اجتماع تغريدات مختارات

تأملات في واقع المقيم والمغترب مع بداية العام الجديد

فلسفة الرحيل والنسيان المتبادل

بقلم/ د. محمود الحرثاني

يوشك الراحل (العام أو الإنسان إلخ) على الرحيل فيبدأ من حوله بافتقاده ويقوم هو بنفس الشيء. يذكرون محاسنه ويتناقلون مآثره من باب التشبث بالمألوف. وبدروه هو لا ينسى العشرة، فيوشك أن يعود صبابةً، لسان حاله: وَتَلَفّتَتْ عَيني، فَمُذْ خَفِيَتْ، عنها الطلول تلفت القلب. وحشة انتهاء العام تغري الناس بالاحتفال خشية الشعور بالتيه والفراغ والفجوة التي يخلقها رحيله. وشرط تبدد الوحشة، جماعية شعائر الاحتفال والانتقال. ثم يذهب فينسونه إذ يستقبلون عامًا جديدًا، وينساهم بدوره، وتمضي عجلة الحياة الجبارة لا تأبه بحضورهم ولا بغيابه.

وبالمثل، يتغلب الناس في حياتهم على مرارات الفراق بوعد التواصل وعود اللقاء. وشد ما يحصل هذا عندما تكون غربة المرء عن أهله في بداياتها. يصر هو على التواصل ويصرون. وتمضي السنين فيبني الغريب على مهل مجتمعًا جديدًا في بلاد الغربة يصبح بالتراكم أقرب إليه من المجتمع الذي تركه خلف ظهره. فتتسلل البرودة إلى علاقته بالمكان الأول والأشخاص رويدًا رويدًا وتتحول في طبيعتها من الحميمية العفوية إلى الحميمية المصطنعة، وتلك مرحلة حاسمة.

وفجأة يكتشف أن عالمًا آخر يسكنه، فتتلاشى الحميمية المصطنعة في علاقته بالمكان الأول وبأهله، حتى تصبح علاقة ميكانيكية لا طعم لها ولا رائحة، اللهم إلا في القليل النادر. ولهذا لا يفضل كثيرٌ من المغتربين العودة إلى ديارهم بعد مضي فترة من الزمن، وأقصى ما يمكن أن يصنعوه تعبيرًا عن بقايا الانتماء هو أن يصنعوا مثلما صنع ماجد سرحان وإدوارد سعيد وهو أن يدفن في بلده (سعيد دفن في بيروت، بلد والدته). وتجد أحدهم لا يني يردد بأسى: “فزعانة يا قلبي أكبر بهلغربة وما تعرفني بلادي”. الحقيقة أنها هي تفزع من أنها لم تعد تعرف بلادها أيضًا. وتزداد الشقة ويتعزز الاغتراب حين تكون الفجوة الحضارية واسعة بين بلد المنشأ وبلد المستقر، فإذا انعدم الأمن في بلد المنشأ ينتقل الاستقرار بعيدًا عنه من منزلة الاختيار إلى منزلة الضرورة، وتلك مرحلة النسيان الكامل والذكريات الدارسة. والله أعلم

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0 0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.