ثقافة مختارات مقالات

كفى نبكي وتعال نغني لهاتيك البراءة

كفى نبكي وتعال نغني لهاتيك البراءة

بقلم الروائي/ خلوصي عويضة

غني عن الشرح والبيان وصف حال من لا يبرحه الشعور أن تعاقب الليل والنهار أشبه بسوس ينخر عظام العمر، تئن روحه من لفح برد الغربة وإن تدثر بألف لحاف، في المرآة رأيته، كان كهلا يشبه راهب حبر وورق، لا يكف عن النفخ متأففا من وحشة شعور ضجر استحكم على كلّ نفسه، دأبه التملّص من عقد صلح مع الواقع، سمعته يتساءل: كيف لشمس جسد متعب بات سجين إهابه المترهل أن تصحو من نومها؟ بدت أفكاره ومشاعره خليطا مشوشا من انفعالات يكيد بعضها بعضا.

التفت ينظر إلى السماء، رأى بطن السحاب الرمادي يبتلع في جوفه وجه الشمس، أعتمت الأرض، اشتد عصف الهواء وعلا صفير الريح، ألقى بالقلم، خاف أن تلد الكتابة كآبة محصوله منها أكثر من كاف، مضى هاربا، فوق ربوة تطل على شاطئ الطفولة وقف، سرح بعيدا، جاءه جواب سؤاله لحظة أشرقت شمس الذاكرة؛ إذ بدد شعاعها الوضاء ضباب السنون الخوالي، أبرم هدنة مع الألم، موجة ألوان دافئة جميلة غمرت وجهه فابتسم، طرفة برق فقأت عين الزمن، محت أربعون حولا من حساب شهادة الميلاد، غدا التاريخ المدوّن زائفا، فرحة كرّت الأيام إلى الوراء، فرّت الروح من حاضرٍ شحّت فيه مشاعر الرحمة، تضاءل نبض الحدب والعطف، ابن عشرة أعوام أو يزيد.

عاد على رؤوس أصابع قدميه يقف؛ وسع أحاسيس السعادة التي تملؤه توالت قفزاته، قط يشبه طفلا؛ بأطراف أنامله أمسك حافة حائط، تعربش؛ تسلق،عافص حتى وصل سطح الدار المفتوح بسلاسة وانسياب على أسطح الجيران؛ المتفاوتة بين مسطحة من اسمنت أو صفيح؛ أو مقببة، لوّح لأخيه القابع في صحن البيت عاجزا عن تقليده لقصر قامته وصغر سنه، كاده بإشارات وكلمات حمقاء حلوة لذيذة يرسلها له اللسان واليدان، يتهدده الوشاية لينال علقة ساخنة أو باردة حسب مزاج أبيه أرائق تكسوه سيماء السماحة، أم عكر تسكنه الصرامة والجهامة، لم يبال بوعيده؛ بل ضحك الولد الشقي اللعوب لمنظر بطن أخيه العاري تزينه إضمامة صرته الصغيرة.

هرع نحو مخبإٍ يواري داخله كنوزه النفيسة، سابق الدقائق؛ خلال ثوانٍ يتخللها لهاث كثير صنع طائرة ورقية صغيرة؛ فالكبيرة يلزمها غير الورق الملون والغراء، بري أعواد خشبية؛ وتشذيبها من أية زوائد، وميلٍ هنا أو هناك، خيط الميزان ينبه لموضعه، حسنا؛ تمّ له المراد؛ إنتظر ريحا مواتية غالبا لا تخذل فرح الأطفال، أتت؛ أرخى بكرة الخيط وأطلق العنان لطائره؛ ارتفع في جوّ الفضاء؛ راح يرتفع ويبتعد أكثر فأكثر؛ دفة القيادة مركزة في اليدين والعينين، باطن القدم اليمنى يطرق الأرض بضربات متلاحقة ترقص على إيقاعها اليسرى، صخب أحشاء وصمت شفاه، شهيق حار وزفير ملتهب، يواصل (القبع) التحليق، يتبعه بصره ويرقبه قلبه بفرح وخوف، يخاف انقطاع الخيط، يقع المحذور، ينقطع، يسافر لحظتئذ طائره الحر الطليق بعيدا بعيدا، ليهبط أخيرا فوق سطح بيت من بيوت الحارات النائية؛ أو تصطاده أسلاك عمود كهرباء، تارة يبكي؛ تارة يضحك بغل؛ ومرات لا يضحك ولا يبكي بل يلكم الهواء ويتهيأ بعد قليل للعقاب.

ينكمش القلق؛ يسكن خوف النفس إذ يستحضر سحر ابتسامة أمّه كيف تجرد أبيه من سلاح غضبه فيهدأ ونهدأ، دوما يكرر ذات النهي بنبرة لا تصلح للزجر ( إلى السطح لا تصعد، يوما ستنكسر يدك أو قدمك) أومأ برأسه أن سمعا وطاعة، لم يسمع أحد سواى دوي قلبه الدقاق يهتف سأصعد سأصعد.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
خلوصي عويضة
الكاتب الروائي خلوصي عويضة من فلسطين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.