أسرة وطفل أقلام وآراء اجتماع تربية تنمية مختارات مقالات

أسسوا لأولادكم ما يعينهم على القادم – مقال

أسسوا لأولادكم ما يعينهم على القادم

بقلم/ م. محمد العكشية
رأي متواضع: التاريخ ليس عجلة، التاريخ شكل بيضاوي! يتدحرج على طاولة.. قد يقضي فترة طويلة وهو يتحرك على جنبه الطويل، لكنه حتمًا سيصل إلى مرحلة انقلاب سريع.. حينما يكون لزامًا على رأس البيضة أن يدور، ينقلب بطريقة سريعة.. ليفتح مرحلة جديدة من (الدوران على الجانب الطويل).. وهكذا!
في رأيي المتواضع هذا.. أدعي أننا (في مجتمع قطاع غزة الصغير)، وعلى الصعيدين الاجتماعي والاقتصادي.. نعيش مرحلة التوتر التي ترافق وقوف الشكل البيضاوي على قمته وانتظاره الهبوط.. كموجة عارمة.
ما أريد قوله هو أن المجتمع يتغير بسرعة.. عادات كثيرة ثم وضعها في فوهة المدفع ليتم إطلاقها نحو البحر والتخلص منها.. بينما تتهيأ أخرى للانقضاض على ثقافتنا وأفكارنا.. أرى ذلك جليًّا في عيون كبار السن حينما يحدقون فيما يجري حولهم من تغيير مخيف ولا يملكون أمام ذلك شيئًا، أرى ذلك في عيون رجال الدين وهم يحدقون في كل ما يجري ذاهلين غير قادرين على فعل شيء.. ينقسمون إلى فريقين، الأول يكفّر ويلعن ويتطرف ثم ما يلبث أن ينطفئ.. والثاني يلوي أعناق النصوص كي يحلل ويتجنب الاصطدام بالريح..
على صعيد الاقتصاد.. بدأنا نرى بوضوح بيضة الطبقية تفقس وصرنا نشاهد بأمهات عيوننا فراخها تنمو وتصيح.. بل صرنا نغذّيها من حيث نعلم ومن حيث لا نعلم.. أنا لا أعترض على شيء من هذا ولا أؤيده.. إنما أحاول صياغة ما أرى (أو يبدو لي أنه يُرى) بموضوعية واستقراء مجرد.
الأعوام العشرون الأخيرة شهدت طفرات استثمارية كثيرة رفعت أقوامًا وخفضت آخرين.. وسائل التواصل ضاعفت من حمى التنافس على مظاهر الرفاهية وحب الاقتناء.. الضيق والفقر والحرمان دفع كثيرًا من الناس لا أراديًّا لتطبيق مقولة (الحاجة أم الاختراع) .. فنشأت مشاريع لم يكن أصحابها يحلمون يومًا بأن تنجح هذا النجاح وتدر ملايين!
هناك طبقية واضحة تتكوّن! يكفي أن تقوم بجولة (على الأقدام) إلى مناطق بعينها من القطاع لترى قصورًا وشاليهات وأماكن لا يتخيل عقل أن تكون هنا.. ويكفي كذلك أن تقوم بنفس الجولة في أماكن أخرى لتجد أقوامًا لا يكادون يملكون خبزا!
الطبقية -من وجة نظر تاريخية- وبحسب مؤرخين وفلاسفة كثر -منهم وعلى رأسهم هيغل- هي حتمية.. هذا الصراع الطبقي وتناطح النقائض لتوليد صور جديدة من الاجتماع والسياسة والاقتصاد هو أمر طبيعي وإن كان قاسيًا..
ما دورنا في هذا كله؟ أحد أدوارنا هو أن نهيئ أبناءنا لهذا التغيير الحتمي الذي لا يرحم.. منظومة القيم السليمة أمر مهم، ومن المهم كذلك (بل ربما الأهم أحيانًا) الأدوات المادية التي يجب أن نضعها في أيدي أبنائنا ليواجهوا التغيير، وتحديدًا التغيير الاقتصادي ونشوء الطبقيات وصراع المال! حجم الأسرة.. نوعية التعليم.. العمل بجد لتأسيس استثمار بسيط للأبناء.. الاستثمار في تعليم مميز.. التربية السويّة والمتفانية لبناء شخصية قوية واعية.. كلها أدوات يجب أن يسعى الأب والأم لوضعها في أيدي أبنائهم. من البر بأبنائنا أن نضعهم على بداية الطريق.. ومن العقوق أن نضيّعهم.. أن نقضي أعمارنا يومًا شبيهًا بالآخر بلا جهد وكد وتعب بحجة أن (الرزق بيد الله) وأن (الله سيرزق الأولاد كما رزقنا) وأن (نتركهم للحياة تعلمهم بدلا من أن نضع في أفواههم ملاعق من ذهب)!! كل هذه هي كلمات حق يُراد بها باطل أحيانًا، كلها تُحرف عن مسارها وتعين الاتكاليين على استمرارهم في كسلهم وإضاعة أبنائهم! زماننا مختلف عن زمانهم.. أغلبنا وجد بيتًا ليسكن ووظيفة ليعمل وعائلة ممتدة لتحتضن.. الآن أو بعد عدة سنوات وبعد انقلاب البيضة وبعد تكدس الطبقية وصراع المال وغياب التراحم وحلول المادية العنيفة (وهذه أمور صرنا نراها بوضوح) سيكون الابن مضطرًا لنزف الدم كي يؤسس بيتًا ويجد وظيفة .. والعائلات الممتدة صارت تتفكك وصرت بالكاد تعرف وجه قريبك من الغريب في ظل تبدل الثقافات واندثار قيم اللُحمة والعائلة تحت وطأة العصر ومتطلباته.. إذن أطفالنا في مهب الريح لو لم نصنع لهم قوارب! على الأقل قوارب ولا أقول يُخوت وسفن.. أعينوهم على القادم حتى يبروكم ويدعوا لكم بالرحمة إذا دارت عجلة الزمان.. الكلام سهل والتطبيق صعب.. لكن على الأقل يجب بسط الفكرة لعلها تنير طريقًا وتوقد ذهنًا وتغير واقعًا.

Facebook Comments Box

Share and Enjoy !

0Shares
0 0