مختارات مقالات

البروفيسور الأسطة يروي تجربته مع الشهادة الجامعية

البروفيسور عادل الاسطة يكتب

أنا والجامعة 10: الشهادة أولا

في الجامعة لا يسأل عن ثقافتك وقدرتك على العطاء قدر ما يسأل عن درجتك العلمية.

كانت الجامعة في بداية تأسيسها تحتاج إلى حملة شهادات عليا لتقنع الآخرين بمستواها العلمي وبأنها ليست معهدا أو مدرسة، وكان لا بد من حملة الدكتوراه، وهكذا سعت إلى التعاقد مع أعضاء هيئة تدريس من حملة الدكتوراه حتى لو كانوا حصلوا عليها من جامعات ضعيفة وبالانتساب أيضا. نظرت الجامعة، من أجل سمعتها أمام الآخرين وإقناعهم، وهذا من حقها، إلى المسمى حتى لو كان صاحبه مجرد متعلم عادي والمسمى أكبر منه.

درس في قسم اللغة العربية أعضاء من حملة الدكتوراه كانوا معلمي مدارس بالدرجة الأولى، ولم يكونوا مثقفين أو قراء جيدين، وكان نتاجهم العلمي شبه معدوم وفقيرا جدا، ومع ذلك كانوا مزهوين بشهاداتهم التي نقلتهم من المدرسة إلى الجامعة، وهكذا غادروا مدارس دول الخليج فرحين عائدين إلى جامعة في بلدهم.

عندما عينت في القسم كنت أحمل شهادة الماجستير وكان زميلي الأستاذ فتحي خضر يحمل درجة البكالوريوس، وفي هذه الأثناء عاد قسم من المبعدين من حملة الدكتوراه.

في اجتماعات القسم، حين كانت هناك قضايا تتطلب التصويت، وبخاصة في قضايا التعيين، كان بعض الدكاترة يقول علنا وبصوت مسموع واضح:

– الزملاء ممن لا يحملون درجة الدكتوراه يحق لهم الإصغاء ولا يحق لهم التصويت.

وكانت عباراته ولهجته تشعرنا بأننا فائضون عن الحاجة، وهذا جعلني أفكر جديا بضرورة الحصول على الدكتوراه. كما لو أن الشهادة فقط هي التي تمنحك المكانة، وعدا ما سبق فإنك إن كنت عضو هيئة تدريس في جامعة، وجب عليك أن تطور نفسك وأن تواصل القراءة والكتابة، فالشهادة ليست سوى خطوة أولى.

غالبا ما كنت في محاضراتي أقول للطلبة إن الدكتوراه ليست سوى رصيد في البنك عليك أن تضيف إليه لأنك إن لم تفعل فسوف ينقص حتى يتلاشى، وكذلك المعلومات.

كانت مشكلة الجامعة، وما زالت، أنها لا ترسل المبعوثين على نفقتها هي، وأنها تعتمد على المنح والبعثات التي تقدم لها من الدول والمؤسسات، وغالبا ما كانت هذه الدول والمؤسسات غربية، ما جعل إمكانية مواصلة دراستي أمرا صعبا ومتعذرا، ومع ذلك فلم أستسلم. (هذا الظلم بحق قسم اللغة العربية استمر وما زال حتى في حالة تجديد العقود وتدريس مساق اللغة العربية مقابل تدريس مساق اللغة الانجليزية وهو ما سأكتب عنه لاحقاً). كان لا بد من التخلص من الإصغاء إلى حملة الدكتوراه وعباراتهم التي تشعرك بأنك أقل منهم مكانة.

في تلك السنوات كنت تزوجت وخلفت طفلتين وكان راتبي جيدا، ولكنه لا يمكنني من التفرغ لإكمال الدكتوراه، وهكذا فلا بد من البحث عن منحة.

كانت مؤسسة ال DAAD، وهي مؤسسة أكاديمية ألمانية للتبادل الثقافي مع العالم الخارجي، تقدم منحا لا تستثني منها طلاب اللغة العربية والأدب العربي، وقد عرفت أن زملاء كثيرين لي في الجامعات الأردنية سافروا إلى ألمانيا لإكمال الدكتوراه فيها، وهكذا تشجعت للدراسة هناك، علما بأنني لم أكن أعرف الألمانية نهائيا.

السؤال الذي ظل يسأل هو: أدب عربي في ألمانيا؟

منذ فكرت في الدراسة هناك أصبح السؤال يجري على لسان الجميع، وحين عدت ومعي درجة الدكتوراه كتبت أوضح الأمر للمتسائلين.

ما يجدر الإشارة إليه هنا هو أنني خلال عملي محاضرا ما بين 1982 و 1987 كنت أثقف نفسي باستمرار، وكنت إلى جانب عملي محاضرا أرسخ اسمي كاتبا، فقد واظبت على كتابة مقال أسبوعي في جريدة ” الشعب ” المقدسية التي كنت أحرر صفحتها الثقافية. تطلبت كتابة المقال مني القراءة والقراءة، ولا أبالغ حين أزعم أنني صرت أقرأ أكثر من حملة الدكتوراه ممن كانوا يسندون أنفسهم، بالدرجة الأولى، باللقب العلمي. إن الثقافة والمطالعة والكتابة لا تشفع، فما يشفع هو الكرتونة وحسب، وجامعة النجاح الوطنية لم تكن في بداياتها جامعة عريقة تجيز لحامل الماجستير المثقف فيها أن يشرف على طالب الدكتوراه. في الجامعات العريقة كما كنت أسمع كان المثقف المشهود له بالكفاءة والبحث والإنجاز يشرف على طلبة الدكتوراه حتى لو لم يكن حاصلا على شهادة الدكتوراه.

في جامعاتنا لا يجوز لمن هو برتبة أستاذ مساعد أن يشارك في التصويت على ترقية أستاذ مشارك إلى رتبة أستاذ دكتور حتى لو كان يبذ حملة الأستاذية ثقافة وعلما.

 

البروفيسور الأسطة يكتب عن تجربته الدراسية في مرحلة الدراسات العليا

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
روافد بوست
كاتب وباحث سياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.