اجتماع مختارات مقالات

تنميط المجتمع

تنميط المجتمع

بقلم الأستاذ جميل عبد النبي

برغم أنني صرت في السنوات الأخيرة وحسب أطرب للموسيقى، والغناء الهادئ، إلا أنني حتى يومي هذا نادرا جدا ما أتعمد الاستماع للموسيقى، والأغاني، ليس لأنني لا أريد الاستماع، إنما لأنني لم أتعوده طوال ما مضى من عمري، فلقد نشأت متدينا تقليديا، وتأثرت بالخطاب الشكلي، الذي يختزل الدين في مجموعة من المحرمات، التي اكتشفت فيما بعد، أنها ليست جوهرا في الدين، ولا حتى شكلا من أشكاله، إنما مجرد مخترعات تاريخية، جاءت لتعويض ما فقدناه من قيم الدين الحقيقية، ومعانيه.

لقد اكتشفت مثلا أن الدين له غايات كبرى، لا تحققها تلك الشكليات المخترعة، فالإنسان مثلا هو غاية الدين الكبرى، وكل ما يحقق له مصالحه المعتبرة، ككرامته، وحريته، وحقه في الحياة،والعمل، والشراكة، هو مما ينسجم مع تلك الغايات، فتساءلت: وكيف يمكن لشكل اللباس أن يحقق تلك الغايات؟

المسألة باختصار كالتالي:

بعد أن تم الاستيلاء على مقاليد حكم الناس من قبل المستبدين، وجد هؤلاء المستبدون أن بقاء تلك القيم فاعلة في حياة الناس لا بد له وأن يقوض سلطانهم يوما ما، لكنهم لا يريدون الظهور بمظهر المعادي للدين، وسط جموع من الناس تحب الدين، وتريده، فكان لا بد من التلاعب بأولويات الدين، تقديما، وتأخيرا، حيث يتم تضخيم بعض المظاهر التي لا تؤثر على سلطة المستبد، مقابل تأخير، أو حتى شطب تلك التي تكشف عورته، ومن ثم قامت ماكنة المستبدين المرتدية لثوبه بأكبر عملية تحريف، وتزييف لحقائقه، فضخمت بعض المظاهر، وأضافت لها أخرى ليست منه، حتى تشبع رغبة التدين لدى المتدينين، وتفتح لهم طريقا إلى الجنة التي هي غايتهم، وفي المقابل قللت من شأن كل ما له علاقة بالحقوق الإنسانية، التي لا يريد المستبد لها أن تبقى جزءا من ثقافة الناس، ووعيهم، ولقد أنتجت عملية السطو هذه ثقافة سلطوية في غاية التشوه، حيث صار المتدين لا يرى حرجا في قبول الاستبداد، طالما أن قشرة المستبد الخارجية تبدو دينية..! بل إن مخالفة المستبد صارت في نظر المتدين شكلا من أشكال الخروج على ذات الدين، فالمستبد، الذي يحمل لقب إمام الأمة، له في أعناقنا بيعة توجب علينا طاعته، وما الضير، فنحن متدينون، أولسنا نفعل كل ما اخترعته لنا ماكنة الاستبداد مما قيل لنا عنه أنه دين، وأنه يستطيع الذهاب بنا إلى الجنة؟!

لا يزال المستبدون عبر كل العصور يعتدون على جوهر الدين دون أن يرف لهم جفن، فلا عدالة، ولا مساواة، ولا سيادة للقانون، ولا شفافية مالية، ولا حق في التظاهر السلمي، ولا حق في الشراكة، ولا كل ما يمت للحقوق الإنسانية بصلة، وكل هذا لا يثير حفيظة شيوخ التدين المعاصر، ولا يدعوهم لإصدار فتوى بتجريم تلك المسلكيات المستبدة، لكن شياطين الإنس، والجن، تتراقص أمام أعينهم إن كشفت فتاة عن شعرها، أو اختلطت بالشباب، حتى لو على ملأ من الناس، في مكان لا تتحقق فيه الخلوة المثيرة للقلق.
هناك أكثر من مشكلة هنا.

الأولى: أن حقيقة الدين كمنظومة قيمية إنسانية لا زالت غائبة، أو مغيبة، ولا يزال الدين مختزلا في بعض المظاهر، التي لو تم فحصها دون تشنج، وبعيدا عن العقلية الذكورية، التي تفكر من بين فخذي الذكر، أو الأنثى، لوجدنا أنها من مدخلات التاريخ، وليست من حقائق الدين.

الثانية: حتى لو لم تكن غير مقصودة، فإنها تجعل من مغتصب جوهر الدين حاميا له..! فهو وإن اعتدى على كل ما هو جوهري، فاعتدى على الحريات، واحتكر السلطة، وقمع الفقراء، وجوعهم، وسلبهم حتى إنسانيتهم، فإنه ذاته هو راعي الدين، ووصيه، وهو المسئول عن حمايته..!

هذا هو بالنسبة لي جوهر اعتراضي على محاولة تنميط المجتمع بأنماط معينة، تسعى للظهور بلباس الدين، بينما هي تمثل- بشكل أو بآخر- اعتداء على شيء من جوهره، المتمثل في حق الناس في اختيار ما يريدون، والتعبير كيفا يريدون عن أنفسهم، طالما أنهم لا يعتدون على حقوق غيرهم، فكيف وهم أصلا لا يفعلون إلا ما من شأنه أن يضفي جمالا، ورقة، وحيوية، على حياة كادت تفقد كل معاني الحياة.

اقرأ أيضا:

نحن شكلانيون إلى أبعد مدى

Facebook Comments Box

Share and Enjoy !

0Shares
0 0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.