ثقافة

صباح الخير يا أبي

رسالة: “صباح الخير يا أبي” .. من الصحفية هدى إلى والدها الأديب أحمد بارود

كتبت/ هدى أحمد بارود

     صباح الخير يا أبي، ها أنا ذا أعود للكتابة لكَ بعدَ اتفاقنا المُسبق على أن ننهي هذا الفصلَ من الحكاية.
أنا آمنت بالموت، وأنتَ رحلت. ربما لم نتفق على وقف سيل الهموم التي أكتبها ولا تردَ عليها، ولكن أظنكُ بعدَ كل تلك الرسائل المُرهقة زادَ خوفك عليَّ وقصرت يدك، أو لعلي أُبرر غياباتي الطويلة بحجج واهية أُلصقها بك.
قُلتُ لكَ في رسالتي الأخيرة إنني لا أعرف إن كنت تقرأ ما أكتب لذا سأستبدل الكلمات المكتوبة بالمحكية، وسأخاطبك، سأجلس أمام الكُرسي الذي جلستَ عليه يومًا في منزلي وأحدثك.
لكنني لم أفعل، وبقيتُ أقص عليكَ سِرًا أحاديثي المملة وأنا أغسل الصحون، ظهري للحياة ووجهي لشباكٍ مغلق.

أحاديثي السرية كانت تقطعها أصواتُ بناتي، هذه خطرَ في بالها فجأة أن تسألني عن معنى كلمةٍ في أنشودة سمعتها، وتلكَ تريد أن تعرف أين أَضاعت ألوانها، والثالثة تحاول جاهدة إزاحة جسدي لتلعبَ في الصابون الذي تغرق فيه يداي.
كانت أحاديثي غير كاملة، روتينية وبلهاء، وكُنت أخدع نفسي بالظن أن هذا شكلًا جديدًا للتواصل معك، وهو ليس كذلك، أنا أكذب وأنت تعرف.

رُبما تعرف أيضًا أن رسالتي الأخيرة كتبتها بعدَ أن قلتُ لصديقة في حديثٍ طويلٍ عن كل شيء “يومَ مات والدي”، أفقت على نفسي وأنا أستبدل كلمة رحيلٍ بموت، تخيل إنني آمنت فجأة بأنكَ ميت!! كان غيابك بالنسبة لي رحيلٌ في ذيله أملٌ بالرجوع. لا أعرف لماذا وكيفَ تحول إيماني بفكرة “إنكَ غائب لفترة” إلى يقينٍ بـ”إنكَ لن تعود”!

هذا التغير ألزمني كعاقلةٍ في مجتمعٍ يحكم الأمور بمحسوساتها أن أُسلمَ بموتك طالما لم يعد جسدك هنا، تسليمًا مشكوكًا في صحته بعد أربع سنوات من الغياب، فأنا لست عاقلة إلى هذا الحد لحسن حظي.
سأخبِركَ سرًا رُبما تعرفه.. أنا أنانية في حبي واشتياقي لك، وللأسف فقد اكتشفت هذا مؤخرًا. أنتَ الوحيد في هذا الكون الذي كانَ يراني طفلة مهما كبرت، وجميلة مهما تغيرَ شكلي، وذات ابتسامة لطيفة مهما تكدرت ضحكاتي، وأنا كُنت أحب ذلك، فهذه إطراءاتٌ لا نحظَ بها كثيرًا في حياتنا.

والدي العزيز، قالت أمي اليوم إنها ترى الشيب في شعري وأنا أقفُ أمام الشباكَ الشرقي أحاولُ اللحاق بشعاع الشمس الدافئ الذي تسربَ من خلاله صباحا كزاهدٍ يدفعه جسده الضعيف للبحث عن فيتامين “د” في مخلوقات الله، قالت أمي كلامها ولم أُعر الأمرَ اهتمامًا، غير أنني بعدَ عودتي للمنزل وقفت أمام المرآة محاولة البحث عن شعرٍ أبيض…

أينَ هذا الشيب يا أمي!!
قبلَ يومين قالت لمياء إن الخطوط تحت عيني عندما أبتسم تشبه وجه العجائز، فابتسمت بعدَ ابتعادها أمام المرآة لأرى التجاعيدَ اللعينة التي رأتها ابنتي في وجهي، وبعدَ ساعةٍ وجدتني أبحث عن وصفاتٍ طبيعية للحفاظ على نضارة البشرة.

هل تعرف ماذا يعني هذا؟
أنا أَكبُر.. شعري ووجهي بدآنٍ بالتصالح مع عمري، وأنا آخر من يعلم! هل جربت مُسبقًا أن تستيقظَ فجأة لتجِدُكَ غيرَ ما تعرفُه عن نفسك؟ شكلُك، طريقة تفكيرك وذوقُكَ العام!

أنا حدثَ معي ذلك، وأنا خيرُ من يُحدثُ به، فيومَ قررَ الموتُ أن تُرافقه في الأول من يناير وحتى ذلك اليوم الذي قُلتُ فيه لصديقتي “يومَ ماتَ والدي” غَفت روحي واستيقظت كأنها ليست هي. صارت المسافةُ بيننا زمنًا يا حبيبي، هل سبقَ أن كانت المسافة بينَ اثنين في هذا الكون زمنًا!!

وهناكَ سرٌ آخر أريدُ أن أخبركَ بهِ قبلَ أن أنهي رسالتي، أنا أراكَ دومًا تفتح باب المنزل الحديدي الذي يقابله دكان الحج خليل ويجاوره منزل الحج عُمر في المخيم، أراكَ شابًا بشعرٍ أسودٍ مُجعد وعينين كالبحر صافيتان، وأراني طفلة تركض باتجاهك، لا تتلاشى هذه الصورة من خيالي أبدًا، أراكَ تبتسم في كل مرة وأنا التي أعرف أنكَ سريع الغضب.

وصلَ الأمر بي للشك بردود أفعالك عندما تقرأ رسائلي أو تستمعَ لأحاديثي، أريدُ أن أرى تعابيرَ وجهكَ لأعرف تأثرك بما أكتب، فربما كَان حديثًا غبيًا، أبلهًا كحالي!
بالمناسبة، واصدقني الإجابة.. هل لا زلت تراني طفلة جميلة ذات ابتسامة لطيفة!

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.