ثقافة سياسة

تجارب العيش في أماكن صراع بين دولتين أو حزبين

ذكريات من الغربة تقصها كاتبة من عمق تجربة !

بقلم/ أمنية أبو سويرح

“تخيلي أنكِ في مكان آمن”.

تلك كانت جملة الفتاة التي شاهدتها وهي تلعب دور طبيبة من المسلسل الأمريكي The X-Files. بدت من خلال الفيديو وكأنها فعلا تحادثني، وكأنها تعلم فعلا أنني بحاجة مكان آمن أتلاشى فيه. فأطعت.

أغمضت عيني. كانت رؤيتي ضبابية بعض الشيء ولكني استطعت رؤية نفسي. أقف في منتصف غرفة منقطة بالأبيض والأسود والرمادي، تبدو كشاشة التلفزيون المشوش عندما يعطل. ورويدا، رويدا، بدأ المكان الآمن بتشكيل نفسه حولي دون حتى أن أستحضره.

تجمعت الحجارة حولي، ومن ثم بدأت قطع الأثاث بأخد موضعها الملائم. وجدت نفسي في صالة بيتنا القديم. تقويم كبير في منتصف الحائط على اليسار يحمل عام 2013 وفوقه لوحتان صغيرتان لمناظر طبيعية إحداهما كوخ يتوسط بحيرة من الماء عليها علامات أظافر اعتادت طفلة أن تكشط بهم ألوانها. في زاوية الغرفة هناك تلفاز وعلى جانبيه كنبتان مفردتان لونهما بنفسجي مزين بالذهبي، اليمنى للطفلة واليسرى لأختها الكبرى وفي الزاوية المقابلة كنبتان كبيرتان مشابهتان لأبويها تشكلان حرف L بالإنجليزية.

على يسار إحدى الكنبتين باب يؤدي لغرفة أبويها. وقفت على بابه مرة ممسكة ريموت قديم للتلفاز تغير القنوات دون علم أبيها فاحتار الأخير وتساءل إن كان هناك عطل في التلفاز فقام ليطفئه ولم يرها إلا تستند على الباب وهي تضحك عليه. دعابتها نجحت ووقع في الفخ فضحك معها على ما صنعت.

وبجانب الباب، باب آخر يؤدي لغرفتها هي وأختها، حيث استيقظت في يوم ظهور نتائج التوجيهي في السابعة صباحا لتفتح موقع وزارة التربية والتعليم منتظرة نتيجتها. حيث تشاجرت هي وأختها على السماعة وعلى من يقع الدور لارتدائها لتشاهدا فيلما على شاشة الكمبيوتر.

وخلفها باب حمام وعلى يمينه الباب الذي يؤدي إلى المطبخ الذي بكت فيه حزنا ولوعة على فراق هذه الشقة المتواضعة التي كانت لها بيتا ومأمنا طوال سبعة عشر عاما. ويؤدي المطبخ للحوش الذي تقبع فيه دراجتها الهوائية ذات عجلين خلفيين التي امتلكتها لأعوام بعد أن سُرِقت سابقتها. وأمامها باب يؤدي للصالون الذي احتضن أفراد عائلة عمها في كل زيارة لهم من سلطنة عُمان.

وفي الصالون مكتبة فيها دفتر بني يتخفّى بين الكتب. فَتَحَته خلسة ووجدته مقسم كالمعاجم، كل عدة صفحات تحمل حرفا من الحروف العربية وأسئلة، يعود لأبيها عندما كان يشارك في مسابقات المعرفة قبل أن يغزو الشيب رأسه. وفي ذات الدفتر، في منتصفه بالضبط، حوالي عشرون صفحة فارغة، وفي منتصف تلك العشرين، صفحة واحدة مكتوبة. كانت أمها قد خطتها عن يوم وفاة ابنها ذي العام. أخ الطفلة الذي توفي قبل ولادتها بثلاث سنوات.

وبجانب المكتبة، على يسارها، باب حمام، وعلى الحائط بينهما حفرت الطفلة أول حرف من اسمها بالمفك الذي أخذته خلسة من صندوق العدة الخاص بأبيها. وعلى يسار باب الصالون من الخارج جهة الصالة، باب الشقة الذي يؤدي إلى الدرج وشقق الجيران وباب العمارة الزجاجي. صباحات باردة كثيرة قضتها الفتاة داخل العمارة بانتظار باص المدرسة.

فوق شقتها بالضبط، تقع شقة جارة هندية تعلمت الطفلة من ابنتها الصغرى كيف تكتب الأحرف الإنجليزية متصلة. وعندهم أيضا حاولَت قضم كأس من الزجاج أدمى شفتها السفلى بعد أن رأت رجلا يأكل الزجاج على التلفاز. وبعد انتقال العائلة الهندية، سكنت امرأة لبنانية وزوجها الفلسطيني. كانت اللبنانية ذات شعر ذهبي يشبه في قَصّته شعر الأميرة ديانا.

ذلك كان مأمني الذي لم أختره، بل اختار نفسه لي. في منطقة صغيرة تصارعت على ملكيتها دولتان — الإمارات وعُمان — حتى انضمت للأخيرة. يبدو أن قدرنا دوما أن نعيش في أماكن صراع، بين دولتين، بين حزبين، بين سلطتين.

اقرأ/ي ميزان الظلم في منهج التبعية لدى بعض المجتمعات

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.