دين سياسة مختارات مقالات

مهلا أيها المتدينون

مهلا أيها المتدينون

بقلم/ جميل عبد النبي

حتى عام 325م لم يكن هناك اتفاق في المسيحية حول طبيعة المسيح عليه السلام، فمثلاً: أنكر آريوس أزلية يسوع فاعتقد بأنه كان هناك وقت لم يكن يسوع موجودا فيه، واعتبره رفيعاً بين مخلوقات الله ومِنْ صُنْعِهِ” بما يعني أنه كان ذا طبيعة بشرية، في المقابل كان هناك من يرى أن المسيح عليه السلام هو من ذات طبيعة الله.

عام 325م عقد أول مجمع مسكوني مسيحي في مدينية نيقية بأمر من الامبراطور قسطنيطين، الذي كان لا يزال وثنياً، وقيل أنه ظل وثنياً حتى تم تعميده وهو على فراش الموت.

كان قسطنطين الوثني غير مهتم بالتفاصيل الدينية، إلا من زاوية ما يمكن أن تشكله من فوضى داخل الامبراطورية الرومانية، نظراً للاختلاف الحاد بين الرؤى والمذاهب في حينه، فأمر بعقد هذا المجمع الذي استقر على الأخذ بالقول بطبيعة المسيح الإلهية، والتي وجد فيها قسطنطين أداة مناسبة لمساعدته في الحكم، وعليه تم اعتماد نص ديني موحد يعتمد الطبيعة الإلهية للمسيح، وعليه أيضاً حرقت كتب آريوس وسمي مذهبه ببدعة اريوس ووصم أتباعه إلى اليوم بلقب أعداء المسيحية.

تخيلوا: لو أن ما حدث في هذا المجمع هو العكس، واختارت الامبراطورية مذهب آريوس، ماذا الذي كان سيحدث؟
المشكلة هنا في التالي:

الدولة اختارت للناس نمط تدينهم، ثم توارث الناس ما اختارته الدولة، ومع تطاول الزمن صار مقدساً غير قابل للنقاش، رغم أنه من اختيار الدولة، بل الدولة التي كانت لا تزال وثنية حتى ذلك الحين، لكن أتباع اختيار الدولة أطلقوا علي قسطنطين لقب قسطنطين العظيم..!

سيعرف التاريخ الإسلامي شيئاً يكاد يطابق هذا، ولا يشبهه فقط..!

اختار المأمون العباسي مذهب المعتزلة، وبرغم ما يؤسسه مذهب الاعتزال من مقولات الحرية، إلا أن المأمون العباسي اختار أن يفرض على الناس بقوة السلطة مذهبه الجديد، وصار يختبر الناس حول ما سمي في حينه بفتنة خلق القرآن، ظل الأمر كذلك إلى أن جاء المتوكل ابن المعتصم، فانقلب على مذهب الاعتزال لصالح أهل الرواية، الذين يحاولون احتكار مصطلح أهل السنة حتى قال عنه خليفة بن خياط:استخلف المتوكل، فأظهر السنة، وتكلم بها في مجلسه، وكتب إلى الآفاق برفع المحنة، وبسط السنة، ونصر أهلها”

وبرغم ما قيل عنه بأنه كان سكيراً كثير المعاصي، إلا أنه لقب من طرف أهل الرواية بناصر السنة..! لاحظوا: قسطنطين العظيم، وناصر السنة..! الأول كان وثنياً، والثاني كان سكيراً عربيداً قتالاً.

مصر كانت شيعية اسماعيلية خلال عصر الدولة الفاطمية، وحينما جاء صلاح الدين قضى على الدولة الفاطمية، وعلى المذهب الشيعي الاسماعيلي، وفرض المذهب السني.

إيران كانت سنية حتى عصر الدولة الصفوية، وحينما جاءت الدولة الصفوية فرضت التشيع، وصار الناس هناك شيعة.

في كل البلدان- إسلامية، أو غير إسلامية- التي اختار لها الحكام مذهبها، صار الناس يولدون على المذهب الذي اختاره السلطان، لكنهم يتمسكون بمذهبهم حتى دون أن يعرفوا كيف صاروا إليه، ولكم أن تتخيلوا في كل تلك الأحداث التاريخية لو اختار الحكام عكس ما حدث، أيضاً سيواصل الناس تدينهم على ما كان سيختاره الحكام.

النتيجة:

المذاهب، وكثير من مقولات التدين المتوارثة، هي مجرد اختيارات سلطوية، كان الدين في جوهره هو ضحيتها الأول، ويأتيك في زماننا المعاصر من يصر على اجترار أقذر ما في صراعات التاريخ السياسية، ليحكمنا بواسطتها.

كل تجارب التاريخ تقول: إذا وقع الدين في قبضة الدولة فستتلاعب به حيث مصالحها، وستقسم الناس وفقاً لمعايير بالية عفا عليها الزمن.

الدولة يجب أن تكون محايدة تجاه الأديان، وعليها فقط أن تحمي حق المواطنين في اختيار الدين الذي يريدونه، دون أن تميز بينهم على أي أساس ديني، أو مذهبي، أو عرقي، طالما هم جميعا مواطنون داخل حدود الدولة.

كل دولة تميز بين مواطنيها على تلك الأسس هي دولة عنصرية رجعية، ليست صالحة لإدارة حياة الناس المعاصرة، ومصيرها حتما إلى مزابل التاريخ.

نحن نبحث عن دولة الإنسان، التي تساوي بين الناس بالتمام، والكمال، لا فرق بين أبيضهم، وأسودهم، وعجمهم، وعربهم” يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ “.

لاحظوا: إن أكرمكم عند ( الله ) أتقاكم، لأنه وحده من يملك موازين التقوى، أما في الدنيا فالناس كلهم سواسية كأسنان المشط.

تنويه: هذه المقالة تعبر عن وجهة نظر كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن موقف منصة روافد بوست

اقرأ للكاتب:

http://www.rawafidpost.com/2019/11/22/we-are-highly-formal/

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0 0

2 Replies to “مهلا أيها المتدينون

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.