دين مختارات

ميزان الظلم في منهج التبعية لدى بعض المجتمعات

لافتة .. الظلم

بقلم/ عز المصري

منذ انطلاق دعوته، تأسس الاسلام في مسيرته ونصوصه كدعوة لكرامة الانسان، وثورة ضد الظلم والواقع الفكري والسياسي والحضاري بالعموم، هذه الثورة الشاملة على كل مظاهر الظلم والاستعباد، لم تكن لتقوم لولا إيمان أصحاب الدعوة الواثقين بذواتهم وانسانيتهم الكاملة، فقامت على أكتافهم دولة وحضارة؛ تحققت بإنسانيتهم ووعيهم بالذات ليس بشكل انعزالي متقوقع بل بحركة دؤوبة لم تكتف بالخلاص الفردي، بل بوعي أدركت من خلاله الشخصية المسلمة التى بدأت بالإيمان المبني على الوعي “اقرأ “، فأدركت موقعها ودورها في الوجود، وأدركت موقفها من قضية العدالة، وخطيئة القبول والتبرير بالجهل أو التبعية، لأنها تناقض وعي الفرد بإنسانيته وذاته، وبالتالي فهي نقص في حرية الإنسان وفي تحمله لمسؤوليته.

وأمام الله عز وجل، وفي محكمة التاريخ لا حجة يمكنها أن تسقط واجب الانسان في موقفه ضد الظلم، بأي وسيلة تيسرت له، سواء بالسلاح والساعد -وهي أعلى مراتب الإيمان- أو صوته، أو قلبه حين تعجزه الوسائل، وتنسد عليه الطرق وهو أضعف الإيمان، لكن المؤمن القوي خير وأحب إلى الله، لأنه هو المؤمن الذي تقوم عليه الثورة، وبنيان الأمة الحضاري، وهو الذي يضمن العدالة للإنسان.

إن قضية العدالة مطلقة، ومرتبطة بالإنسان بالمطلق، ولا تتأثر قضية العدالة بالمحبة والكراهية:

“وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى”(المائدة 8).

ولا تغيرها طبقة السلطة والمال، “إنّما أهْلكَ مَنْ كان قبلكم أنّه إذا سرق فيهم الشّريفُ تركوهُ وإذا سرق فيهم الضّعيفُ قطعوه” (حديث شريف)،

ولا يلغي الأمر بالعدل والقسط اختلافُ الفكر والدين، “لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ” (الممتحنة 8).

فمن أول صفات الثائر الحر صاحب القضية والموقف، وما يميزه عن غيره، هو حساسيته ضد الظلم، مهما كان معتقده او ديانته، لأنها دليل على يقظة الضمير الإنساني للفرد، ومعيار صحة الجسم الأخلاقي لأي ثورة وقضية وجماعة، وعلى هذا المعيار تقوم القضايا وتستمر الكيانات البشرية.

لكن حين يقع الظلم من جماعة مهما كان انتماؤها أو معتقدها، أو قيادة سياسية أو دولة، ولا يقف في وجهها الأحرار، ملوحين بقبضات الغضب، شاهرين سيف الحق لحماية المظلومين، ولا تشتعل الحناجر بالهتاف ضد الظالمين- أيَّا كان تسميتهم أو انتماؤهم – ولم تتحرك القلوب الصادقة، حينها سنكون كلنا سواء في تحمل وزر هذا الظلم، ولم يعد هذا ظلم المباشرين له وحدهم، بل سنتحول كلنا إلى أمة ظالمة، “وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ” (الأنفال 25).

قد يستغل الظالم الشرع والقانون، ويغدو أداة في يده، وتتحول المحاكم بأمره ليسخر من ضحاياه، ويتحول الدين إلى لعبة المنتصر، وصوت المظلومين يخفت تحت لسع سياط الجلادين، ولا يسمع لأناتهم سوى صدى اللامبالاة السحيق، ويتحول المصلحون والثوار، وأصحاب الرأي والحكمة إلى مبررين ومثبطين، جاعلين من رؤوسهم دعائم ساكنة لبنيان الظلم، موهمين أنفسهم أنهم يصلحون البيت من الداخل، وتصبح مصلحة الحزب أو الجماعة، ومكتسبات التنظيم والعلاقات العامة؛ أهم وأجدى من كلمة الحق، ويتحول المناضلون والمقاومون إلى مستبدين، ويمسكون بسياط جلاديهم القدامى، ليجلدوا بها ظهور المقهورين على كراسي القهر التى ذاقوا طعمها من قبل، وتلعن الشعارات خيانة أصحابها، ويخرس صوت الحق والحكمة دفينا تحت خطابات التبرير للخطايا، وتتلاشى رابطة التراحم، ويسود شرع القوة المتغلبة، وتنفضح هشاشة البنيان مع أول رياح تعصف بهشيم الآفلين.

“الظلم مؤذن بخراب العمران” كما يقول ابن خلدون، و”الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة ولا يقيم الدولة الظالمة وإن كانت مسلمة” كما يقول ابن تيمية، وحين يغيب الأساس الأخلاقي ويتم شرعنة الظلم وتستسيغه الجماعة، وتبرره منابر الرأي والسلطة، ويضمحلّ المصلحون، فإن بنيان الأمة وهمٌ كبير على شفا هاوية، ومآله الانهيار حتماً.

إن الأسوأ والأخطر من الظلم نفسه، هو تطبيع ذلك الظلم، وجعله أمرا مقبولا ومستساغا، وجعل البيئة قابلة له ليستمر وينتشر ويتجذر، ويحصل ذلك بعدم مواجهة الظلم بالطرق الكافية، أو بعدم المعرفة بوقوعه أو بحجمه الحقيقي.

وإن من المحزن أن يُنصب الثوار انفسهم دروع صد، وأبواق تبرير لظلم الطبقات الحاكمة، والسكوت عن القهر الذي يعاني منه المحكومين، ولا يقفون في صف المسحوقين والمعذبين، ليقولوا للظالم في وجهه أنت ظالم، وإلا كانوا هم واياه شركاء…

وعند الله ستجتمع الخصوم !

اقرأ/ي الفجوة في الفتاوي الدينية في مرحلة تاريخية حرجة

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0

2 Replies to “ميزان الظلم في منهج التبعية لدى بعض المجتمعات

  1. Howdy! Do you know if they make any plugins to help with SEO?
    I’m trying to get my blog to rank for some targeted keywords but I’m not seeing very good gains.
    If you know of any please share. Many thanks!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.