أدب و تراث مختارات مقالات نصوص أدبية

خواطر كتبها الأديب زكريا محمد

بقلم/ زكريا محمد
كان يبكي. فأمسكت بيده كي أشد أزره، وأكفكف دموعه. قلت له والحزن يخنقني: أعدك أن العدل سينتصر في آخر الأمر، وأن السلام سيحل قريبا. ورويدا رويدا هدّأته وأوقفت دموعه.
كنت أكذب عليه بالطبع. فأنا أعرف أن العدل لن ينتصر، وأن السلام لن يحلّ قريبا. لكن كان عليّ أن أوقف دموعه. فقد كانت لدي فكرة باطلة تقول إننا لو استطعنا، بحيلة ما، إيقاف نهر الدموع لسارت الأمور بشكل معقول. فالأشياء حينها ستُقبل كما هي. سيرعى الظلم والعدل معا في الحقل، وسيكون الله أخا الشيطان، والقتيل حبيب القاتل.
لكن ما من سبيل إلى وقف الدموع. فهي تتدفق دوما كالسيل وتخرّب حفل السلام الكاذب. ومن أجل هذا، من أجل العناد المرّ للدموع، فإنه يجب تكريس العين باعتبارها القدّيسة الحقيقية على وجه الأرض.
ليست وظيفة الشعر أن يكفكف الدموع، بل وظيفته أن يحفر لها مجرى تتدفق عبره وتغرق الكون.
1-5-2022
اليوم عيدي، والصباح طفلي الوحيد.
حين يأتي الشعر أجيء. أسقط على الشجرة السّرو كأنني غراب. وأخرج من القِراب كأنني سيف فولاذ. فبعد أن أوفيت بنذوري كلها، ها أنا أجيء بزينتي كلها كأنني ذَكَر خروبٍ في أواخر أيلول.
تركت الاسم الذي أعطتني إياه أمي على عتبة البيت، ومشيت باسم آخر كي لا يعرفني أحد. كي لا يمنّ علي أحد. ريح الشمال صبّار، وريح الجنوب شوكة كُبّار، وأنا أتمايل بينهما مثل غصن كبير.
أعطوني ما أريد، وإلا كسرتُ جراركم. أعطوني ما لا أريد وإلا جعلت من الحجارة شعرا.
أنا طفل الصباح الوحيد. الحليب في فمي، والرذاذ على وجهي. ذكر الخروب يشعل حريقه في أيلول. وأنا أشعل حريقي في أيّار.
أيّار، يا أعمى القلب، من الذي أعطاك هذا الاسم الذي لا مثيل له؟ من الذي فتح لك عينك مثل عين بقرة وحش؟
الأسماء تتجمع في عرسي. الأغصان ترمي بظلالها على حدسي. وأنا أمشي باسم آخر غير اسمي. سكرانا أمشي في النار. مجنونا أمشي في مطلع أيّار.
6-5-2022
Facebook Comments Box

Share and Enjoy !

0Shares
0 0