آدم و حواء أقلام وآراء سياسة فكر فلسفة مختارات مقالات

الحب بين السياسة والطب والعلوم الاجتماعية

الحب بين السياسة والطب والعلوم الاجتماعية
بقلم/ د. وليد عبد الحي
شغفت منذ مدة طويلة بدراسة سيكولوجية الجماهير والزعماء ودورهما في النزاعات الدولية،واستوقفني الاتجاه الحديث في علم النفس الاجتماعي حول سيكولوجية الحب (وهي نقيض سيكولوجية الكراهية والعدوان التي تقف وراء الحروب).
ويقوم هذا الاتجاه على هدم المفهوم الفلوكلوري الساذج للحب ،وهو المفهوم الذي كرسته الاساطير والأشعار والأغاني والروايات الأدبية ،وتكثفت عبر المسلسلات التلفزيونية والأفلام، كما أن العادات والتقاليد والأديان أحاطت المفهوم بقدر هائل من المخاوف والقيود والآثام ،مما جعل المفهوم في العقل البشري خليط من الثنائيات المتضادة مثل الرغبة والخوف،الراحة والقلق،الحق والإثم…الخ
ويربط المنهج الجديد بين العلوم الطبية (عمل الغدد الصم والتركيب الفسيولوجي لكل من الجهاز العصبي والجهاز التناسلي لكل من الرجل والمرأة) وبين الدراسات الانثروبولوجية (الإرث الثقافي والعادات والتقاليد) وعلم النفس(الانفعال والكبت والعقل الباطن) وعلم الاجتماع(البيئة الاجتماعية والاقتصادية) وعلم السياسة(الارتباط بين الجماهير والزعيم أو القائد) عملا بالمنهج العلمي الحديث القائم على التكامل المنهجي لتفسير الظواهر الانسانية.
ويتحدد الحب في هذا الجهد العلمي بأنه ” الخبرة النفسية لحالة الاستثارة البيولوجية التي يمر بها الفرد نتيجة لقائه بشخص من الجنس الآخر يراه جذابا” وهو ما يتشظى إلى ثلاثة ابعاد:ً
* التعلقAttachment : الشعور بالحاجة لجسد آخر يعزز النزعة الانفعالية للفرد.
* الرعايةCaring :التلذذ بالشعور بوجود شخص آخر يولي العناية للفرد.
* الألفةIntimacy : نزعة الالتصاق الجسدي بالأخر.
ولفهم الظاهرة تشكل فريق من الباحثين من تخصصات مختلفة ليتناول كل منهم بعدا محددا ثم يحاولون ربط الابعاد ببعضها على النحو التالي:
1-أطباء الأعصاب لتحليل ما يجري للجهاز العصبي لحظة الانفعال: إذ أوضح هؤلاء إن هورمون الأدرينالين( الذي تفرزه الغدة الكظرية في حالات الأنفعال نتيجة تأثر منطقة في الدماغ هي الهايبوثالاموس ،وتسمى في العربية منطقة تحت المهاد) يحفزُ النزوع الرومانسي لدى الكائن البشري للأندماج بكائن آخر من نفس نوعه.
2-اساتذة علم النفس: قام هؤلاء بدراسة وتحليل أنماط رد الفعل السيكولوجي في حالة الانفعال وعلاقتها بشخصية الفرد في جوانبها الأخرى،وكان التركيز هنا على الفروق بين الرجل والمرأة
3- أساتذة علم الاجتماع وتحدد دورهم في فهم العلاقة بين البيئة الاجتماعية وتباين أنماط الانفعال السيكولوجي،وتم التركيز هنا على الثقافات المختلفة وما يسمى التنميط الجنسي( Sex Typing)
4- علم النفس السياسي لفهم أسباب التعلق والانجذاب العاطفي من قبل الجماهير بزعيم معين رغم أنه قد لا يكون زعيما عقلانيا (وهذا هو الجانب الذي أوصلني كأستاذ للدراسات المستقبلية لمثل هذه الدراسات)
وقد وصل الفريق العلمي (الاطباء وعلماء الاجتماع وعلماء النفس السياسي والانثروبولوجيون) إلى ما يلي:
أولا: إن الإناث بشكل عام أقل عاطفية من الذكور(وهو عكس الثقافة السائدة التي يروجها الذكور).
ثانيا: يتحكم العقل في سلوك طالبات الجامعات أكثر من العاطفة، مما يعني أن درجة التعليم تساهم في تعزيز التحكم بالعاطفة،وحيث أن نسبة التعليم أو درجة التعلم لدى المرأة هي أقل من الرجل في اغلب المجتمعات ،إعتقد الرجال بأن المرأة عاطفية ،لكنه لم يدرك أن المشكلة في انه عرقل مواصلة تعليمها فاضعف تنامي عقلانيتها لصالح عاطفيتها.
ثالثا: إن المرأة أقل مثالية وأقل ميلا للرومانسية من الرجل في حالة تساوي البيئة الاجتماعية لكل منهما.
رابعا: أن المرأة أكثر قدرة على تكييف وتوجيه عاطفتها من الرجل في حالة تساوي المستوى الثقافي بينهما.
بناء عليه، يرى علماء الاجتماع وعلماء السياسة ما يلي:
1-إن الأختلاف” المركزي ” في أشكال الحب بين الرجل والمرأة هي نتيجة لفروق حضارية وليست بيولوجية .
2- أن حرمان المرأة من التعلم والمشاركة السياسية يجعل المجتمع أقل عقلانية، وتدل الدراسات أن أكثر المجتمعات تطورا سياسيا في الوقت الحالي هي دول شمال أوروبا، وهي أكثر المجتمعات من حيث مشاركة المرأة في المناصب السياسية العليا(تقريبا نصف الحكومة والبرلمان وقيادات الأحزاب..الخ)
3- الحب التملكي التواكلي أكثر حدوثاً عند الاناث في المجتمعات المتخلفة نظرا للإرث الثقافي الذي يشكل سيكولوجيتها على هذا النحو.
من ناحية اخرى ،يتساءل الباحثون في علم النفس السياسي لماذا يصفق الرجال ويهتفون بأعلى أصواتهم للزعماء أكثر من تصفيق وهتاف النساء؟ هذا مدخل مهم لفهم كيف يتلاعب العقل الباطن للجماهير بقائدهم من ناحية، ويتلاعب العقل الباطن للقائد بجماهيره؟..وشرح ذلك طويل لعلنا نلتقي حوله في مرة أخرى.
Facebook Comments Box

Share and Enjoy !

0Shares
0 0