إسرائيل. وفي المقابل، لا تتسنى رؤية فلسطين عبر هذه الخدمة باستثناء أريحا وبيت لحم ورام الله وبعض الأماكن في قطاع غزة.

وعلاوة على ذلك وكنتيجة مباشرة لسياسة الحكومة الأمريكية، فإن خدمة جوجل إيرث مُلزمةٌ بموجب القانون بتقييد الوصول إلى الصور الملتقطة لفلسطين/إسرائيل. ففي 1997، أقرَّ مجلس النواب الأمريكي تشريعًا أعده الحزبان الديمقراطي والجمهوري يحدُّ من دقة صور الأقمار الصناعية الملتقطة لفلسطين/إسرائيل والمتاحة للعامة من خلال المنصات التي تبث من داخل الولايات المتحدة مثل جوجل إيرث وبينغ مابس. يُسمى القانون قانون كايل-بينجامان المعدِّل لقانون تفويض الدفاع القومي الأمريكي وهو يحظر إتاحة صور الأقمار الصناعية الملتقطة لفلسطين/إسرائيل بدقة وضوح عالية من خلال منع مشغلي الأقمار الصناعية وتجار التجزئة في هذا المجال داخل الولايات المتحدة من بيع أو نشر صورٍ فلسطين/إسرائيل بدرجة وضوح أعلى من تلك الصور المتوفرة في الأسواق خارج الولايات المتحدة. ومع أن قانون كايل-بينجامان يسري على الشركات الأمريكية فقط، إلا أن هيمنتها على سوق صور الأقمار الصناعية جعلت هذا القانون، حتى عهدٍ قريب، يسري فعليًا على مستوى العالم، الأمر الذي أعاق قدرة الحملات والمنظمات الرقابية والباحثين حول العالم على الحصول على الصور.

وبالرغم من أن قانون كايل-بينجامان جاء بذريعة حماية أمن إسرائيل القومي، إلا أن من الأدق وصفه كقانون رقابة لأنه يقيِّد دقة الصور الملتقطة لفلسطين/إسرائيل بدقة تبلغ مترين للبيكسل الواحد. وكما يوضِّح فرادلي وزيربيني، فإن هذا القانون يعوق عمل علماء الآثار والبيئيين والجغرافيين والعاملين في المجال الإنساني لأنه يتعمد تضبيب صور الأقمار الصناعية الملتقطة لفلسطين/إسرائيل. بل إن تدني دقة صور الأقمار الصناعية يعرقل جهود العمل الإنساني المبذولة في توثيق انتهاكات حقوق الإنسان مثل استيلاء إسرائيل على الأرض، وهدم البيوت، والنشاط الاستيطاني، ويُضعِف المطالبات الفلسطينية بالأرض. وتعرقل كذلك تقييم الأضرار في المناطق المكتظة التي يصعب الوصول إليها مثل قطاع غزة، وفي الآونة الأخيرة إبان مسيرة العودة الكبرى التي انطلقت في آذار/مارس 2018.

تحدى الفلسطينيون هذه الرقابة بجهودهم الذاتية بالتقاط الصور الجوية بأنفسهم بدقة وضوح أعلى من الصور التي توفرها جوجل، مستخدمين أساليب عديدة مثل تعليق الكاميرات الرقمية بالطائرات الورقية أو البالونات. وقد استُخدمت هذه الطريقة في توثيق إنشاء طريق سريع بستة مسارب يقطع حي بيت صفافا الفلسطيني في القدس، وتوثيق تداعياته على السكان المحليين.

إن التشريعات المُضرة مثل قانون كايل-بينجامان، وتواطؤ شركات التكنولوجيا في تعزيز السيطرة المكانية الإسرائيلية على حساب الفلسطينين تُمثّل فرصةً مهدورة لاستخدام التقدم التكنولوجي في رسم الخرائط بطريقة ديمقراطية تشاركية. وقد أفضى هذا القانون والتواطؤ إلى نشوء آليةٍ رقابية متغلغلة.

الخرائط المضادة والمناهِضة للاستعمار

إن إنهاءَ الاستعمار على الخريطة عمليةٌ تنطوي على الاعتراف بتجربة المستعمَرين (الفلسطينيين) من ناحية، وعلى توثيق النُظم والبِنى الاستعمارية وفضحها (التوسع الصهيوني) من ناحية أخرى.

يتطلب إنهاء الاستعمار ما يسميه ديفيد هارفي “المخيلة الجغرافية” – التي تربط المخيلة الاجتماعية بالوعي المادي المكاني. يتمسك الفلسطينيون منذ 1948 بذكرى المنازل المهدمة والقرى المدمرة من خلال وضع الأطالس والخرائط وكتابة المذكرات والأعمال الفنية وتأليف الكتب وسرد التاريخ الشفوي وإنشاء المواقع الإلكترونية. إن حق اللاجئين والنازحين الفلسطينيين في العودة ليس حلًا سياسيًا وحسب وإنما الخطوة الأولى في عملية إنهاء الاستعمار. فالعودة، باعتبارها نقيض المنفى، تثير أسئلةً حاسمة ووجيهة من قبيل: كيف ستكون العودة؟ ماذا نبني وأين؟ مَن سيبني ماذا؟ 

يُمثِّل تواطؤ شركات التكنولوجيا في تعزيز السيطرة المكانية الإسرائيلية فرصةً مهدورة لاستخدام التقدم التكنولوجي في رسم الخرائط بطريقة ديمقراطية وتشاركية

على الرغم من الانتقادات المعقولة الموجهة للخرائط المضادة بأنها تُعيد إنتاج الممارسات المكانية والمناطقية الإقصائية الحالية وتستخدمها، إلا أن الجهود المستمرة في رسم الخرائط المضادة توضح كيف أن الفلسطينيين وحلفائهم يعكفون على إنشاء مدرسةٍ في رسم الخرائط تخلو من الاستعمار وتتجاوز تأكيدَ أو إعادة تأكيد خطوط الخرائط الحالية. فتنبري تلك الجهود إلى ترجمة الذكريات الشخصية والجمعية باللغة المكانية ومن ثم إدراجها في إطار قانوني وسياسي. وفي هذا الصدد، وثَّق وليد الخالدي في مجلده الصادر في 1992 بعنوان “كل ما تبقى” القرى الفلسطينية المدمرة بالصور والمعلومات الديمغرافية. وعلى نحو مشابه، وضع سلمان أبو ستة، مؤسس هيئة أرض فلسطين، خطةً شاملة للعودة باستخدام خرائط تُبين أن الكثير من القرى المدمرة لم تُسكن لغاية تاريخه ويمكن بالتالي أن تستوعب العائدين. ويُعد أطلس فلسطين الذي وضعه أبو ستة في 2010 سِجلا تاريخيًا لفلسطين ما قبل النكبة، ويستند هذا الأطلس إلى طريقة منهجية تستخدم صورًا جوية بمقياس 25,000:1.

يمكن استخدام التكنولوجيا كأداةٍ لوضع تصور ملموس لحق العودة. فالخرائط التاريخية المفصلة والصور عالية الوضوح غير الخاضعة للرقابة تسمح للفلسطينيين بتصنيف بقايا القرى والبلدات المدمرة إبان النكبة وفهرستها. وتقدِّم هذه الصور دليلًا ملموسًا على التعديات الاستعمارية المستمرة على الأرض الفلسطينية، وتتيح للفلسطينيين تصورَ واقع بديل.

تسعى منظمة ذاكرات (زوخروت) الإسرائيلية غير الحكومية إلى رفع مستوى الوعي بالنكبة الفلسطينية في الشارع الإسرائيلي. ومن مشاريعها العديدة مشروع “iNakba” وهو تطبيق تفاعلي للهواتف الذكية طورته المنظمة في 2014، وحمَّله ما يزيد على 40,000 مستخدم على هواتفهم. يحتوي تطبيق iNakba على قائمة تضم أكثر من 600 بلدة وقرية فلسطينية دُمِّرت إبان النكبة، ويحتوي كذلك على صور، ونصوص عربية وعبرية وإنجليزية، وإحداثيات على تطبيق ويز وخرائط جوجل لمساعدة المستخدمين في الوصول إلى تلك المواقع وتمكينهم من إضافة المعلومات بأنفسهم.

تقول مطورة تطبيق iNakba، رنين جريس، إن الهدف من التطبيق هو إحياء التراث الفلسطيني والهوية الفلسطينية، وتأكيد حق العودة: “لقد أعدنا القرية الفلسطينية إلى الخريطة، ونسعى الآن إلى إعادة اللاجيء الفلسطيني… التطبيق مؤثرٌ لأنه تفاعلي… فإذا كنت في مخيم عين الحلوة [في لبنان]، ستصلك آخر أخبار قريتك في فلسطين وأنت هناك. فهذا التطبيق يُعيد قريتك إلى الحياة.”

تعمل منظمة ذاكرات أيضًا على مشاريع أخرى تُعنى بحق العودة. ومنها مشروع خرائط العودة، وهو مشروع بحثي تشاركي انطلق في 2010 ويتصورُ الإمكانيات والمعوقات المكانية التي تواجه حق الفلسطينيين في العودة إلى قرية ميسكة المدمرة الواقعة في قضاء طولكرم. وفي هذا المشروع، وضع المشاركون الفلسطينيون واليهود خريطةً شاملةً بديلة متعددة الطبقات فكَّكت السياسات التمييزية الحالية. واتفقوا على أن الخطوة الأولى هي الاعتراف بالدمار الذي ألحقته النكبة بالفلسطينيين أفرادًا وجماعات.

يمثل إطلاق خرائط فلسطين المفتوحة (مشروعٌ تعاوني بين مؤسسة تصوير فلسطين وستوديو-إكس عمَّان التابع لجامعة كولومبيا) في 2018 أولَ مشروع للخرائط مفتوحة المصدر المستندة إلى الخرائط التاريخية من حقبة الانتداب البريطاني. تحكي هذه الخرائط المفصلة متعددة الطبقات روايات مصورة تبث الحياة في مناطق جغرافية مُغيَّبة ومختفية، وتسمح للمستخدمين بالبحث في المشهد الجغرافي الفلسطيني في فترة ما قبل النكبة. يُنظم مشروع خرائط فلسطين المفتوحة فعاليات “مابثون” التي تتيح للمستخدمين استخراج البيانات من خرائط الانتداب (وهو أسلوب تستخدمه منظمات أخرى مثل منظمة تحالف إعادة البناء الأمريكية غير الحكومية).

وفي الوقت نفسه، يستخدم الفلسطينيون التكنولوجيا لإنشاء خدمات الخرائط المستقلة الخاصة بهم، مثل نظام الملاحة دروب، الذي أُطلق في صيف 2019 والذي يَعتمد على جمهور المستخدمين في الحصول على بيانات إغلاقات الطرق والازدحام، ويسمح للسائقين الفلسطينيين في الأرض الفلسطينية المحتلة بمتابعة حركة السير عند نقاط التفتيش وباختيار الطُرق التي بوسعهم أن يسلكوها.

إن هذه المشاريع وغيرها مثل مشروع خريطة حرب غزة وجمعية دار للتخطيط المعماري والفني ومنظمة “Forensic Architecture” (الهندسة المعمارية العدلية) تُمكِّن الفلسطينيين من معارضة الخطاب المهيمن وتفنيده، وتأكيد رؤية بديلة للتحرير والعودة بلغة المكان والخرائط. وغالبًا ما تتقوى هذه المبادرات بجهود الفلسطينيين من أجل العودة إلى القرى المدمَّرة، كجهود النازحين من أهالي قرى إقرث والولجة والعراقيب الذين عادوا بعد عقودٍ من تهجيرهم رغم المخاطرة بالتعرض لعنف الدولة وهدم منازلهم. وثمة جهود رمزية أخرى مثل مسيرة العودة الكبرى في غزة المستمرة منذ 2018.

مواجهة حُراس الخرائط

لطالما ظلت الخرائط سلاحًا آخر في ترسانة المستعمِر، وأداةً يستخدمها في الاستحواذ على الأراضي والسيطرة عليها وطمس معالمها. إن المعرفة بوضع الخرائط، بحسب رسام الخرائط الإسرائيلي ميرون بنفنستي، يعني القوة والنفوذ، ما يفسر ارتباط هذه المهنة ارتباطًا وثيقًا بالجيش والحرب. وفي حالة فلسطين، دأبت جهود رسامي الخرائط البريطانيين والصهاينة على إزالة الآثار الفلسطينية من المشهد الجغرافي، حتى جاء العقد التالي لسنة 1948 وأحدثَ تحولًا كليًا على الأرض بصدور خريطة عبرية متكاملة تُصادِر مئات السنين من حياة الفلسطينيين وتاريخهم.

يمكن استخدام التكنولوجيا كأداةٍ لوضع تصورٍ ملموس لحق الفلسطينيين في العودة

وبالنسبة إلى اللاجئين الفلسطينيين، الذين لا يملك غالبيتهم القدرةَ على الزيارة ناهيك عن العودة إلى الأرض التي نُفوا هم أو أسلافهم منها، فإن الرقابة تُرسِّخ غُربتهم عن موطنهم وتحصر علاقتهم به في العالم الافتراضي. أما الفلسطينيون الرازحون تحت أحكام القانون العرفي في الأرض الفلسطينية المحتلة أو تحت الحصار في قطاع غزة، فإن تطبيقات الخرائط السائدة لا تُظهر الواقع المعزول على الأرض أو ما ينطويه من قيود وتداعيات على حركة الفلسطينيين، بالرغم من وجود التكنولوجيا التي تتيح فُسحةً لدمقرطة الممارسات المكانية.

ومع ذلك، يواصل الفلسطينيون وحلفاؤهم العملَ على مقاومة الخرائط الاستعمارية وتفنيدها من خلال الخرائط المضادة. وهناك خطوات ملموسة أخرى يمكن اتخاذها للمضي قدمًا: 

  1. ينبغي أن تُسمى فلسطين في خرائط جوجل بحسب ما نص عليه قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة الصادر في تشرين الثاني/نوفمبر 2012، وذلك كما يوصي المركز العربي لتطوير الإعلام الاجتماعي (حملة).
  2. ينبغي أن يظهر الوضع الدولي للقدس على خرائط جوجل كما أقرها قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 181. ويجب على خرائط جوجل أن تحدد المستوطنات الإسرائيلية غير القانونية المشيَّدة على أرض محتلة وأن تشير إليها بهذه الصفة وفقًا للمادة 49 من اتفاقية جنيف الرابعة والمادة 55 من لائحة لاهاي.
  3. ينبغي لجوجل أن تميِّز بوضوح بين المناطق (أ) و(ب) و(ج) في الضفة الغربية، وأن تُبيِّن معوقات الحركة والطُرق المحظورة.
  4. ينبغي لجوجل أن تحدد مواقع القرى الفلسطينية “غير المعتَرف بها” داخل إسرائيل وكذلك القرى الفلسطينية في المنطقة (ج).
  5. ينبغي للولايات المتحدة أن تُلغي قانون كايل-بينجامان، وأن تساوي مزودي صور الأقمار الصناعية الأمريكيين بغيرهم. فهذا من شأنه أن يسمح لمشغلي الأقمار الصناعية بنشر صور عالية الوضوح لإسرائيل/فلسطين على منصات مفتوحة وشعبية. ومن شأنه أيضًا أن يمكِّن علماء الآثار والباحثين والعاملين في المجال الإنساني من توثيق التغيرات على أرض الواقع بدقة، وأن يُعزز الفرصة لمساءلة الاحتلال الإسرائيلي.
  6.  ينبغي للمجتمع المدني الفلسطيني أن يروِّج الخرائط المضادة ويُشجِّع استخدامها كبديل للخرائط المعاصرة الناقصة. وفي الوقت نفسه، ينبغي للمجتمع المدني الفلسطيني وحلفائه أن يركزوا جهودهم على ممارسة الضغط على: (1) الحكومة الأمريكية لإلغاء قانون كايل-بينجامان، و(2) جوجل لتنفيذ التغييرات المبينة أعلاه.

 

ملاحظات:

  1. انظر A Gazetteer of the Place Names Which Appear in the Small-Scale Maps of Palestine and Trans-Jordan, Jerusalem, 1941. ↩

المصدر: شبكة السياسات الفلسطينية

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
وليد عبد الحي
الأستاذ الدكتور وليد عبد الحي؛ مفكر وباحث وخبير في الدراسات المستقبلية مستشار للمجلس الأعلى للإعلام لشؤون البحث العلمي وأستاذ العلاقات الدولية ورئيس قسم العلوم السياسية في جامعة اليرموك الأردنية منذ عام 1994م، وشغل في الفترة 1982-1994 محاضراً في جامعة الجزائر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.