سياسة مختارات مقالات

بايدن قادم ليأخذ لا ليعطي – بقلم الدكتور وليد عبد الحي

 
بقلم/ د. وليد عبد الحي

بزيارة الرئيس الامريكي جو بايدن بعد يومين للشرق الاوسط يكون عدد الزيارات التي قام بها رؤساء الولايات المتحدة للشرق الاوسط منذ حرب 1967 ما مجموعه 37 زيارة، قام بها ثمانية رؤساء (3 جمهوريون وخمسة ديمقراطيون)، وفي كل زيارة كان الوعد بالسلام والديمقراطية في الشرق الاوسط هو شعار كل زيارة، لكن الشرق الاوسط وخلال هذه الفترة كلها كان هو اعلى مناطق العالم في معدل عدم الاستقرار السياسي والاستبداد السياسي، وهو الاعلى بين اقاليم العالم في عدد الحروب الدولية والاهلية التي شهدتها الفترة من نيكسون الى بايدن.
رغم كل ما سبق، فان الانظمة السياسية العربية لم تفكر ولو مرة واحدة في اعادة النظر في الآمال التي ترافق كل زيارة لرئيس امريكي، والسبب لا أنها تجهل ما يريده الامريكيون بل لان التغلغل الامريكي في بنية الانظمة العربية سياسيا واقتصاديا واستخباريا بلغ حدا جعل من اغلب الانظمة العربية على قناعة تامة بأن مصيرها السياسي بيد “القَدَر الامريكي”، واذا حاول اي منها التمرد فان الدرس العراقي والليبي وغيرهما سيعيده الى رشده امريكيا.
وها هو بايدن يعيد المشهد للمرة السابعة والثلاثين، وسيعدنا بالديمقراطية والسلام وحقوق الانسان والحيوان، لكنه جاء لمطالب محددة، ولن تشرب القيادات العربية حليب السباع لتواجهه بل سيتم تنفيذ ما يطلبه عبر تمويهات وتصريحات متضاربة تزيد الجمهور متاهة… فلماذا جاء بايدن؟
أولا: ما جاء لوقف الاستيطان، ولا لإقامة الدولة الفلسطينية حتى لو وعد بها، ولا لاعادة اللاجئين، ولا لضمان تطبيق اي من قرارات الامم المتحدة، ولا لتنفيذ أوسلو أو وادي عربة …
ثانيا: ما جاء بايدن لحماية حقوق الإنسان والتقصي عن موضوع الصحفي السعودي خاشقجي، ولا لتعزيز القانون الدولي بخصوص دماء شيرين ابو عاقلة، ولا لاسعاف الاقتصاد اللبناني، ولا لحل المعضلة السورية او لبحث مصير هضبة الجولان…
ثالثا: جاء بايدن ليأخذ لا ليعطي، جاء يريد:
أ‌- التأكيد على استمرار ضمان الامن والمساعدات السياسية والعسكرية والاقتصادية والتقنية لاسرائيل، وسيعمل على توسيع فضاء التطبيع العربي مع اسرائيل ليمتد من التطبيع السياسي الى التطبيع الاقتصادي فالتطبيع العسكري ودمج ذلك في الاستراتيجية الامريكية في المنطقة التي تشمل: اطالة عمر التواجد العسكري في سوريا والعراق، واستمرار توظيف الاكراد في تحقيق التفتت الجغرافي لكيانات المنطقة، وهو ما بدأت تتزايد ملامحه منذ قرار نقل تبعية اسرائيل من القيادة الاوروبية للقوات الامريكية الى القيادة المركزية التي تغطي منطقتنا كغطاء قانوني للدور الاسرائيلي في التداخل مع نشاطات المؤسسات العسكرية العربية.
ب‌- حشد ما تبقى من طاقات عربية لمواجهة ثلاثة اخطار تستهدفها الولايات المتحدة وهي:
1- اجبار دول الخليج تحديدا على المساهمة في تخفيف احتقان اسواق النفط والغاز الاوروبية تحديدا لضرب الاستراتيجية الروسية في الحرب الاوكرانية، وستقبل هذه الدول الاستجابة طوعا او كرها ولكنها ستغلف الاستجابة بورق السوليفان.
2- زيادة الضغوط على إيران لاجبارها على تقديم تنازلات “نووية أولا” واقليمية (تقليص مساعداتها لما يسمى محور المقاومة). ثانيا ودولية (انضباط الاندفاع الايراني في اتجاه تنامي التنسيق مع محور البريكس وشنغهاي) ثالثا.
3- التحضير مع دول الخليج لكيفية التعاطي مع السياسة الصينية لا سيما ان موضوع تايوان سيمثل الجبهة الجديدة التي ستواجهها امريكا قريبا بعد اوكرانيا، الى جانب محاولة عرقلة مشروع الحزام والطريق العابر للمنطقة العربية برا وبحرا.
4- محاولة لجم بعض التوجه العربي نحو سوريا، او توظيف هذا التوجه باتجاه المطالب الاسرائيلية.
رابعا: جاء بايدن من دولة تتراجع امكانياتها للاستمرار في نهج “التمدد الزائد” كما وصفه بول كينيدي، لذا سيسعى بايدن الى الاتكاء على “حاتم الطائي” للمساهمة في تخفيف اعباء ذلك التمدد لا سيما مع تنامي ارتفاع الاسعار والتضخم وسيطرة الصين على مساحة واسعة من التجارة مع الشرق الاوسط، الى جانب اعباء الوجود العسكري الامريكي في المنطقة والتي لا بد ان يساهم حاتم الطائي فيه بقدر اكبر.
خامسا: قد يعمل بايدن على محاولة تخفيف المماحكات بين السعودية وقطر والامارات العربية بهدف تعزيز دور كل منها في استراتيجية بايدن (الدور القطري في دبلوماسية الانابة، والدور الاماراتي في تعزيز التطبيع مع اسرائيل، والدور السعودي في الشأن العربي الاوسع)، وتعاون هذه الاطراف لتسهيل اداء كل منها لدوره امر مفيد للولايات المتحدة، وقد تكون الحرب اليمنية احد مختبرات ذلك، فتقوم قطر بدور دبلوماسية الانابة مع ايران، بينما يشكل الطرفان الخليجيان الآخران ادوات الضغط على القوى اليمنية المتصارعة.
خامسا: لا شك ان للزيارة دوافع براغماتية ذاتية وشخصية وهي تعزيز فرص نجاح الديمقراطيين في الانتخابات التشريعة النصفية في نوفمبر القادم، من خلال تحقيق بعض الانجازات في السياسة الخارجية لعلها تغطي على بعض ثغرات الوضع الداخلي الامريكي.
مرة اخرى، 37 مرة وعد الرؤساء الامريكيون الذي زاروا المنطقة خلال الفترة من 1972 (اول زيارة لنيسكون بعد حرب 1967) الى الآن (أي نصف قرن) بتحقيق السلام والديمقراطية … وتعلم الانظمة العربية ان ايا من هذه الوعود لن تتحقق، لكن مشكلة هذه الأنظمة هي وقوعها بين خيارين احلاهما مر: إما ان تعيد النظر في وعود امريكا التي لا تتجاوز وعود المجاملات وهو ما يتضمن مخاطرة من ان تزيحها امريكا من الخريطة السياسية، او تواصل التغابي واعادة الآمال بان امريكا جادة هذه المرة ويتواصل عدم الاستقرار واتساع الفجوة بين الشعوب وطغاتها.
Facebook Comments Box

Share and Enjoy !

0Shares
0 0