سياسة عروض كتب مختارات

لوحة مؤثرة لإنسان يؤمن بإنسانيته في مقتطفات من كتاب ابن الجنرال

مقتطفات من كتاب (ابن الجنرال)، تأليف ميكو بيليد، ترجمة محمود محمد الحرثاني

نشر الدار العربية للعلوم ناشرون، بيروت، 2013.
من تصدير المترجم:

هذا الكتاب لوحة مؤثرة لإنسان يؤمن بإنسانيته، ويدافع عنها مهما كلفه ذلك.

نشأ الكاتب، ميكو بيليد، صهيونيًا، يحب وطنه، ويهيم بصورة الجندي الإسرائيلي ويتمنى أن يصبح عضواً في الوحدات الخاصة ويعتمرَ القبعة الحمراء رمز القوة والإقدام في إسرائيل.

كان حلمه النهائي أن يصبح جنرالاً مثل أبيه، ماتي بيليد، الذي قاد سرية اشتهرت ببسالتها في حرب 1948.

تتحقق أمنية ميكو بدخول الجيش والالتحاق بالقوات الخاصة، ويعود ذات يوم والقبعة الحمراء على رأسه، وفي قلبه فخر قومي لا حدود له.

ولكنه يكتشف فجأة أنه لا يريد أن يصبح جنرالاً بل إنه يلقى بالقبعة ومن وراءها طموحه العسكري، ويشرع في حياة جديدة يسافر معها هذا الكتاب في الزمان على طول عقود وفي المكان عبر العالم: من أمريكا إلى اليابان ومن بلعين إلى غزة؛ ومن إسرائيل إلى فلسطين!

كل جزء من سيرة ميكو يؤكد عظمة الإنسان عندما يؤمن بعقله ويترك القوالب الثقافية الجامدة وراءه ظهرياً، ويجعل العدل والحق غايةً نهائية يعيش من أجلها.

تبدأ معركة ميكو مع نفسه عندما يكون في دورية داخل أراضي الضفة الغربية ويشعر أنه ورفاقه من الجنود “الشجعان” يهلكون حرث فلاح فلسطيني بسيط في الضفة الغربية دون سبب، وعندما يراجعُ ميكو الضابطَ، مشيراً إلى أن هذا أمر غير لائق، ينهره الضابط ويأمره بالعودة لمكانه في الدورية.

بعد ذلك يرتحل ميكو في الزمان والمكان، وتتطور نظرته النقدية الضدية لكل سلوك تسلكه إسرائيل تجاه الفلسطينيين، فيتخلى تدريجياً عن حلمه الصهيوني حتى يصل مرحلة وصفها، في هذا الكتاب، بقوله: “لم يعد لدي أي رابطة عاطفية مع الصهيونية”، وذلك بعد عدة تجارب مريرة أوصلته إلى تلك النهاية المحتومة.

من هذه التجارب تجربة سمعها مبكراً من أمه، زيكا التي أشربته معاني السمو صغيراً برفضها سلوك إسرائيل ضد الفلسطينيين بل وشعورها بالعار إزاء ما يرتكبون من جرائم.

فقد أخبرته أن الجيش الإسرائيلي عرض عليها بيتاً عام 1948 في القدس كونها زوجة ضابط كبير ولكنها رفضت، متسائلة: “أنا آخذ بيت عائلة ربما تعيش الآن في مخيم لاجئين؟ بيت أم أخرى؟ هل يمكنك أن تتخيل كم يفتقدون بيتهم؟ لقد كان شعورها بالعار إزاء ما يفعل الجنود، وتعبيرها عن ذلك مراراً منارة في طريق ميكو نحو إعادة الاعتبار لذاته المتمردة. وعلى عكس الضباط الكبار، كان على والد ميكو، الجنرال ماتي، أن يكد ويجتهد كي يؤمن له ولعائلته بيتاً من عرق جبينه.

ولكن التجربة الأكثر إيلاماً في حياة ميكو، كانت مقتل صمدار ابنة أخته نوريت، ولقد كُتب لتلك الحادثة أن تنقل ميكو إلى مستوى جديد وحاسم من النشاط السياسي.

أما والد ميكو فهو الجنرال ماتي بيليد، الذي كان واحداً من ألمع الضباط الشباب في حرب 1948، كما اضطلع بدور رئيسي في دفع الحكومة الإسرائيلية نحو الحرب ضد مصر 1967، عندما كان عضواً في هيئة أركان الجيش.

ويُعزى إليه بناء الجيش الإسرائيلي إذ قاد دائرة الدعم اللوجستي، أو دائرة اللوازم، في الجيش وتعامل مع ميزانية ضخمة شهدَ له الجميع بحسن إدارتها عبر السنين.

ولكن هذا الرجل الذي ولد في فلسطين وعرف أهلها، وكانت جنسيته بحسب جواز السفر: “فلسطيني”، لا يلبث أن ينقشع الوهم عن عينيه ويشق طريقاً جديداً فيتقاعد من الجيش ويحاول أن يفهم ذلك الشعب الذي سلبته إسرائيل أرضه، فيقرر أن يدرس الأدب العربي، ليقع في حبه وحب أهله ومن ثم يتحول ماتي بيليد من جنرال مهيب الجناب إلى محاضر في الأدب العربي بجامعة تل أبيب.

في تلك الأثناء تبلورت لديه رؤية لحل الصراع، فكان من أوائل الذين فتحوا خطوط اتصال مع الفلسطينيين وتطورت علاقته معهم والدفاع عن حقوقهم حتى انفض عنه الإسرائيليون وأصبح متهماً بأنه “حبيب العرب”.

إن الترجمة نشاط اجتماعي سياسي، ورسالتها تتعدى مفهوم نقل نص من لغة إلى لغة أخرى. ولذلك تجاوزت دراسات الترجمة المعاصرة الثنائيات التقليدية عن “الترجمة الحرفية” مقابل “الترجمة الحرة” و”الترجمة المخلصة” مقابل “الترجمة غير المخلصة” وما ماثلَ تلك القوالب الجامدة التي تُعنى فقط بالمدلول اللغوي للألفاظ.

وإنما تدرس الترجمة في الوقت الحاضر اختيارات المترجمين وأبعادها، والناشرين والدوافع الاجتماعية السياسية الكامنة وراء اختيارهم لكتاب ونقله للغة معينة. وعليه يدرس الباحثون خلفية المترجم الاجتماعية والسياسية قبل أن يدرسوا النص المترجَم. وأحياناً تكمن شخصية المترجم في ترجمته كلمة من النص الأصلي بكلمة معينة دون أخرى من مرادفات تلك الكلمة في النص الأصل.

فلن تجد مترجماً فلسطينياً مثلاً يترجم عبارة “الإرهاب الفلسطيني”، كما هي بل ستجده في الغالب يستبدلها بـ”المقاومة الفلسطينية”. والواقع أن هذا أمر في غاية الأهمية، ولذلك فإن رسالتنا من ترجمة هذا الكتاب هي أن تشيع سرديات المقاومة الإيجابية بهدف تفكيك الاحتلال الاستيطاني في فلسطين، الذي يفت في عضده الظلم الكامن في طبائعه أولاً، ويكسر شوكته الحجر، وغيره من كل ما سمحت به الشرائع؛ وتهدم بنيانه الكلمة إن أُحسن استثمارها وشغلت الحيز الذي تستحقه في المجال العام، أليس “في البدء كان الكلمة”؟

  • محمود محمد الحرثاني
    من غزة، فلسطين
    يحمل درجة الدكتوراه في الترجمة والدراسات الثقافية من جامعة مانشستر بالمملكة المتحدة؛ محاضر دراسات الترجمة والدراسات الثقافية بجامعة الأقصى بغزة، فلسطين.

اٌرأ أيضا:

قراءة في كتاب دماء ولكن للباحث بسام أبو دياب

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.