سياسة مختارات مقالات

العلاقة بين حركة حماس و إيران وتطوراتها المختلفة

كيف تطورت العلاقة بين حركة حماس وجمهورية إيران؟

بقلم/ احمد دلول

يُعتبر موضوع العلاقة بين حركة حماس وإيران واحداً من أكثر الموضوعات السياسية تعقيداً وحساسيةً في الشرق الأوسط والمنطقة العربية، خاصة وأنَّهما من المفترض أن يكونا على طرفي نقيض، فالأول مسلم شيعي والآخر مسلم سني، والقواسم المشتركة بينهما تكاد تكون محدودةً جداً، في ظل أنَّ إيران تظهر العداء الواضح للعرب من خلال رفع شعارات تصدير الثورة والقضاء على حكام العرب، ودعم الجهات التي وقع عليها الظلم (الحركات الإسلامية مثلاً)، والتوسع في المنطقة العربية من خلال نشر التشيُّع.

وتحاول هذه الورقة سبر أغوار العلاقات الإيرانية الحمساوية من حيث النشأة والتطور، التقارب والتباعد والتقارب، وأخيراً؛ الدعم الإيراني.

العلاقات الإيرانية الحمساوية: هكذا بدأت

شهدت السنوات العشر الأخيرة حراكات سياسية كبيرة بين دول إقليم الشرق الأوسط والأراضي الفلسطينية (قطاع غزة على وجه التحديد)، وهذه المسألة كشفت عن أنَّ تقارب أي طرف عربي أو إقليمي مع قطاع غزة يندرج في سياق بحث هذه الأطراف عن دورٍ إقليميٍ متميزٍ في الشرق الأوسط، وتبيَّن أن قطاع غزة يشكِّل بوابة الشرق الأوسط والوطن العربي، وهذه مسألة كانت حاضرة لدى كثير من الدول الإقليمية مثل إيران وقطر منذ عدة عقود.

في 1979م؛ نجحت الثورة في إيران، وتمَّ تحويل مقر سفارة إسرائيل في طهران إلى مكتب تمثيل لمنظمة التحرير الفلسطينية (م.ت.ف)، وذلك ردَّاً على جهود حركة “فتح” في تدريب بعض الإيرانيين على السلاح، ولكن بعد نحو 10 سنوات شاركت قيادة (م.ت.ف) في مؤتمر مدريد للسلام (أكتوبر 1991م)، ودخلت في العملية السلمية ونبذت العنف، وهذا أمر لم يعجب القيادة السياسية في طهران.

كان من الواضح أنَّ طهران –رغم إدراكها أهمية القضية الفلسطينية في الحصول على دور إقليمي ريادي- لا يمكن لها أن تعوِّل على (م.ت.ف) أو حركة فتح كصديقٍ استراتيجيٍ لها، وهذا ما جعلها تفكر في بديلٍ مناسبٍ، وكانت أمامها حركتا حماس والجهاد الإسلامي، لكن كانت تتمتع الأولى برصيدٍ شعبيٍ كبيرٍ ومكانةٍ مجتمعيةٍ بارزةٍ وقدرةٍ تنظيميةٍ متميزةٍ، في حين كان عدد أفراد الأخيرة بالعشرات أو المئات فقط، وتكاد تكون شعبيتها محدودة جدا، خاصة في ظل مناداتها بضرورة التحالف مع إيران علانيةً منذ تأسيسها في ثمانينات القرن الماضي.

استغلَّلت إيران أغلب أحداث وتطورات الانتفاضة الفلسطينية الأولى (ديسمبر 1987 – سبتمبر 1993م) بين الفلسطينيين وجيش الاحتلال الإسرائيلي ودخلت بقوة في المشهد السياسي والعسكري الفلسطيني، وكانت في اتصالٍ دائمٍ مع الفلسطينيين من خلال النظام السوري (بقيادة الرئيس السابق حافظ الأسد) ومن خلال تنظيم حزب الله اللبناني (بقيادة حسن نصر الله)، وقامت بعقد المؤتمر الأول لدعم الانتفاضة الفلسطينية بطهران عام 1990م، فحضره القيادي الحمساوي (خليل القوقا). وتعززت العلاقة أثناء المشاركة في المؤتمر الثاني لدعم الانتفاضة في العام التالي، وحينها طلب وفد حركة “حماس” من القيادة الإيرانية وجود تمثيل رسمي للحركة في طهران، وهو ما تمَّ بالفعل بافتتاح مكتب وتعيين القيادي المبعد (عماد العلمي) ممثلاً لحماس في إيران، ثم تعززت أكثر خلال المؤتمر الثالث الذي شارك فيه القيادي الحمساوي (محمود الزهار).

وشكَّل قيام الاحتلال الإسرائيلي بإبعاد نحو 400 فلسطيني من قيادات حركتي الجهاد الإسلامي وحماس إلى مرج الزهور جنوبي لبنان عام 1992م دَفعة نحو تقوية العلاقات بينهما، حيث بدأ تواصل الحركة مع حزب الله اللبناني -وثيق الصلة بإيران-، وتأسست العلاقة بين حماس من جهة وكل من حزب الله وإيران من جهة ثانية، وحظي القادة المبعدون بزيارات متكررة لمسؤولين إيرانيين ودعمٍ ماديٍ مباشرٍ.

وفي العام التالي جرى توقيع اتفاقية أوسلو (بين قيادة م.ت.ف والحكومة الإسرائيلية يوم 13 سبتمبر 1993م)، وتوثَّـقت العلاقة بين إيران وحركة “حماس” وحزب الله، وحاولوا مجتمعين نسف مفاوضات السلام الفلسطينية-الإسرائيلية، وبدت علاقة حركة “حماس” مع كلٍ من حزب الله وإيران علاقة “زواج مصلحة” أكثر من ارتباط أيديولوجي. لكن في المقابل؛ رفض قائد الثورة الإمام الخميني استقبال رئيس (م.ت.ف) ياسر عرفات أثناء زيارة طهران، بشكل يوحي بأنَّ طهرات وجدت البديل عن (م.ت.ف).

وتمَّ في عام 1997م توثيق وتمتين العلاقة بين الطرفين، حيث قامت إسرائيل بإطلاق سراح زعيم حركة حماس (أحمد ياسين) في مطلع أكتوبر 1997م، أي بعد نحو 8 سنوات من الاعتقال، وكان ذلك بوساطة أردنية نظير إطلاق سراح اثنين من عملاء الموساد الإسرائيلي جرى القبض عليهما في الأردن خلال محاولة اغتيال فاشلة لرئيس المكتب السياسي لحماس (خالد مشعل) في العاصمة عمان. وخرج الشيخ (ياسين) في جولة علاج إلى الخارج زار خلالها العديد من الدول العربية والإسلامية، ومن بينها الجمهورية الإسلامية في إيران، وقدَّم في تلك الفترة كتاباً تعريفيا عن حركة حماس كان قد كتبه الدكتور أحمد يوسف بعنوان (حماس: حدث عابر أم بديل دائم)، واستمرت العلاقة بين الطرفين في منحى متصاعد خلال الانتفاضة الفلسطينية الثانية (2000 – 2005م).

إيران بين حماس؛ الحكومة والحركة

فازت حركة “حماس” في الانتخابات التشريعية الثانية (يناير 2006م)، وكانت إيران من أوائل الدول التي ترحب بالفوز، بل لم تتردد في الإعلان صراحةً عن تأييد حركة “حماس” كحركة وحكومة في نفس الوقت. وبعد أقل من شهر على إجراء الانتخابات؛ استقبلت طهران وفداً حمساوياً برئاسة (خالد مشعل) في (19 فبراير 2006م)، وذلك بالتزامن مع مصادقة البرلمان الإيراني على تشكيل لجنة “دعم الثورة الإسلامية في فلسطين”، وأوضح مساعد رئيس الجمهورية الإيرانية “أنَّ وظيفة الشعوب العربية والإسلامية هي الدفاع عن الشعب الفلسطيني وتقديم المساعدة والعون له والاستمرار في طريق المقاومة” مشدداً على “استمرار الدعم الإيراني لحماس حتى تحقيق آمال وطموحات الشعب الفلسطيني.

حماس و إيران

وتلقَّى رئيس الحكومة العاشرة (إسماعيل هنية) وعداً من الحكومة الإيرانية بتقديم نحو 250 مليون دولار مساعدات لحكومته عِوضاُ عن قطع المساعدات الأمريكية والأوروبية، وصرَّح (هنية) على هامش زيارته لطهران في (ديسمبر 2006م)، بأنَّ “لقد حققنا أهدافنا المتوخاة والمرجوة من هذه الزيارة، ووجدنا هنا في الجمهورية الإسلامية الإيرانية کلّ الحب وکل الوفاء وکل العطاء لفلسطين ولشعب فلسطين”، في حين أعتبر مرشد الثورة الإيرانية في طهران (علي خامنئي) أنَّ “انتصار حركة “حماس” هو تحقيق للوعد الإلهي بالانتصار للمجاهدين، فجميع الأبواب قد أغلقت في وجه الفلسطينيين ولم يبق إلا باب واحد وهو باب الجهاد، إنَّ انتصار حركة “حماس” مرهون بالمقاومة وبالدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني”.

وحسب تصريحات (هنية)؛ وعدت الحكومة الإيرانية بتنفيذ عدد من المشاريع التي تشكل دعماً مالياً واقتصادياً مباشراً للحكومة الفلسطينية والشعب الفلسطيني، وأنَّ إيران تبنَّـت صرف رواتب الموظفين في ثلاث وزارات ودفع مستحقات الأسرى وأهاليهم لمدة ستة شهور بتكلفة 45 مليون دولار، وأنها تبنَّـت 100 ألف عاملٍ فلسطينيٍ بواقع 100 دولار لكل عاملٍ شهرياً ولمدة 6 أشهرٍ بقيمة 1.8 مليون دولار، كما تعهَّدت ببناء قصر الثقافة الفلسطيني، وإنشاء مكتباتٍ وطنيةٍ بقيمة 10 مليون دولار، وترميم ألفي منزل مدمر بقيمة إجمالية تصل إلى 20 مليون دولار.

وتعرَّضت حركة “حماس” لانتقاداتٍ كبيرةٍ بسبب زيارتي “مشعل” و (هنية) إلى طهران، واتُّهمت في حينه بأنها تحوَّلت إلى أداة بيد إيران على حساب انتمائها العربي، وهذا القول فيه شيءٌ من الصحة، خاصة وأنَّ السنوات اللاحقة أكَّدت على ذلك، في ظل أنَّ التباعد المذهبي (سني – شيعي) بين الطرفين يجعل إيران لا تقبل بأن تكون حماس أكبر من أداة لتنفيذ بعض تطلعات السياسة الخارجية الإيرانية، علماً بأنَّ إيران لم تكن تنفك من التصريح بأنها تسيطر على 4 عواصم عربية (العراق، سوريا، لبنان، اليمن)، ولها نفوذ كبير في فلسطين وبعض دول المغرب العربي.

ونشرت صحيفة معاريف الإسرائيلية في (10 فبراير 2006م)؛ تقريراً تحدثت فيه عن التغيير في طبيعة الجبهات التي تحيط بإسرائيل وتهدد أمنها. ووفق التقرير؛ لم تعد الجبهة الشرقية التاريخية موجودة وعلى “إسرائيل” أن تقبل بجبهة جديدة مكونة من: إيران وسوريا وحزب الله وحركة “حماس”، وهي أربعة أيادي تخرج من جسمٍ واحدٍ وتتلقَّـى الأوامر والتعليمات من رأسٍ واحدٍ لتلك الأفعى الساكنة في طهران.

وسمع كاتب هذه المقالة من الدكتور باسم نعيم –وزير الصحة في الحكومة العاشرة ورئيس مجلس العلاقات الدولية في غزة- الذي زار طهران في أول زيارة لرئيس الحكومة العاشرة؛ أنَّ “إيران وعدت بإنشاء مجمعات طبية (مستشفيات) ولكن بمسميات فارسية أو عربية شيعية، لكنَّ حماس رفضت في حينه، وطلبت من إيران أن يكون دعمها غير مشروط، خاصة في ضوء الحملة الإعلامية الكبيرة التي كانت تتهم حماس بالتشيع والارتباط بالفُرس”، ولو جرى القبول بالعروض الإيرانية لصدقت الاتهامات الموجهة لحماس بالارتهان لإيران.

وبعد سيطرة حماس على قطاع غزة منتصف 2007م؛ انحازت إيران إلى حركة “حماس” وحكومة الأمر الواقع بقيادة (إسماعيل هنية)، وقال الرئيس الإيراني السابق (أحمدي نجاد) في حينه: إنَّ “من واجب إيران، الدفاع عن المقاومة الفلسطينية، وأنَّ الفتنة بين فتح وحماس، هي من صنع إسرائيل”. لم تقف الأمور عند حد الدعم الإيراني لحماس، بل طلبت طهران من الدول العربية بضرورة التحرُّك لدعم صمود الشعب الفلسطيني في قطاع غزة من خلال دعم حكومة (هنية) المقالة، وكانت مصر واحدة من الدول التي دعتها إيران لدعم حكومة حماس، وهنا بدأت الصحف المصرية بالرد على إيران، حيث انتقدت صحيفة الجمهورية سنة ٢٠٠٨م، التظاهرات ضد مصر في إيران، ووصفتها بأنَّها لا تخرج عن كونها مزايداتٍ سياسيةٍ استخداماً للصراع العربي-الإسرائيلي، للمساومة على الملف النووي الإيراني. وأضافت أنَّ التدخلات الإيرانية بين القادة الفلسطينيين، أججت الانشقاق الداخلي بينهم، وأدَّت إلى انفصال الضفة الغربية عن غزة، وعطَّلت الحوار الوطني الفلسطيني.

إيران و حماس

أسس هذا الموقف الإيراني لاتهامات صريحة وواضحة لإيران بأنها تضع العربة أمام قطار المصالحة الفلسطينية، وهذا اتهام على الأغلب في غير محله، لأنَّ إيران تمكَّنت في السنوات الثلاث الأخيرة من نسج علاقات متميزة مع حركة فتح في الضفة الغربية، وبالتالي؛ قلماً تُذكر إيران بأنها معطِّل للمصالحة؛ على العكس من تركيا وقطر.

وكان واضحاً في تلك الفترة أنَّ علاقات حماس بإيران قد شهدت تطوراً نوعياً غير مسبوقٍ في حجم تفاعلاتها وسرعة توثيقها، في ضوء مصالحها المشتركة بتنميتها ورفع مستوياتها، وشمل ذلك الأصعدة السياسية والإعلامية والعسكرية والمالية، وهو ما يمكن تسميته صراحةً ب(تقارب إيراني-حمساوي)، وهذا بالطبع نابع من عدة اعتبارات:

  • أولا: البُعد الأيديولوجي لسياسة إيران الإقليمية، حيث تتقاطع مع حماس في تبني دعم المقاومة الإسلامية المسلحة، في ظل أنَّ خطاب حماس وإيران لا يخلو من الأبعاد الأيديولوجية التي تشتمل على المقاومة والتحرير وإقامة الدولة الإسلامية. وهذا يعني أنَّ تبنِّي إيران وحماس لنفس الخطاب الأيديولوجي المقاوم جعل منهما حليفين طبيعيين.
  • ثانيا: معارضة الطرفين للخطاب السلمي ل(م.ت.ف) نحو الاعتراف ب”إسرائيل” وعدولها عن الخطاب الهادف لتحرير كامل الأراضي المحتلة فيما يسمى ب”نبذ العنف”. ومن الملاحظ أن إيران تعتبر الدولة الوحيدة في المنطقة الشرق أوسطية ترفض الاعتراف بإسرائيل علانية، بل لا تنفك عن التأسف لأن ترتيبها في الأبجدية الإنجليزية يأتي قبل إسرائيل مباشرة دون فاصل بينهما (Iran – Israel).
  • ثالثاً: دعم إيران للمقاومة الإسلامية المسلحة في فلسطين ولبنان، والمشاركة بالمال والسلاح في صد الاعتداءات الإسرائيلية على الفلسطينيين واللبنانيين في الفترة 1987 – 2005م، والإسهام في التصدي للحروب على لبنان 2006 وغزة 2008، 2009، 2012، 2014م.

ومع استمرار الحصار وتفاقم الأزمة الإنسانية في قطاع غزة؛ دعت إيران إلى اجتماع إسلاميٍ طارئٍ لبحث جرائم الاحتلال “الإسرائيلي”، والمطالبة بكسر الحصار المفروض على قطاع غزة، ومع بداية العدوان على قطاع غزة نهاية 2008م، ارتفعت حدة الانتقادات الإيرانية للدول العربية، وزادت مطالبتها للدول الإسلامية للتحرك لوقف هذا العدوان، كما توجَّه “خامنئي” إلى منظمة المؤتمر الإسلامي، وطالبها بالقيام بواجبها التاريخي في مواجهة “إسرائيل” ومحاكمة رؤسائها المجرمين ومعاقبتهم، كما أكد دعمه لحماس وشرعية المقاومة الفلسطينية، التي أعلنت وقوفها الكامل إلى جانب إيران في قضية الملف النووي، فقد هدد “خالد مشعل” (في ديسمبر 2009م) بالرد على الاحتلال “الإسرائيلي” إذا ما وجَّه أي ضربات للأراضي الإيرانية، قائلاً، نحن جزء من جبهة موحدة ضد أعداء الإسلام وكل عنصر فيها يدافع عن نفسه بوسائله الخاصة، وهو ما دفع بمصادر سياسية وأمنية إسرائيلية لتعبر عن قلقها البالغ من التقارب بين إيران وحركة “حماس” معتبرة أنه يهدد أمن بلادهم.

يبدو أنَّ مشعل لم يكن موفَّقاً بتصريحه الداعم لإيران، لأنَّه يعزز فكرة أن حماس حركة ترتهن للقرار الإيراني، لكن مشعل كان مقتنعاً أنَّ توجيه ضربة إسرائيلية لإيران يعني بالضرورة انتهاء عصر حماس التي لم تعد تتلقى دعم من الأنظمة العربية والإسلامية.

الثورة في سوريا وإعادة تقييم العلاقات الإيرانية-الحمساوية

انتعشت حركة “حماس” مالياً منذ السيطرة على قطاع غزة بقوة السلاح وفترة ما قبل الثورة السورية (مارس 2011م)، وذلك بفضل الدعم الإيراني للحركة. وعليه؛ تمكَّنت حماس من بناء وتطوير قدراتها العسكرية في قطاع غزة بشكلٍ يصفه كوادر حماس ب(ترسانة سلاح)، ولكن بعد خروج الحركة من سوريا تقلَّص حجم الدعم المالي المقدَّم من إيران لها، وعانت الحركة من أزمةٍ ماليةٍ خانقةٍ تركت آثارها السلبية على مختلف القطاعات الحيوية التي تديرها الحركة وبنيتها الحاكمة، وكانت حماس تتلقَّى 20 – 30 مليون دولار شهرياً من طهران قبل الثورة السورية.

العلاقات بين إيران وحماس

بعد وصول الربيع العربي إلى سوريا واندلاع الثورة، أو ما تسميه طهران رسمياً مؤامرة دولية ضد سوريا ونظامها المقاوم لإسرائيل “الحليف الاستراتيجي لها في المنطقة” بدت حركة “حماس” وكأنها أول طرف في محور المقاومة والممانعة فطرأ تغييراً كبيراً بدأ يتشكل في المنطقة، فوجدت حماس نفسها تتحرك على إيقاع معادلة جيدة بسبب الربيع العربي في حين قوبل ذلك عند إيران بجملة من المخاوف صبغت مواقف الجمهورية الإسلامية وأهمها:

  • تبشير البعض بقرب انتهاء مرحلة احتكار إيران لجوانب مهمة في القضية الفلسطينية وبالأخص في شقها السياسي، فضلاً عن التقارب بين الأنظمة العربية التي جاءت بها الربيع العربي مع فصائل المقاومة الفلسطينية وفي طليعتها حركة “حماس” وهذا بدا واضحاً في الدور الجديد الذي لعبته مصر خلال الحرب الإسرائيلية الأخيرة على قطاع غزة وانتهائها بهدنة خرجت من قبل النظام المصري، وبمباركة كاملة من فصائل المقاومة حتى أن “إسرائيل” اتهمت القاهرة بالانحياز للطرف الفلسطيني خلال عملية التفاوض.
  • إعادة صياغة المعادلة الفلسطينية في المنطقة وفق معطيات جديدة عبر خلق توازن ما داخل القضية الفلسطينية بين إيران التي تدعم تاريخياً المقاومة المسلحة أو دول عربية أطاحت شعوبها بأنظمتها تبدو متحمسة للقضية الفلسطينية والذي طالما أحسنت إيران استثماره عمليا على الأرض.

عبَّرت إيران عن امتعاضها من قول حركة “حماس” بأنَّها جزء من الربيع العربي ويتوجب عليها دعم شعوب الربيع العربي بما فيه الشعب السوري الذي يحتضن قيادة الحركة “قبل خروجها من دمشق” فاعتبر الإيرانيون هذا الموقف غير حكيم ومتسرعٍ تجاه نظامٍ احتضن الحركة وقت ضياعها وقدَّم لها الكثير. فحماس تراهن على الشعوب ومنها الشعب السوري بينما راهنت إيران على النظام في سوريا وقدرته على إحباط ما تسميه المؤامرة الدولية ضده.

وكان عناصر من حركة “حماس” يقولون بأنَّ طهران كانت مستاءة إلى حدٍ كبير من قوة العلاقات التي جمعت (هنية) ب (هشام قنديل) رئيس الحكومة المصرية التي تشكَّلت نتيجة فوز الإخوان المسلمين في الانتخابات البرلمانية والرئاسية في مصر عام 2012م، وكانت إيران تعتقد بأنَّ تشكيل حاضنة جديدة لحكومة (هنية) في الشرق الأوسط وخاصة مصر سيفقدها دورها الإقليمي في المنطقة، لأنَّها اعتبرت أنَّ قطاع غزة يمثِّل بوابة النظام الإقليمي العربي والشرق أوسطي، وهذا الأمر يتعزز إذا ما أدركنا معطيات الجغرافيا السياسية والبشرية لمصر، في ضوء تطلعات الأخيرة لاستعادة دورها الإقليمي الذي فقدته في السنوات العشر الأخيرة، وفي هذا السياق يندرج خطاب الرئيس محمد مرسي في قمة عدم الانحياز يوم (30 أغسطس 2012م) في طهران حينما طالب بعزل بشار الأسد وأكَّد على دعم الثورة هناك.

لقد عقدت حماس آمالاً كبيرةً على صعود الإخوان المسلمين في مصر فقامت بتعويض العجز المالي من مصادر مختلفة أهمها عملية التبادل التجاري مع مصر مباشرة أو عبر الأنفاق التي كانت منتشرة على طول الحدود الغزية المصرية (14 كيلومتر)، لكن ومع الأسف؛ دخلت حماس مرة أخرى في أزمة خانقة بسبب أحداث 30 يونيو التي أطاحت بالرئيس المصري محمد مرسي وجاءت بالرئيس عبد الفتاح السيسي.

إيران والمفاضلة بين حماس والجهاد

بعد ذلك حاولت إيران جاهدةً زيادة حجم دعمها لحركة الجهاد الإسلامي في قطاع غزة وخاصة الخط الشيعي بقيادة (هشام سالم) الذي شكَّل فيما بعد حركة شيعية تسمى (حركة الصابرين)، وتعاملت مع الجهاد الإسلامي على أنَّها بديل لحركة “حماس”، لكنَّ طهران لم تكن موفقةً في ذلك ولا يمكن أن تقدم لإيران خدمة بدون ثمن سياسي أو مالي، لأنَّ: -1- حماس عنيدة جداً ولا تقبل بأن يتأثر قرارها السياسي بالقرار الخارجي حتى لو كانت الأوامر صادرة من الدول الداعمة، -2- حماس والجهاد الإسلامي وجهان لعملة واحدة، ولا يصلح أي منها لأن يكون بديلاً عن الآخر من ناحية، وأنَّ حماس أقوى من الجهاد سياسياً وعسكرياً ومالياً وبشرياً، وربما لم تكن إيران قد حاولت إيجاد بديل عن حماس، بل أرادت إرسال رسائل لحماس بضرورة إعادة العلاقة معها كما كانت في سابق عهدها. ومن المهم التأكيد على أنَّه ليس لإيران بديل عن (م.ت.ف) إلا حركتي حماس والجهاد الإسلامي، وهما بديل لا يمكن التفريط به.

بدا واضحاً أنَّ إيران كانت داعمة للربيع العربي في كل الدول ما عدا سوريا، فاعتبرت أنَّ الثورة فيها ما هي إلا مؤامرة من أمريكا، وطلبت من حماس في حينه إبداء موقف مما يحصل في الإقليم. وكانت آراء حماس تتفق مع طهران فيما يتعلق بالثورة في مصر وتونس وليبيا، لكنَّها كانت تختلف معها في سوريا والبحرين، وحاولت حركة “حماس” التزام الصمت حيال الثورة في سوريا، فلا هي قادرة على الوقوف بجانب الشعب في ثورتها حفاظاً على الود مع نظام بشار الأسد الذي شكَّل لها حاضنة كبيرة، ولا قادرة على الوقوف مع نظام بشار ضد الشعب الذي يتوق للحرية.

وكانت حماس تصطفُّ إلى جانب خيار الشعوب بمن في ذلك الشعب السوري ما عدا البحرين، لأنَّها رأت في الثورة البحرينية أقرب لأحداث تثيرها المعارضة بدعم مباشر من إيران. ولكن؛ ظهر الخلاف بين طهران وحماس إلى العلن مع مغادرة “خالد مشعل” دمشق. فقامت إيران بوقف دعم حركة “حماس” وجناحها العسكري. وتعززت الخلافات بين الطرفين مع انتقال الحوثيين في اليمن نهاية عام 2014م إلى مرحلة السيطرة على مؤسسات الدولة، فوقفت إيران علنا إلى جانب الحوثيين، في حين أعلنت حماس دعمها شرعية نظام الرئيس “عبد ربه منصور هادي”، وسميت تلك الفترة ب”فترة التباعد” بين الطرفين.

وثمَّة خبراء سياسة اعتبروا أنَّ التباعد بين حماس وإيران، وفشل الأخيرة في إيجاد بديل عن حماس؛ قد يؤدي إلى نهاية “محور المقاومة” الذي تتزعمه إيران، حيث أنها مشغولة في الحرب الأهلية في سوريا، وفقدت قوتها في الثيمن، وتراجعت قوتها في العراق والبحرين، وانشغل النظام السوري بحربه ضد الثورة والشعب، كما انشغل حزب الله اللبناني في الحرب على السوريين، ولم يكن في محور المقاومة سوى المقاومة الفلسطينية.

وأيَّا ما كانت الأمور؛ يمكن تلخيص أسباب التباعد الإيراني الحمساوي في الأسباب الثلاثة التالية:

  • أولا: كان لتغيير فحوى أيديولوجيا المقاومة لدى حماس أثر واضح في ابتعادها عن إيران. فلم يكن لخطاب المقاومة -في تاريخها المديد- بُعد طائفي يتماشى مع الخطاب الطائفي الذي سيطر على المشهد العربي في السنوات الأخيرة. وكان لاصطفاف حماس إلى جانب الخطاب الطائفي المبني على استعداء إيران وحلفائها بدعاوى مذهبية أثر بالغ أدى إلى إضافة هذا البُعد لخطاب بعض فصائل المقاومة من جهة وإلى الخلاف البادي للعلنِ بينها وبين إيران من جهة أخرى.
  • ثانيا: كان توجّه حماس صوب الخيار الإخواني في سوريا سببا رئيسيا في برودة علاقتها مع إيران. كانت طهران ستتفهم نأي حماس بنفسها عن الأزمة السورية، لكنَّ معاداة المحور الداعم لحماس كان خيارا متسرّعا بُني على حتمية استبدال محور المقاومة بالإخوان المسلمين في دعم حماس ونصرتها، أدَّى لتعميق الفجوة بين إيران وحماس.
  • ثالثاً: انحدار الخطاب المقاوم لحماس. فقد أصبحت قيادات الحركة تتكلم بصراحةٍ عن قبولها بهدنة طويلة الأمد مع إسرائيل، أي أنَّ بإمكانها أن تدخل مع “إسرائيل” في هدنة تمتد لعقد أو عقدين. والواضح أن هدنة كهذه كانت ستحول المقاومة إلى شعار. وكان هذا التوجه قد بدأ قبل الربيع العربي واشتدّ خاصة بعد وصول مرسي لرئاسة مصر.

إيران وحماس: من القطيعة إلى استعادة التحالف

صحيحٌ أن العلاقات الحمساوية-الإيرانية شهدت تراجعاً كبيراً في السنوات الثلاث الأولى من عمر الثورة السورية، لكنَّ لم يتم الإعلان عن قطع العلاقات بين الطرفين، وبقي ممثل حماس في طهران (خالد القدومي) في مقرِّ إقامته ولم يغادر البلاد كما حدث مع قيادة الحركة في سوريا، بل كان على اتصالٍ دائمٍ بالسلطات الإيرانية، وعليه؛ لم يكن من خيارٍ لدى قيادة حماس وجمهورية إيران سوى تحسين العلاقات بين الطرفين، وخاصة وأنَّ إيران لم تتمكن من إيجاد بديلٍ فلسطينيٍ مناسبٍ عن حركة “حماس”. ومن هنا؛ فقد بدأ في أواخر 2013م التقارب بين حماس وطهران بعد نحو ثلاث سنوات على رفض حماس الوقوف بجانب الحكومة السورية في عمليات قمع وقتل المواطنين السوريين، وقال “طاهر النونو” أحد مساعدي رئيس الحكومة في غزة “إن العلاقات بيننا الآن عادت تقريبا إلى ما كانت قبل [الأزمة في سوريا]” ونحن نعتقد أننا سوف نعود قريبا إلى تلك المرحلة”. وحسب تصريح “النونو”؛ التقى خالد مشعل، رئيس المكتب السياسي لحماس ممثلين عن الجانب الإيراني في أنقرة والدوحة، وبعدها زار وفد من قيادة حماس المقيمين خارج غزة.

وفي تشخيصه لحالة القطيعة في العلاقات الإيرانية-الحمساوية؛ يقول المفكر الفلسطيني (مصطفى اللداوي): إسرائيل راهنت كثيراً على دوام القطيعة، واستمرار الاختلاف، وتباعد الشقة بين الطرفين، وعمدت بإصرارٍ على إيقاظ الفتنة، وتسعير أوراها، ولعلها كانت كشيطانٍ تنفخ في نار الاختلاف، وتؤجج أسبابه، وتشجع أطرافه، وتصب الزيت على ناره لتشتعل وتزداد، وتضطرم أكثر وتخرج عن دائرة التحكم والسيطرة … إذ ليس من صالح الكيان الصهيوني أن تتفق إيران وحماس من جديد… فالمصالحة بين إيران وحركة “حماس”، تعني عودة المقاومة في أبهى صورها، وأقوى معانيها، وتعدد أشكالها، وتمايز قدراتها، وقد باتت اليوم أكثر خوفاً بعد الدعوات الإيرانية لتسليح الضفة الغربية، وهي تعلم أنها قد تنجح في تزويد المقاومة بما تريد، وتسليحها بما يلزم، لتكون الجبهة الأقرب، والأكثر خطورةً والأشد بأساً.

ويؤكِّد الدكتور (باسم نعيم) القيادي في حركة “حماس” ورئيس مجلس العلاقات الدولية- أنَّ العلاقات لم تنقطع أبدا بشكلٍ كاملٍ أثناء فترة التباعد الحمساوي-الإيراني، وكان في الآونة الأخيرة عدد من الاجتماعات التي أعادت الحيوية مرة أخرى في علاقتنا مع إيران”. وأضاف نعيم: “كانت هناك العديد من الزيارات واللقاءات كما كانت سابقا. ولكن هذه المرة تم عقد الاجتماعات على مستوى عال من جانب حماس وإيران مما أدى إلى تحسن ملحوظ وتطور في العلاقة”. وهو نفس الرأي الذي يتحدّث به الدكتور محمود الزهّار الذي زار طهران في عام 2013م، حيث أكَّد أنَّه كان على كان اتصال دائم مع الإيرانيين.

وليس بخافٍ أنَّ إعادة التقارب الحمساوي-الإيراني يحقق جملة من المكاسب لكلي الطرفين، حيث إنه في الوقت الذي تبدو فيه الأهداف السياسية الإيرانية -من استعادة تحالفها وتوطيد علاقاتها مع حماس- غاية في الوضوح، فإنَّ الحركة تعوّل على تحقيق مكاسب سياسية ومالية وعسكرية هامة، وذلك على النحو التالي:

  • المكاسب السياسية: عاشت حماس على مدار السنوات الماضية أزمة سياسية بكل معنى الكلمة، فقد فقدت حكم الإخوان المسلمين في مصر الذي شكل لها فتحاً إستراتيجياً بنت عليه الحركة الكثير من الطموحات والحسابات على مختلف الأصعدة والمستويات. وسارعت طهران تجاه حماس بذات القدر كي تستعيد توازنها السياسي، وتغدو أكثر قوة وصلابة في وجه الإشارات والأحاديث السياسية المتواترة التي تتحدث عما يُسمى “صفقة القرن”، التي تمس جوهر الحقوق والثوابت الوطنية الفلسطينية.
  • المكاسب المالية: تجد حماس فرصتها اليوم في الدخول إلى الملعب الإيراني مجدداً، وإعادة تجديد آليات الدعم المالي الواسع الذي كانت تتلقاه في مرحلة ما قبل اندلاع الأزمة السورية، كي تستنهض ذاتها وبنيتها الداخلية وقطاعاتها الحيوية المختلفة.
  • المكاسب العسكرية: جاهرت حماس كثيراً بحجم الدعم العسكري الإيراني الذي تلقته في مرحلة ما قبل خروجها من سوريا، ولم تترك مناسبة إلا وأشادت فيها بالفضل الإيراني على مستوى تزويدها بتقنية الصواريخ المتطورة التي مكنتها من ضرب العمق الإسرائيلي.

وفضلاً عمَّا سبق؛ يضيف (مصطفى اللداوي) أنَّ: عودة الدفء إلى العلاقة بين إيران وحركة “حماس”، تعني عودة الرعاية والمتابعة، والدعم والتمويل والإسناد، وعودة الحليف والنصير، الشريك في المعركة، والمؤازر في الأزمة، والصادق القريب في المحنة، ما يعني أن المقاومة لن تكون وحدها، ولن تشعر بالضعف والخور، ولا بالإقصاء والإبعاد، ولا بالذل والحاجة، ولن يستفرد عدوٌ بها، ولن يتآمر غيره عليها، ولن تكون لقمةً سائغةً، ولا هدفاً ممكناً وسهلاً أمام الخصوم والأعداء.

وكانت الحرب الإسرائيلية على غزة في 2014م قد شكَّلت فرصةً مواتيةً لإيران لاستعادة علاقتها بـ”حماس”، بعد أن خرجت منتصرة، كما تقول، من دون أن تتمكَّن آلة الحرب “الإسرائيلية” من الإطاحة بها، ومع ذلك، لم يحصل المراد، وما تسعى إليه “حماس” من طيّ صفحة سوء الفهم الذي طال أمده، كما ترى مع حلفاء الأمس القريب.

وفي توصيفه لطبيعة العلاقة بين حركته والجمهورية الإسلامية في إيران؛ يعتبر (موسى أبو مرزوق) أنَّ العلاقة بين الطرفين نابعة من موقفها من القضية الفلسطينية، ودعمها للشعب الفلسطيني ومقاومته، فتكاد تكون إيران الدولة الأهم في هذا الإطار، غير أنَّ علاقتنا معها لا يعني تطابقاً في السياسة، وقد اختلفنا مع بعض سياساتهم، كما اعترضوا على بعض سياساتنا، وعلى سبيل المثال الموقف من سورية لم يكن متطابقاً معهم، وكذلك لم يكونوا مع دخولنا في انتخابات المجلس التشريعي (سنة 2006م). واستمرت العلاقة مع كل هذه الاختلافات، ولم يتدخلوا في أيّ شأن من شؤون الحركة على مدار العلاقة في يوم من الأيام.

ولا يبدو أنَّ الموقف السابق يعبِّر عن حقيقة العلاقة بين الطرفين، لأنَّ إيران تحاول إقامة علاقاتٍ نفعيةٍ مع الجميع، وتنظر مسبقاً إلى ما تستفيده من العلاقة، وتقيم علاقاتها مع الجميع انطلاقاً من مبادئ ثورة الخميني، وعلاقتها مع حماس بالطبع تندرج في سياق البحث عن موطئ قدم لها في المشرق العربي استكمالاً لوجودها في لبنان وسوريا والبحرين والعراق وغيرها.

وفي تسجيلٍ صوتيٍ مسرَّبٍ؛ هاجم (أبو مرزوق) إيران بقوةٍ، معتبراً أنَّها كانت تشترط تدخُّل حماس لدى بعض الدول لتحسين علاقتها مع طهران مثل السودان، وأنَّها “من أكثر الناس باطنيةً وتلاعباً بالألفاظ وحذرا بالسياسة. ويستدرك أبو مرزوق: من 2009م تقريباً لم يصل منهم أي شيء، وكل الكلام الذي يقولونه كذب وكل ما وصل لأحبائنا لم يكن من قبلهم، جزء من طرف صديق وأطراف أخرى بسبب الأوضاع في المنطقة وكله بجهد الأنفس.. لم يقدموا شيئاً في هذا المجال وكل ما يقولونه كذب”.

 

والحقيقة أنَّ تصريح (أبو مرزوق) لا يعبِّـر عن موقف الحركة إطلاقاً، بل يعبِّر عن موقفٍ شخصيٍ بحتٍ نابعٍ من فهمٍ حقيقيٍ وصحيحٍ لطبيعة العلاقة بين الطرفين من ناحية، ولطبيعة الوجود الإيراني في المنطقة من ناحيةٍ أخرى. وفي حديث شخصي لكاتب المقالة مع بعض الأشخاص المقربين من “أبو مرزوق” أكَّدوا أنَّه كان يدرك ما يقول، وكان كلماته في الزمان والمكان المناسبين، وكان يريد إيصال مجموعة من الرسائل للإيرانيين، بل تحدَّث بذلك إدراكاً منه بأنَّ المكالمة مسجَّلة. وهذا الأمر بالطبع انعكس سلباً على الموقف الإيراني من “أبو مرزوق” شخصياً.

الدعم الإيراني لحماس: الشكل والحجم

ينظر الغزيون لليافطات (اللوحات الإعلانية الكبيرة) على مفترق السرايا –وسط مدينة غزة- على أنَّه يعبِّر عن الحالة المزاجية لحركة حماس، ويشبهونه بحالة الواتساب، ويقولون “مفترق السرايا غيَّر حالته إلى #شكرا_إيران”، وذلك في إشارة من حماس على مدى رضاها عن بعض الدول الإقليمية، حيث شهدت تلك اللوحات تقديم الشكر إلى إيران وقطر والكويت ومصر وغيرها، لكن إيران كانت تحظى بنصيب الأسد من الشكر الحمساوي المقدم لها.

لم يقتصر تقديم الشكر لإيران على لوحات السرايا، بل ربما لم تترك حماس مناسبة إلا وقدَّمت الشكر فيها لإيران، وخاصة في المؤتمرات وفي نهاية الاشتباكات المسلحة بين المقاومة الفلسطينية وإسرائيل، وفي المساجد خلال الدروس الدعوية، على اعتبار أن إيران هي الطرف الخارجي الأكثر دعماً للمقاومة الفلسطينية –التي تقودها حركة حماس- في ظل وقف أغلب قنوات الدعم العربي المقدم لحركة حماس بصفتها الحركية والحكومية بما يتضمن ذلك وقف المساعدات المالية المقدمة للمؤسسات الاجتماعية التي تمتلكها حماس مثل جمعية الصلاح الخيري وجمعية المجمع الإسلامي وهيئات الزكاة الإسلامية.

ويُصنَّف الدعم الإيراني لحركة حماس وفق أربعة مجالات على النحو التالي:

  • توريد الوسائل القتالية المتطورة (ومنها قذائف صاروخية تهدد وسط إسرائيل وجنوبها).
  • نقل الأموال اللازمة لتمويل إنشاء البنى الأساسية العسكرية والتشغيل المتواصل للقوة العسكرية.
  • نقل الخبرة التقنية بهدف تطوير وإنتاج الوسائل القتالية (بما فيها القذائف الصاروخية).
  • تدريب العناصر (بعد إخراجهم من قطاع غزة) من قبل فيلق القدس التابع لحرس الثورة.

وخلال تحقيق ميداني لها في غزة ونشرته صحيفة (صاندي تايمز) يوم (9 مارس 2008م) أفادت الصحفية البريطانية (ماري كولفين) أنَّ نشطاء حركة “حماس” يمارسون تدريباتهم وتمريناتهم في إيران خلال مدة زمنية تتراوح بين شهر ونصف إلى 6 أشهر، وتتم في قاعدةٍ عسكريةٍ مغلقةٍ وفي ظروف قاسيةٍ، ثمَّ يُسمح لهم بالذهاب للعطلة مرة واحدة أسبوعياً، ضمن مرافقة أفراد الأمن الإيرانيين، وتمَّ إرسال العشرات منهم لتلقِّي الدورات حيث يمكث المتفوقون في كل دورة فيها فترة إضافية من الزمن يتلقون خلالها دورات متطورة ثم يعودون إلى غزة ليعملوا مرشدين. وهذه إشارة سريعة لبعض أشكال الدعم الإيراني المقدم لحماس، لكن الحقائق على الأرض تشير لأكبر من ذلك بكثير، حيث أطلقت المقاومة الفلسطينية عدداً غير معلوم -لدى الباحثين- من الصواريخ إيرانية الصنع تجاه إسرائيل خلال الحربين السابقتين على غزة 2014 و 2012م.

وخلال زيارته لطهران في ديسمبر 2009م؛ أشار (مشعل) إلى أنَّ حركته تلقَّت ما يقارب 30 مليون دولار من المساعدات السنوية بين الأعوام 1939 – 2006م، ورافقت هذا الدعم تدريبات عسكرية متقدمة لعناصر حماس.

وفي حديثه عن “سياسة حركة “حماس” إزاء التغيرات الإقليمية والدولية” يقول (دانيال بايمان): ورغم أنَّ طهران أعلنت قطع مساعدتها للقطاع، فإنَّها لم تقطع علاقتها بحماس، وظهر هذا عقب مواجهة الأخيرة بإسرائيل (خريف 2012م)، ويرى (بايمان) أنَّ طهران لا تضع كل أوراقها في المنطقة العربية رهينة نظام الأسد المتداعي. فهي بحفاظها على علاقتها بحماس تضمن معبرًا إلى العالم العربي، وبدعمها العسكري لها، تحافظ على وجود حماس شوكة في جنب إسرائيل. ومن ثم، دبلوماسيًّا، فإنَّ حماس ربما تعظم منافعها من الأطراف المتناقضة. ففي الوقت الذي حافظت فيه على الدعم العسكري الإيراني لها، فإنها تحصل على مزيد من الشرعية الدولية بدعم حلفاء واشنطن: تركيا وقطر.

وأكد عضو المكتب السياسي لحماس (عزت الرشق) أنَّ إيران كانت أكبر مانحٍ للحكومة في غزة، ولولاها ما استطاعت دفع رواتب نحو 45 ألف موظف، وقيامها بمهامها من خدمات للشعب من صحة وتعليم وغيرها. لكن؛ خفَّضت إيران حجم التمويل المقدمة لحماس والذي كان قيمته حوالي 23 مليون دولار في الشهر، مما تسبب -حسب “هيرت شيرود”- بحدوث أزمةٍ ماليةٍ خطيرةٍ لحكومة (هنية)، وتفاقمت الأوضاع بشكل كبير في الأشهر الستة الأخيرة من عام 2013م بسبب إغلاق النظام الجديد في القاهرة لأنفاق التهريب بين غزة ومصر.

وأشادت حماس بتدريب إيران لعناصر الحركة العسكرية وتأمين الخبرات العسكرية لهم، وهو ما كان له أثر بيّن وملموس خلال الحروب الثلاث التي شنتها “إسرائيل” على قطاع غزة خلال السنوات الماضية. ومن هنا؛ فإنَّ الباب بات مشرعاً أمام استئناف الدعم العسكري الإيراني لحماس، بل وربما تطوير أشكاله وآلياته عن ذي قبل بما يسهم في تعزيز القدرة العسكرية لحماس، التي توليها الحركة أهمية كبرى خلال المرحلة القادمة.

وبعد أيام قليلة من انتهاء الحرب الإسرائيلية (نوفمبر 2012م)؛ أعلن رئيس مجلس الشورى الإسلامي (البرلمان) في إيران (علي لاریجاني) أنَّ قوة الفلسطينيين العسكرية هي من القوة العسكرية الإيرانية وأن دفاع المقاومة في غزة يعكس جانبا صغيراً من قوة إيران. في حين اعتبر رئيس لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في مجلس الشورى الإسلامي (علاء الدين بروجردي) أنَّ “صواريخ المقاومة الفلسطينية مصدرها إيران”، مثل صواريخ غراد الإيرانية الصنع من عيار 122ملم، وصاروخ فجر 5 الذي ينتمي لقاعدة الدعم الإيراني المستمر للمقاومة في جنوب لبنان وغزة

وبعد انتهاء الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة 2014م؛ قدَّر الرئيس الفلسطيني محمود عباس المعونة الإيرانية لحماس بما يقرب من 250 إلى 500 مليون دولار سنوياً. لكن هذا التقدير مبالغ جداً ولا يتفق مع التقديرات الأخرى، وجاء في ظل حالة التباعد بين إيران وحماس.

وقال نائب رئيس المكتب السياسي لحركة حماس (موسى أبو مرزوق) في تصريحات أدلى بها لفضائية حركة حماس “الأقصى” قال ان ما قدمته إيران من دعم للمقاومة الفلسطينية سواء على صعيد الإمداد أو التدريب أو المال “لا يوازيه سقف آخر، ولا تستطيعه معظم الدول” (16 يونيو 2016م).

ومنذ انتخاب (يحيى السنوار) رئيساً لمكتب حماس السياسي في قطاع غزة أصبح يُكثر من الحديث عن العلاقات الوثيقة التي تربط حماس بإيران وسط ذكره الصريح لقاسم سليماني وفيلق القدس الذي يقوده، بل أكَّد (السنوار) أنَّ إيران تقدم الدعم العسكري الأكبر لحماس. في المقابل؛ أعرب سليماني عن استعداده لتزويد حماس بجميع الموارد المطلوبة للكفاح من اجل القدس. وأضاف -خلال اتصال هاتفي بين (السنوار) و (سليماني) في (11 ديسمبر 2017م) أكد أن حرس الثورة وفيلق القدس يقفان إلى جانب الشعب الفلسطيني.

في (20 أكتوبر 2017م) قام وفد من كبار مسؤولي حماس بزيارة طهران، برئاسة صالح العاروري نائب رئيس المكتب السياسي لحماس، واشتراك سامي أبو زهري الناطق بلسان حماس وخالد القدومي مندوب حماس في إيران وعدد آخر من مسؤولي حماس، والتقى أعضاء الوفد خلال الزيارة رئيس مجلس الشورى الإيراني علي لاريجاني، ومستشار الزعيم الإيراني للشؤون الدولية علي أكبر ولاياتي، وأمين المجلس الأعلى للأمن القومي علي شمخاني. وفي سلسة من الأحاديث الصحفية أثنى مسؤولو حماس على دعم إيران لحماس، مشيرين إلى أن زيارتهم استهدفت توثيق الروابط مع إيران، مع تأكيدهم أن هذه الروابط لا تأتي على حساب المصالحة الداخلية الفلسطينية.

الخاتمة

من الواضح أنَّ العلاقات بين طهران وحماس قد عادت إلى سابق عهدها، وأغلب المؤشرات تقول بأنَّ العلاقات بينهما آخذة في الترابط والتشابك والمتانة بشكلٍ أكبر من ذي قبل، خاصة بعدما أيقنت حماس صعوبة بناء تحالف استراتيجي مع السعودية ومصر والإمارات والأردن، هذا في ظل أنَّ صقور حركة حماس يمتدحون إيران بشكل كبير، مثل يحيى السنوار (قائد حماس في غزة)، ومحمود الزهار (قائد سابق وصانع قرار). لكن في المقابل؛ من غير المتوقع أن تقوم طهران بدعم حماس بنفس المبالغ المالية السابقة (20 – 30 مليون دولار شهريا)، لأنها منشغلة في الوضع السوري، وتشرف على عمليات التنمية في إيران، في ظل أن شريحة من الشعب الإيراني تطالب بوقف دعم حركات المقاومة الفلسطينية وتوجيه الدعم للشعب الإيراني مباشرة.

وفي تقرير استخباراتي نشره “معهد ستاين للاستخبارات ومكافحة الإرهاب في واشنطن”؛ أشار إلى أن حجم الدعم المادي الإيراني للتنظيمات وشخصيات معينة في غزة، بلغ 100 مليون دولار خلال 2017 فقط”، وهذا يعني أنَّ الدعم المادي الإيراني لحماس وغزة أيضاً انخفض بنسبة 60% تقريباً.، وهذا الرقم يتفق مع تقديرات الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية التي تقدر مجموع الإعانات الإيرانية لـ «حماس» بما يقرب من 100 مليون دولار سنويًّا.

المصادر:

  • أحمد فايق دلول، حركة المقاومة الإسلامية حماس: عشر سنوات في غمار المعترك السياسي، ط1، 2020م (تحت النشر).
  • أحمد عمر المدني، العلاقات الأمريكية الإيرانية وتأثيرها على الوضع الفلسطيني الداخلي 2006-2009، رسالة ماجستير غير منشورة في العلوم السياسية، جامعة الأزهر، غزة، فلسطين، 2010م، ص ٦٥.
  • جمال مزراحي، إيران الداعم الرئيسي لحماس، موقع إسرائيل بالعربية، 14 نوفمبر 2011م، انظر الرابط التالي: https://goo.gl/K4A49G
  • حسن أحمديان، خيارات حماس في العلاقة مع إيران، الجزيرة نت، 2 يوليو 2015م، انظر الرابط التالي: https://goo.gl/TdRKrT
  • حماس وإيران.. صعود وهبوط العلاقات، مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات، 3 سبتمبر 2012م. متوفر على موقع الأنباء الإخباري، انظر الرابط التالي: https://goo.gl/Lv3uoi
  • دانيال بايمان، استغلال التناقضات: سياسة حركة “حماس” إزاء التغيرات الإقليمية والدولية، مجلة السياسة الدولية، 10 أكتوبر 2013م، انظر الرابط التالي: https://goo.gl/DitLg9
  • سكوت ريتر، استهداف إيران، ترجمة: أمين الأيوبي، ط ١، الدار العربية للعلوم ناشرون، بيروت، لبنان، 2007م، ص40.
  • عبد القادر طافش، إيران والقضية الفلسطينية: الواقع والمتغيرات، مركز الجزيرة للدراسات، كانون الأول/ديسمبر 2012م، انظر الرابط التالي: https://goo.gl/y5EfZf
  • عرفات علي جرغون، العلاقات الإيرانية الخليجية: الصراع .. الانفراج .. التوتر، ط1، دار العربي للنشر والتوزيع، القاهرة، مصر، 2016م، ص273-274.
  • محسن محمد صالح وآخرون، التقرير الاستراتيجي الفلسطيني لسنة 2006م، ط1، مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات، بيروت، لبنان، 2007م، ص189.
  • محمد محسن صالح وآخرون، التقرير الاستراتيجي الفلسطيني 2008، بيروت مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات، 2008، ص 188-189.
  • مسؤول في حماس يفضح إيران: دعمها للمقاومة كذب!، موقع فضائية العربية، 31 يناير 2016م، انظر الرابط التالي: https://goo.gl/XA43AM
  • مصطفى يوسف اللداوي، إيران وحماس حلفٌ لا ينتهي، وكالة فلسطين اليوم الإخبارية، 22 ديسمبر 2014م، انظر الرابط التالي: https://goo.gl/Byo3pb
  • موسى أبو مرزوق، حماس: قراءة وتقييم للتجربة، ضمن كتاب: محسن محمد صالح وآخرون، حركة المقاومة الإسلامية حماس .. دراسات في الفكر والتجربة، ط2، مركز الزيتون للدراسات والاستشارات، بيروت، لبنان، 2015م، ص512.
  • مؤمن بسيسو، حماس وإيران.. معادلة جديدة لمواجهة التحديات، الجزيرة نت، 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2017م، انظر الرابط التالي: https://goo.gl/yC6mqp
  • نبيل العتوم، الربيع العربي: إيران والإخوان المسلمين ودعم الإطاحة بمرسي – مصر بين ثورتين” 25 يناير وثورة 30 يوليو”، مركز أمية للبحوث والدراسات الاستراتيجية، اسطنبول، تركيا، 13 أغسطس 2017م، انظر الرابط التالي: http://www.umayya.org/studies-ar/12699
  • Harriet Sherwood, Hamas and Iran rebuild ties three years after falling out over Syria، the guardian, 9 Jan 2014. Look: https://goo.gl/aNkzZy
Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
احمد دلول
كاتب وباحث سياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.