تنمية دين سياسة فكر مختارات مقالات

أوليفر ماك تيرنن: قِس في مواجهة مفهوم “الإسلاموفوبيا” 

أوليفر ماك تيرنن: قِس في مواجهة مفهوم “الإسلاموفوبيا”

 

بقلم/ رزان السعافين

يتبادر إلى ذهن الكثير منا أن الوفود الأجنبية التي تأتي إلى قطاع غزة مرارا مهتمةٌ فقط بالشؤون التضامنية مع الحالات الإنسانية فحسب، لكن التحولات الفكرية، والانتماءات السياسية، والمقاصد الدينية، والتوجهات الحزبية تجعل من هذه البقعة الجغرافية من أرض فلسطين محورا مهما للتساؤلات والفرضيات والتأملات في مجريات واقعها لأي وافد لها.

أتحدث في هذه المقالة عن فريق مؤسسة “التفكير الاستشرافي” البريطانية تركيزا على مؤسسها ورئيسها المفكر اوليفر ماك تيرنن المفاوض والمتخصص في مجال حل النزاعات والوساطة الدولية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. 

لقد كان اوليفر ماك تيرنن راهبا لمدة وصلت إلى ثلاثة عقود من الزمن قبل أن ينتقل إلى العمل في المجال السياسي والإنساني، ولعل الإيمان بالرب وأهمية العمل في الحياة الدنيا جعلته دؤوبا في الإصرار على النجاح، وقاصدا في سعيه الأمل والسلام على صعيد محلي أو دولي. 

لقد عمل اوليفر ليس لأجل الإنسان فحسب، بل له بصمة كبيرة في حوارات الأديان، والإسلاموفوبيا كظاهرة للتخويف من الإسلام في الغرب، إلى جانب الإسلام السياسي، ومفاهيم الإرهاب، والوساطة الدولية. حيث قدّم الكثير من الأبحاث والدراسات والمنشورات، ومنها كتابه “العنف باسم الإله” وعقد العديد من الورش والدورات والندوات وقد حظي قطاع غزة منها بشكل متجدد، آخرها عن تحديات الإسلاموفوبيا والتجربة الإيرلندية في التحرر والاستقلال بشراكة معهد بيت الحكمة مع عدد من مؤسسات المجتمع. وأيضا قام بتمويل عددا لا بأس به من البرامج التوعوية والفكرية والمؤتمرات، منها مؤتمرات الشباب في غزة، وقام بسلسلة من البرامج في الإعداد والتقديم الإعلامي، كما شارك في عدة وساطات محلية ودولية منها صفقة “وفاء الأحرار” أو ما عرفت باسم “صفقة شاليط” لتحرير الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال الإسرائيلي.

لقد أشار إليه الدكتور أحمد يوسف، رئيس معهد بيت الحكمة في الجزء الثاني من كتاب تحدث فيه عن سيرته وقام بتأليفه تحت عنوان: “اوليفر ماك تيرنن طيف السماء، الإنسان والمفاوض ورجل السلام”، ذاكرا في مقدمته: “إن أوليفر، هذا الإيرلندي الذي شهدت طقوس حياته الكثير من صور الألم والمعاناة في طفولته، ثم كانت رحلة شبابه مغتربا لاستكمال تحصيله العلمي في البرتغال، بعيدا عن الأهل وأنسام الوطن، ثم التزامه بعد التخرج بالعمل كقسيس لأكثر من ثلاثين سنة، قبل أن يقرر فك ارتباطه الرسمي بالكنيسة، والعودة لممارسة حياته في سياقها الاجتماعي والإنساني والثقافي الأوسع، والعابر لجغرافيا الوطن والخصوصية الدينية والعرقية، إلى أن تناول الهم الإنساني العام بكل ما فيه من “مظلوميات وعداوات” غابت عنها العدالة، وتحتاج إلى من يذكر بها أو يأخذ بيدها؛ لأن الإنصاف يقتضي الإدراك بأن “العدل في ضمير القاضي لا في نص القانون”.

وخير شاهد على سيرته، زوجته الراحلة “مارثا وانز بروف” التي تحدثت في مقالة في ذات كتاب “طيف السماء” أيضا عن فترة شبابها التي جمعت بها ثروة من خلال عمل كوميدي رومانسي، وكيف أثر بها زوجها أوليفر لتحويل عملها وجمع الثروات لأجل الضحايا ومسلوبي الحريات في مناطق النزاعات ومنها منطقة قطاع غزة. وتروي في هذا الأمر بخصوصه: “يذكرني أن غزة تعيش في ظل الانغلاق والحصار منذ 13 عاما، وأنه من الجيد أن يعيد العالم تركيز أولوياته على ما يهم حقا، وهو الكفاح من أجل الحريات وحقوق الإنسان الأساسية حتى يتمكن الجميع من العيش بسلام وتحقيق إمكاناتهم”.

 

في زيارة إلى غزة في آخر أسبوع من شهر مايو 2022م تحدث أوليفر في عدة لقاءات والتقى بالعديد من الشخصيات الاعتبارية والسياسية والدينية، منها سماحة الدكتور حسن علي الجوجو رئيس المجلس الأعلى للقضاء الشرعي ورئيس المحكمة العليا الشرعية ولفيف من الحضور رفيع المستوى في حوار بعنوان: “المسلمون في الغرب، تحديات وحلول “، وتحدث المفكر أوليفر حول حقيقة تواجد المسلمين في الدول الأوروبية التي تتمتع بإنسانية واستقرار لوجود أعداد لا بأس بها من المسلمين بها، ذاكرا أن هناك أكثر من أربعة ملايين مسلم في بريطانيا -الدولة التي يعيش-، وأشار إلى هذا التنوع المجتمعي السلمي الذي يساهم في استقرار الدولة بالقيم والأخلاق. 

 

ومن بين اللقاءات المهمة التي تحدث بها كان لقاء بعنوان: “الخطاب الفلسطيني تجاه العالم، التحديات والفرص” بتنظيم بيت الحكمة بالشراكة مع كلية الآداب في الجامعة الإسلامية، حيث تناول وقائع التحديات التي تواجه الخطاب الفلسطيني أمام العالم، مشيرا إلى أنه يجب رفع قيمة الأمر والتركيز على كفاح الشعب الفلسطيني وعرض الرواية الفلسطينية بشكل واضح وقوي ومؤثر إنساني للإجابة على التساؤلات المبهمة التي تخطر في أذهان العالم حول قضيتنا المنشودة. 

وفي لقاء آخر في ذات الجامعة بالتعاون مع كلية الشريعة والقانون تحدث أوليفر في ندوة بعنوان: “الغرب والخوف من الإسلام (الإسلاموفوبيا): الهواجس والادعاءات” التي ذكر بها السيد ماك تيرنن أن الإسلاموفوبيا كظاهرة للتخويف من الإسلام في الغرب، وكثير من الإدعاءات تجاه الإسلام تأتي لتحقيق أغراض سياسية غير ظاهرة للعلن، وأن الدين حجة الإرهابي الحقيقي في الوصول إلى مبتغاه، مؤكدا أن خير دليل على ذلك أن الإرهاب المسيحي وافتعال الحروب من غير الإسلاميين نلاحظ أنه لا يطلق عليه إرهاب ولا يلتفت إليه أحد، لذا أصبح الإرهاب الإسلامي ادعاءً وافتراء وهاجسا لدى العديد من الشعوب. 

وفي ندوة حول “التجربة الإيرلندية في التحرر والاستقلال” ذكر فيها المفكر أوليفر العوامل التي ساعدت إيرلندا في التحرر من الاستعمار، وكيف يمكن للتجربة الفلسطينية أن تستفيد من تجارب البلدان الأخرى في تحقيق حلم الاستقلال، خلال لقاء مع جمعية أساتذة الجامعات. 

يمكننا القول إن هذه اللقاءات الأخيرة ما هي إلا غيض من فيض الكثير من النقاشات حول التبادل الفكري التي تحدث بها وشارك بها أو عقدها هذا المفكر وخبير المفاوضات حول قضايا الوطن والإنسان في التحرر من عبودية التطرف إلى الالتزام الأخوي العالمي، والخروج من جمود قوالب الأفكار نحو رحابة وسعة تقبلها وتقبل الآخر، ومن استعمال الدين والسياسة لأغراض أنانية إلى خدمة الشعوب.

أخيراً؛ مما سبقا نستطيع القول إنَّ أوليفر كان رجل سلام لأجل الإنسان نحو التعايش الكريم والعيش بسلام لأجل السلام، بعيدا عن النزاعات والحروب والصراعات والخصام.

Facebook Comments Box

Share and Enjoy !

0Shares
0 0