مقالات نصوص أدبية

حديث عن العيد بقلم احمد خالد توفيق

بقلم/ د. أحمد خالد توفيق

عندما أشم رائحة الضأن القوية تنبعث من الخراف المربوطة أمام دكان الجزار المجاور، فإنني أعرف أن عيد الأضحى قادم قبل أن يستوعب ذهني المعلومة. نوع من الارتباط الشرطي. ابنتي تكره هذه الرائحة كراهية التحريم وتؤكد أن حتى مياه الصنبور تكون لها ذات الرائحة. الحق أنني أحب هذه الرائحة لأنها تستدعي حشدًا من الذكريات.

 

لم نكن أسرة ثرية، بل هي الأسرة التي ينطبق عليها مصطلح الطبقة الوسطى حرفيًا، لكن ظل الخروف جزءًا من تقاليد العيد، حيث ترسله جدتي هدية لنا كل عام تقريًبا، وكان يصل بحفاوة مع السيارة نصف النقل والحبل الغليظ وصوته الأجش الذي نعتقد أنه (ماء) بينما يعتقد الغربيون أنه (باء). هناك في الحمام يقف كضيف فوق العادة له ثقله وأهميته.  ثم يأتي يوم العيد والذبح وبرك الدماء وشعوري الممض بأنني أتخلى عن صديق، وهو الشعور الذي يزول فورًا بمجرد أن يبدأ طهي اللحم.. تتحرك عصارات معدتي وأنتظر في شغف.

 

كانت معدتي ما زالت في فترة الضمان.. لقد خرجتْ من المصنع لتوها، وكانت قادرة على هضم الحجارة والزلط.. تعبير (عسر هضم) كان يبدو لي نوعًا من الخيال العلمي الغامض.

 

بعد يومين تضع لي أمي قطعة لحم كبيرة لكن مشبعة.. في اليوم الرابع هي قطعة في حجم علبة ثقاب صغيرة فأجن رعبًا.. هل انتهى كل شيء بسرعة؟.. تقول أمي بلهجة الحكيم الذي خبر قسوة الزمن:

ـ«كل سنة وانت طيب.. الخروف خلص!»

 

مستحيل!… هناك سرقة في الموضوع.. هناك عشرة كيلوجرامات مخبأة في مكان ما من الثلاجة، أو لابد أن نوبة كرم غلبتها فأعطت زوجة البواب خمسة كيلوجرامات.

يكون علي أن اتحمل قسوة الحياة ومرارة انتهاء كل شيء، خاصة أمام طبق البامية القرديحي أو طبق الفول الذي سيأتي في اليوم التالي.. تلك تجربتي الأولى مع التشيروفوبيا أو الخوف من السعادة.. الخوف من قسوة انتهائها.

Facebook Comments Box

Share and Enjoy !

0Shares
0 0