سياسة مقالات

تجمُّع الشخصيات الفلسطينية المستقلة ومبادرة المصالحة المصرية

تجمُّع الشخصيات الفلسطينية المستقلة ومبادرة المصالحة المصرية

بقلم: احمد دلول

نشرت وسائل الإعلام (9 أغسطس) خبراً مفاده أن تجمع الشخصيات الفلسطينية المستقلّة (قطاع غزة والضفة الغربية والشتات) قد تقدَّم بمبادرة للرئاسة المصرية المؤقتة وللجهات الرسمية ولكافة الأحزاب والقيادات من أجل تحقيق المصالحة الوطنية المصرية بين الأحزاب والأطراف المصرية المتنازعة.

وتضمَّنت المبادرة جملةً من الاقتراحات، أبرزها: إطلاق سراح الرئيسين محمد حسني مبارك ومحمد مرسي، وإطلاق سراح جميع المعتقلين والنشطاء والموقوفين من كافة الأحزاب ما لم تكن أيديهم ملطخة بدماء المصريين، واعتبار جميع الضحايا الذين سقطوا منذ ثورة 25 يناير حتى الآن شهداء وطن لجمهورية مصر العربية، وإنهاء جميع الاعتصامات المؤيدة والمعارضة تمهيداً لتطبيق المبادرة، والبدء بمشاورات لتشكيل حكومة مصرية انتقالية من الكفاءات والمهنيين المستقلين.

ويبدو واضحاً من مبادرة المستقلين أن غالبية بنودها جاءت تكراراً لما تحدَّث به بعض الشخصيات أو الأحزاب أو التجمعات المصرية ضمن مبادراتهم أو تصريحاتهم أو أطروحاتهم من قبل، فضلاً عن أن تلك البنود تحدثت عن أمور غير مُجمع عليها وليست موضعاً للاتفاق ولا منطقية، فهل من المعقول أن يتم إطلاق سراح المخلوع مبارك بعد أن قضى ثلاثين عاماً في حكم مصر، باع خلالها خيرات البلاد للخارج (مثل الغاز، وتسهيلات قناة السويس، …) وشارك جيشه في التحالف الدولي للحرب على العراق 1991م، ولم يعترض على الحرب الأمريكية على العراق 2003م، وشارك في حصار غزة بدعوى التزام بلاده باتفاقية المعابر المصرية الإسرائيلية 2005م، ومن القاهرة أعلنت ليفني حربها على قطاع غزة في ديسمبر 2008م !.

وهل من المعقول أيضاً أن يدعو التجمع إلى إطلاق سراح الرئيس مرسي وكأنَّه ارتكب جُرماً بحق مصر، بينما هو الرئيس الشرعي، وهو الذي ساند غـزة أثناء العدوان الإسرائيلي عليها في نوفمبر 2012م، وفي عهده شهدت مصر طفرة من التحسينات والتطورات، لسنا بصدد الحديث عنها، ولكن يمكن مراجعة تقرير “عام من الرئاسة المصرية.. خطوات وتحديات” !.

وبخصوص الضحايا منذ 25 يناير وحتى، فإنهم أمرهم لا يمكن حله بمجرد اعتبارهم شهداء، ودلالة هذا الاقتراح تعني إعفاء حبيب العادلي والقادة العسكريين من المسئوليات التي ترتَّبت عليهم جرَّاء سفك الدماء التي كان أصحابها يرفضون الدكتاتورية والقمع والاضطهاد وينشدون الحرية، وهذا يتعارض مع البند الذي يشترط ألَّا تكون الأيدي ملطخة بالدماء، كما أنَّ هذا الاقتراح يسمح بسفك مزيدٍ من الدماء من أجل فض الاعتصامات المعارضة للانقلاب.

وقبل إنهاء الاعتصامات، ولإقناع المعتصمين والرافضين للانقلاب العسكري، هل سيعود مرسي رئيساً لمصر؟ أم سيقبى عدلي منصور رئيساً مؤقتاً؟ إذا كانت الحالة الأولى وبكامل صلاحيات الرئيس، فإنَّه من السهل جداً إنهاء الاعتصامات، وإذا كانت الحالة الأخرى، فإنَّ سفك دماء المعتصمين في صلاة الفجر والهجوم على ميدان رابعة العدوية واعتراض المسيرات المؤيدة للشرعية لعشرات المرات وقتل العشرات منها، لم يثنِ المعتصمين ولم يجبرهم على التراجع شبراً واحداً عن أماكنهم، ووصل الثبات بالمعتصمين إلى عقد القران وصناعة الطائرة وتحويل الميادين إلى مطابخ ومصانع ومراكز ترفيهية لأطفالهم، وملاعب كرة قدم لفريقي النهضة والعدوية …

الغريب في أمر تجمع الشخصيات المستقلة (الذي يدّعي أنَّ عناصره مستقلة) رغم انطلاقه قبل عدة سنوات، أن غالبية شخصياته لم تستطع الإسهام ولو قيد أنملة في تحقيق المصالحة الفلسطينية التي أملتها الحاجة الوطنية بعد حدوث الانقسام الفلسطيني في منتصف عام 2007م.

وربما الأدهى والأمر من ذلك، أن تجمع الشخصيات المستقلة ارتبط باسم رئيسه وعددٍ محدودٍ جداً من الأعضاء المقربين إليه، فالتجمع يتمثّل بشخص رئيسه، ورئيسه هو التجمع، ومن المعلوم لدى كثير من المقربين بالتجمع أن رئيسه إما ينتمي فعلياً لحركة فتح، أو هو أبرز المقربين إليها في التجمع، وبالتالي تنتفي صفة الاستقلالية عن التجمع وأعضائه، ولم يكن مستقلاً فعلياً في التجمع إلا الكاتب والباحث “تحسين أبو عاصي”، حيث حصلت انشقاقات في صفوف التجمع في النصف الثاني لعام 2010م، وبالتالي خرج أبو عاصي من التجمع بلا عودة.

وأذكر جيداً أنَّ أحد المشاركين في حوارات القاهرة من أجل تحقيق المصالحة حينما سألته إحدى القنوان الإخبارية عن دور المستقلين، أجاب “هم عامل تثبيط، وهم عامل تأخير وإعاقة للمصالحة، وهم منتفعون، وكذب من سماهم مستقلين، وخاب من ظن أن فيهم خيراً، قاموا بالنبش عن بعض القضايا التي لا داعي الخوض فيها”.

وإذا كان تجمع المستقلين قد فشل في الإسهام في تحقيق المصالحة الفلسطينية، فإنه حتما سيفشل في تحقيق المصالحة المصرية، وربما كانت بوادر هذا الفشل قد تمثَّلت في استنكار واستغراب السفير المصري لدى السلطة الفلسطينية “ياسر عثمان” للمقترحات التي قدمها التجمع. حيث اعتبر السفير أن “هذه المقترحات لم يتم التشاور أو التنسيق مع بلاده بشأنها، وأن الموقف الفلسطيني الحقيقي هو رفض التدخل في الشأن الداخلي لمصر”. وبعد كتابة نص المقال وجدت تصريحاً عبر صفحات الانترنت لرئيس التجمع بالضفة الغربية “خليل عساف” أعلن فيه أن “المبادرة ماهي إلا اجتهاد شخصي من أحد أعضاء التجمع دون أن يكون هناك تشاور مع أحد بها”.

ويمكن القول إن المكسب الوحيد الذي سيسجله التجمع هو التسويق والدعاية لنفسه عبر بعض وسائل الإعلام بأنه تقدم بمبادرة، وإن كانت بنودها بائتة ومكررة، ومن هنا يسعى التجمع نحو نسج المزيد من العلاقات مع الفصائل المصرية والقيادة الجديدة والجيش، وبالتالي تحقيق المزيد من الإنجازات والمآرب الشخصية.

وختاماً، بعض اتفاقات المصالحة اقترحت أن يتولى حكومة الوحدة الوطنية عدداً من المستقلين والكفاءات والأكاديميين، ومن هنا يعتقد بعض المستقلين أن المرحلة القادمة ستكون لهم، وأنَّهم نخبة الشعب الفلسطيني الذين سيشكلون الحكومة الفلسطينية المقبلة، باعتبار أن الشعب الفلسطيني سئم من فصائله وأحزابه، وبالتالي فإنهم البديل “المؤهَّل” عن الفصائل، وهذا ما جعلهم يحشرون أنفسهم في غالبية المستجدات على الساحة الفلسطينية.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0 0
احمد دلول
كاتب وباحث سياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.