دين مختارات مقالات

الفجوة في الفتاوي الدينية في مرحلة تاريخية حرجة

فتاوى متأخرة

بقلم: ربا قنوع

تعيش المجتمعات العربية والإسلامية في مرحلةٍ تاريخيةٍ حرجة، تكاد لا تعرف كيف تسير وإلى أين أنت ذاهب؟!

في ظل بوتقة من المتغيراتِ الأيديولوجيةِ والثقافيةِ والسياسيةِ والاجتماعية التي جعلتنا نشعر أننا نعيش في زمنٍ غريب.

تارة نصفه بالعبثية، وتارة بالحداثة وتارة أنه ليس زماننا، ما جعلنا نغرق في وحلِ الصراعاتِ المزمنةِ بين الإيجاب والقبول، وحتمية العيش بسعادة ورضا، وضرورة التغيير والتطوير، وفريضة الحياة .. فنحن هنا باقون.

هذه الأنفاس أجهدتها أعباء الحياة وأثقلت موازينها رغبات الإنسانية المجبولة لوجودها، مما أدى إلى تعارك الأدمغة، وتزاوج الأمزجة، وتضارب المصالح، وتطاول الألسنة .. وحدث ولا حرج.

وبالرغم من وجود مصادر التشريع الإسلامي الكاملة والشافية لجميع جوانب الإنسان والحياة، إلا أن المسلمين غيروا وحرَّفوا وبدًّلوا في مواطن كثيرة، فاختل توازن الإنسان ذاته ومع من حوله، ومع المجتمع نفسه، وقس على ذلك المجتمعات المجاورةوالبعيدة؛ ما أدًّى إلى خطاب حضاري عقيم، وخبرات مبتذلة، وطاقات مستنفذة، ومآرب قذرة، جلّها هيمن عليها فرسان المرحلة الذين اصطادوا مناصبهم من وحي مشاهد تمثيلية فباتوا الأسياد بلا منازع، ومن أكذوبة صنعت في غرف مغلقة بعيدة عن الحكاية الأصلية.

كل هذه الأحداث تسير بين أحضان الحاكم والقاضي والجلاد والشعب.

ولكن يظل القلب ينبض بأسلمة الروح والجسد، والهوية تسجل بالجنسية المسلمة، بخطٍ عريض.

فهذا الشكل الجميل لا زال يحافظ على أجمل ديانة في الكون بلا خلاف، ولكننا اختلفنا في ساحة الميدان، وترجمة الأفعال، وتطبيق التغريدات.

فالقيم خالفت طريقها، والمبادئ اكتفت بالحفاظ على تراثها، ونظرياتها المعلنة والأهداف تشاجرت مع أخواتها بسبب خلافات استراتيجية منذ سنين طويلة؛ فانعدمت الرؤية وضاعت الغاية.

ومن هنا تبرز القضية الجدلية بين الحق والباطل، في ظل تواجد نظريات ومذاهب ومدارس متباينة، وجلها يتحلى بالشعارات الرنانة والعناوين البراقة.

فبات لكل واحدٍ منهم جمهوره وحشوده الخاصة التي تبرز في الساحات الدولية والمحافل السياسية والمجتمعية.

ومع هذه المتزاحمات المتوارثة يتبع المواطنون رغباتهم ومصالحهم الشخصية النابعة من ميولهم واتجاهاتهم، فمنهم المتقلب والمتعصب، والثابت ..

كل هذه الخلطات الواقعة في محل رهان قابل للرفض أوالتأييد، فما هي إلا نفسية قطيع كما قال “هاملتون” في نظريته الفلسفية الفرد الأضعف أو الأقل نفوذاً أو مالاً يتبع من هم أقوى منه وأشد نفوذاً؛ كما هو حال السياسة والحكومات على مدار التاريخ.

وهذا المفهوم وارد في ديننا الحنيف كما ذكر الله تعالى: ﴿وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾

فأغلبية المسلمين يغرقون في شباك التبعية والتقليد الأعمى دون تفكير منطقي، أو تأمل واقعي في المجريات والنتائج المتوقعة،هذه الجزئية بالتحديد يجب على المسلمين محاربتها ومعالجتها.

ولأنها سنة كونية وضرورة بشرية كما ذكر الله عز وجل في كتابه الكريم ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾ سيستمر قانون التدافع بين الحق والباطل، والتنافس بين النقيضين من أجل التغيير والتطوير، وكل يدافع عن أهدافه من منظوره الأيديولوجي، فأصحاب الحق يسعون لنصرة الحق والعدل والمساواة وتحقيق العبودية في الأرض، أما أهل الباطل يرون أنفسهم الأسياد وغيرهم العبيد وقتلهم ونهبهم واستغلالهم حلال.

وهذه المجريات تصب في وعاء أصحاب الدعوة الإسلامية والرسالة المحمدية.

فالمسؤولية عليهم كبيرة وأعباؤها ثقيلة، ولكن عددا لا باس به من أفرادها شابه الغلط والملل والتراجع في ظل أوقات أعمالها فاقت أعمارنا، وجهود طالت حياتنا، وصراعات نالت من بقائنا، وذلك نتج عنه المزيد من التجاوزات والمخالفات الشرعية والعرفية ولبس أقنعة غريبة وتأنيث الرجال كما العكس، وانتهاك الحقوق الخاصة والعامة، وخلط الحابل بالنابل، والقائمة تطول وتطول.

لذلك نتج عنها بأنهم أظهروا صورة سلبية للشيخ والداعية المسلم، إلا من رحم ربي، فهو الرجعي في حياته، والذي يغرد في وادي الواق واق، والذي يتعامل مع النظريات البعيدة عن التطبيق.

وذلك تجلى مع وجود فتاوى متباينة تتأرجح بين الفينة والأخرى بين الحرام والكراهة والحلال، وانفصامها عن منظوماتها المؤسساتية، كأنها أغرودة لحظية تدغدغ المشاعر الملتهبة.

وحتى لا نخرج من صلب الموضوع يجب علينا أن نوحد موجه الخطاب بين الحاكم والمحكوم، القاضي والمتهم ورب الأسرة وأبنائه، ونزيل من وحي الذاكرة بصمات الفتاوى المتأخرة، ونجدد دورها الأساسي في التأصيل والتفعيل في كل مناحي الحياة.

Facebook Comments Box

Share and Enjoy !

0Shares
0 0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.