أدب و تراث ثقافة مختارات مقالات

تأملات في العفو والصفح والغضب الخاص والعام

تأملات في العفو والصفح، والغضب الخاص والعام

بقلم الروائي/ خلوصي عويضة

أظنّ أن أكثر من يحظى بفرص متعددة على مدار رحلة العمر هو الندم، وللندم ثمن، في حياة الإنسان ثمة فواتير معلقة لحسابات مشاعر، ورؤى فكرية، وصراع تنافسٍ للظفر بفرص شحيحة أصلا، تسدده النفس إما عن طيب أو كره خاطر في محاولة لرتق تمزقات القلب والعقل معا، لا مجانية تعليم في مدرسة الحياة.

تبعا لاختلاف طبائع البشر، يتفاوت الإحساس بأهمية تنحية ذعر العذاب المتوقع أن يرافق عملية كفّ هوى الأنا عن المماطلة، والإقدام برباطة جأش وعزم على تسديد مهر استحقاق متطلبات طي صفحة وفتح أخرى تنشد استعادة أمن وسلام النفس المسروق، ومفتاحه الرئيس عنوانه المسامحة، ممّا يعني أن جوهر السماح يأتي تعبيرا أو تلبية لحاجة ملحة، يكاد أحدنا يجزم أنه دواء لداء لطالما كان سببا في إحباط وهدر طاقة قوى النفس فيما لا طائل من ورائه، بل بالعكس يعزّز دوامه دوامة الشعور بالخسارة التي تبدأ بثقب ثم تتسع إلى خرق فمزق أو مزع، ثم فجوة فهوة عمقها أبعد من مدى النظر.

كما يمرُّ الغضب بمراحل في مرجل رحم البركان، قد تصل حدّ عمى البصر بعد البصيرة، كذلك تتعدد أسبابه بين خاص وعام، في حالة العام يمكن بلا صعوبة تصور غضب جماعي، فمثلا نحن أهل فلسطين من البديهي الطبيعي أن نشعر بغضب عارم تجاه الصهاينة المغتصبين، ومن لف لفهم وغزل نسيج أكاذيبه بمنوالهم، وطبعا يحدث الغضب العام لأسباب دينية، وشواهد التاريخ القديم والمعاصر خير من يشي بصحة ذلك، أما الطائفية فوأيمُ الله كانت ولا زالت أمّ النكبات التي ألمت بأمتنا منذ فجر ولادتها فأذاقتنا الويلات إذ أفقدت الأخ العضد الحقيقي، منكب الأخوة الذي يتكئ عليه في الملمات المدلهمة، وهنا نلحظ بوضوح كيف أن إثم هذا الغضب بات إرثا يورث،فالحبل السّري لسلسلة المفاهيم والأفكار المتوارثة ما زال متصلا مذ قرون ، نقف عاجزين عن قطع المشيمة ودفنها مرّة وللأبد ،كأننا مقيدين بسلاسل تستعصي على التحطيم،( بيننا ما صنع الحداد)، لأن العرف وليس الوعي هو من يحرس على مدار اللحظة هذا الإرث الكارثي.

أيضا معايشة الظلم واستفحال الغبن الاجتماعي، وغياب المحاسبة والمساءلة الشفافة كفيل بخلق حالة غضب جماهيري تجاه أنظمة الحكم المتذوقة عسل التسلط.

أما الغضب الفردي، فعامة جذوره تعود لجراح وجدانية أو عائلية أو للأسف نقمة على القدر، ويقينا أن من أسبابه ما هو مبطل ومحق، لكنني لست بصدد الغوص في بحر تشنجات النفس البشرية فالغرق شبه مؤكد، حسبي هنا التأكيد أن كلّ منا يعرف دواخله، أما أشكاله فتتراوح بين تعبيرات الجسد غير الجميلة، ومفردات دخان الكلام، وسواء أكان الدخان كثيفا غليظا أم خيطا رفيعا فإنه يدل على النار الكامنة، ولو قدر لمشاعر المرارة لحظتئذ أن تتمثل في شخص بشر لكان إما كتلة من اللحم المحترق الميت والشنآن الحي، أو شخص جريء الجنان جميل الوجه فطر الحزن قلبه وشرب الدمع عينه فغام نورها.

عندما يحين موعد لحظة التحوّل، يتحتم مواجهة النفس بسؤالها إلى متى.؟، غالبا سوف تتهرب من الإجابة لأنها بحدسها تستشعر الغاية من السؤال، فأطبق محاصرتها بسلاح اللين والرفق، أفرط في ملاطفتها لتقتنع بضرورة العفو، واجنح في الخيال فتصورها طفلا رضيعا أو صغيرا تضمّه إلى صدرك وتهدهد أوجاعه، ناغيه باللحظ واللفظ، ستجهدك وهي تؤلبك على تذكّر المثالب، فناورها بالتلميح إلى المناقب، ربّما ترجوك أن ترجئ الأمر فالعزف على وتر الإرجاء يمكن أن يلغي الرغبة أو يجعل همتك فاترة، فإن صحّ عزمك على الصفح فإياك وجناية التأجيل، وليس شرطا أن تلزمها بالعفو دفعة واحدة، لا بأس أن تستدرجها فتؤسس بخطوة تتبعها أخرى ثم أخرى، ولا ضير أن تتيح لها الاشتراط، فغفران مقترن بشرط جائز خير من قطيعة مطلقة، وإن أخفقت فلا تيأس وكف عن تعنيف ذاتك فلست شريرا، حاول لاحقا مرّة أخرى فسعيك بحدّ ذاته محمود إذ يبرهن أن فطرتك يغلب عليها طابع الخير.

لا مناص للحصيف أن يكدّ طويلا لتكتسب نفسه سمة أو سمت الجنوح إلى الصفح، أما تركها لتراكم الغضب فسوف يؤدي لأن تدوي صرختها ذات انفجار لتصل إلى أقاصي الأرض، ثم إما أن تنهار مرّة واحدة أو تبطش دون تمييز بكل وأي شئ فتخسر كل شئ، فاحذر وبادر باستحضار النية لوقف نزيف المزيد من الفقد.

تبقى الإشارة أنني ومن خلال استقراء واقع التعامل بين البشر، وما انقدح في الذهن من فهم لآيات القرآن الكريم، أرى أن الغفران أعلى مقاما ومنزلة من الصفح، كمقام الرضا من الصبر، كأنّ الصفح أخصّ، بينما الغفران أعمّ إذ يجبُّ ما قبله، وفي علم النفس ما يعرف ب(مغايرة الشعور) بمعنى استبدال المشاعر القديمة بجديدة مختلفة تحقق نقلة أو قفزة نوعية من السلب إلى الإيجاب، وأرجح وجود فرق دقيق بين الإثم والندم لجهة منشأ الشعور، إنما لا مفر كقاسم مشترك بينهما من دفع الثمن.

ويصعب حصر أو جمع الناس في سلّة واحدة، فالمسافة لا تقاس بين من يرى العفو مستحيلا ومن يرى أن لا ذنب خارج حدود ودائرة الغفران، من الآدميين من وهب مقدرة عفوية أو فطرية على العفو كأنّ خصاله منحة إلهية، ومثل هذا تقرأ في قسماته أنه يصفح من موقع اقتدار وقوة لا عجز ضعف، وهناك صنف آخر أيضا يصفح بسهولة ويسر فينسى في التو واللحظة أية إساءة حتى لو كانت إهانة، فلا أدري كيف أفهم طبع هذا، أهي بساطة، بلادة، موت كرامة، أم سماجة نفس لا سماحة؟!، يتفاخر ببرود أعصابه كموهبة تمرس باتقان صنعتها، فتحتار أتغبطه أم تحسده أم تدعه يهبط عن خشبة مسرح حياتك ويتوارى خلف ستائر النسيان، أما عامة بني آدم وحواء فيعانون ويكابدون مشقة الكفاح لتسكين آلام الأنفس المكلومة أملا بتحقيق حلم الشفاء المنشود، عسى أن يكون القادم أجمل أو على الأقل أخف وطأة، وما يدريك لعلّ لياليه تكون مترعة بضوء القمر.

اقرأ أيضا:

تأمّلات في الحبّ والصداقة

تأملات في العفو والصفح، والغضب الخاص والعام

تأمّلات في ملح الحياة

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
روافد بوست
كاتب وباحث سياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.