دين سياسة مختارات مقالات

لماذا علينا أن نرفض فكرة الدولة الدينية؟

لماذا علينا أن نرفض فكرة الدولة الدينية؟

بقلم الكاتب/ جميل عبد النبي

لو دقق المطالبون بالدولة الدينية النظر في طبيعة هذه الدولة, لوجدوها في الحقيقة تفعل ذات ما تكفر غيرها بناء عليه.

الدولة الدينية تقول: إن التشريع حق خالص لله.

وأنا في الحقيقة أشاركهم الرأي في أن التشريع الديني حق حصري لله، حتى النبي عليه السلام لم يقبل أن يأت من عنده بغير ما جاء به القرآن الكريم:

“وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ ۙ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَٰذَا أَوْ بَدِّلْهُ ۚ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاءِ نَفْسِي ۖ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ ۖ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ”.

فالنبي عليه السلام لم يأت بشيء من عنده، وما كان هذا من حقه، فالتشريع الديني، ونسبة أي أمر إلى الله ليس من حقه، وبالضرورة هي ليست من حق من هم دونه.

لكن تعالوا ندقق النظر معا:

هل تقصد الدولة الدينية في حصرها لحق التشريع في الله وحده التشريع الديني، أم الديني، والدنيوي؟

وهل الدولة الدينية مارست التشريع الديني فعلا، أم لم تمارسه؟  ماذا عن الدولة المدنية المحايدة، هل تمارس التشريع الديني؟ أم أنها نأت بنفسها عن فكرة التشريع الديني، واكتفت بالتشريع الدنيوي؟

نظريا: يقول منظرو الدولة الدينية أن التشريع كله من حق الله وحده.

عمليا: هم مصرون على أن النصوص محدودة..! بينما الحوادث غير محدودة، وحتى يملؤوا هذا الفراغ المزعوم، قاموا هم بالتشريع للدولة، طبعا ليس وفقا لمنطوق النصوص التي وصفوها بالمحدودة..! إنما وفقا لقواعد غير متفق عليها، زعموا من خلالها أنها ترتكز على النصوص.

في المحصلة: الدولة الدينية حقيقة مارست التشريع، وليست هنا المشكلة بحد ذاتها، لو أنها لم تنسب تشريعها الذي سيسد ثغرة محدودية النصوص- حسب زعمهم- إلى الله، لكنهم نسبوه إلى الله بالفعل، وصار شعار تطبيق الشريعة لا يعني فقط الشريعة المنزلة، إنما أيضا ما شرعوه هم باسم الله، تحت عنوان: “الواجب، والحرام الديني” فهي تصدر التشريعات منسوبة إلى الله، بل لقد وصل الحد إلى أن يزعموا بأنهم موقعون عن رب العالمين..! ثم يقولون لك: لا كهانة في الإسلام..! وما هي الكهانة إن لم تكن تلك.؟!

الدول المدنية أيضا تمارس التشريع، وهي تعلن ذلك، ولا تجد فيه حرجا، لأنها لا تمارسه باسم الله، إنما باسم الدولة، وليس تحت طائلة الحلال والحرام الديني، إنما المسموح، والممنوع الدنيوي، وما قال منهم أحد أنه يفعل ذلك باسم الله.

أي الدول إذن هي التي تشارك الله في التشريع؟

لو أردت استخدام ذات مصطلحات الداعين للدولة الدينية لقلت: أن الدولة الدينية هي الدولة المشركة- طبعا أنا أرفض هذا المنطق من الأساس، إنما مجرد أحاكمهم بأدواتهم- لأنها تشارك الله في التشريع الديني، بينما الدولة المدنية محايدة، بل إنها تحمي حق المواطنين في اختياراتهم الدينية، ولا تسعى للسيطرة على الدين، ولا إحكام قبضتها عليه، ولا تستخدمه سيفا مشرعا في وجه مخالفيها، بخلاف الدولة الدينية التي ترى في مخالفيها مخالفين لله..!

ملاحظة:

1.النصوص ليست محدودة، وإلا فإن الدنيا يجب ألا تخلو من نبي يأت من عند الله بنصوص جديدة، إنما قال الله ما يريد قوله، وترك لنا الدنيا كلها مباحا، ننظمها وفق قانون المسموح، والممنوع الدنيوي، لا وفق قانون الواجب والحرام الديني، بما لا يخالف ضوابط الدين الأخلاقية التي صارت الآن مشتركا إنسانيا.

  1. الدكتاتوريات العربية ليست دولا مدنية، إنما مزيجا من الاستبداد، والاستخدام الديني أيضا، فهي دول تمارس القمع في حق مخالفيها، وتبقي للدين- بمعناه المزيف- متسعا تخدر به وعي شعوبها، ولا تعمل على الارتقاء بالقيم الإنسانية الدينية الحقيقية، التي تعزز الحريات، وتوفر العدالة، والمساواة، والشفافية، وحق الناس في محاسبة حاكميهم، وعزلهم.

اقرأ للكاتب:

مهلا أيها المتدينون

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.