اجتماع تطوير ذات تنمية دين فكر فلسفة مجتمع مختارات مقالات

لأنك كائن ناطق مفكر اجتماعي فأنت إنسان – مقال

مقال بعنوان: لأنك كائن ناطق مفكر اجتماعي فأنت إنسان

           كتبه/ إبراهيم بن عبد العزيز الزعبي 

لقد امتن الله سبحانه وتعالى على مخلوقاته كلها لا سيما الانسان منها بالكثير من النعم التي لا تعد ولا تحصى والتي من شأنها ان تقوم حياتهم وتعينهم في مسالكهم وتسهل قيامهم بما خلقوا له وكلفوا به من مهام وواجبات وتكاليف عظيمة وكان من بين هذه النعم والمواهب الربانية بل ومن اجلها واهمها ما اختص الله الانسان به دون غيره من مخلوقاته حيث ان الله سبحانه وتعالى علمه البيان وخلق له الاليات اللازمة له.

وكان البيان هو العلامة والميزة التي ميزت الانسان عن سائر المخلوقات بل هي نقطة التحول التي تشكل بداية انتقاله من جنسه البشري المجرد بحالته البدائية إلى حالة التطور الإنساني وتكوين الهوية الجديدة التي تتلاءم مع المهام والوظائف الجديدة والتي تحقق مناط التكليف وإقامة الخلافة بمعناها الشمولي ككل بالإضافة إلى إيجاد مقومات ذلك كله والتي تتوضح أمامنا جلية من خلال ( النطق و التفكير و المجتمع ) بمعنى :

– النطق: توفر الأجهزة الخاصة بالنطق في أصل خلقة الانسان.

– التفكير: وجود نظام وأرضية وطرائق واحدة للتفكير الإنساني.

– المجتمع: قدرة الإنساني على تكوين المجتمعات والتعايش ضمنها بل الاندفاع نحو ذلك.

قال تعالى: (خلق الانسان * علمه البيان ) الرحمن 4.

وكون الانسان مخلوق مكلف ومحاسب على أعماله فقد تعلق البيان بجميع أحواله ومآلاته في الدنيا والآخرة وقامت به جميع شؤون دينه ودُنياه ومعاشه ومعاده وجعل سببا لفهم وإدراك وتمييز العلم والجهل والحق والباطل والحقيقة والوهم والحلال والحرام والخيرُ والشر ّوهذه ركائز إقامة الخلافة المنشودة بشكلها ومفهومها الحضاري المتسق مع النظام الكوني الرباني

وكان البيان هو الأساس لإيجاد وسائل التواصل المتعددة ليحقق الإنسان من خلالها كل من ( التبليغ والتوضيح والتكليف والاوامر والنواهي وماشابه ذلك ) والتي بدورها تبين للإنسان مناط الأنسنة المرتبطة إرتباطا وثيقا بالاستخلاف في الارض ومقاصد هذه الخلافة الإنسانية.

وقد أظهرت تلك الوسائل ما يجب على الانسان فعله أو تركه ليكون البيان بذلك حجة لله على الناس جميعا يوم الحساب وبذات الوقت ليكون حجة للإنسان على غيره من بني جنسه في التعاملات القائمة فيما بينهم على مختلف الأصعدة.

وبما ان الله تبارك وتعالى قد خلق الانسان وكلفه ووهبه عقلاً وقلبا واعطاه الأدوات والقدرة على التفكير والاختيار والتمييز وإنجاز التكاليف الفردية والجماعية ضمن مجتمعاته وبيآته وفي مضامير حياته اليومية فقد جعل الله جل في علاه التواصل بالصيغ اللغوية المتمثلة بالنطق والصوت والكلام والخط والحرف اليةً للبيان الذي من خلاله يتعايش الإنسان مع بني جنسه في كل شؤون حياته وهذا ما يميزه عن سائر المخلوقات الأخرى فجعله الله صاحب المنطق الفصيح المعرب والمعبر عما في ضميره وفكره فكان بذلك قادرا على التفكير ومن ثم إفهام الغير عن مراده سواء بالتصريح أو التلميح.

فاللغة جعلت خاصية تفرد بها الانسان عن سائر المخلوقات وانتقل من خلالها من حالته البشرية البدائية إلى حالة التطور الإنساني ليتخذها بعد ذلك وسيلة للاتصال مع بني جنسه خاصة ثم مع محيطه الكوني عامة.

واللغة تعتبر نظاما يربط الكلمات بعضها ببعض للتعبير والافصاح عن التفكير الذي يحتاج دائما إلى الإبلاغ لذلك فكون الانسان مكلف بمهام ووظائف وقع له الاختيار فيها من الله فكان لابد له من امتلاك العقل والفكر للترجيح بين ما يراه حقا وباطلا وحقيقة ووهما وحلالا وحراما ثم الإقرار والابلاغ والمضي في خياراته وذلك من خلال الإبلاغ اللغوي.

وكما هو معلوم فإن الفكر في حالة تطور دائم ضمن الظروف والمدخلات المعرفية التي يتعرض لها ويتأثر بها الانسان وهذا مع تأكيدنا على ارتباط اللغة بالتفكير ارتباطا وثيقا لا انفكاك عنه إذ أن اللغه هي التي تقوم بعملية التعبير والابلاغ عن التفكير وهذا ما يجعل خط تطور اللغة متأثرا ومتناسبا مع خط تطور الفكر والعكس صحيح فالنظام اللغوي نشأ واكتمل تدريجيا بالتوازي مع التفكير الإنساني.

وقد انطلقت مسيرة تطور التفكير الإنساني من إدراك المشخص المحدد بحاستي السمع والبصر وهذا الإدراك العقلي المعرفي هو إعطاء معنى ووصف ودلالة صوتية لغوية لشيء يجذب الانتباه طبقا لتشخيص حاستي السمع والبصر ومع الاكتمال والانتقال والتطور الذي طرأ على التفكير وتحوله من المشخص الحسي إلى المجرد العام بمعنى تحويل التشخيص الحسي والانطباعات الأولية التي تصل إلى العقل إلى إشارات تفسر لنا ما يدور في العالم الخارجي وقد رافقت اللغة التفكير بتلك المراحل في كل ذلك وعبرت عنه بدقة وخدمت التطور وحفزته.

وبطبيعة الحال والامر ووفقا لما ذكرناه كانت حاجة الانسان ملحة لبيان احواله ومراده ومتطلباته وإيضاحها سواءً بمنطوقه او بما تخطه يداه أو بغيرها من الوسائل المعروفة أو المستحدثة ليحقق المراد الرباني من خلقه له وفق مقاصد العبودية العظمى لله سبحانه وتعالى ولتقوم من خلال ذلك كله جملة التكاليف الشرعية التي من خلالها يقام النظام الكوني الرباني بكافة مجالاته في المجتمعات الإنسانية خاصة والمجتمعات الأخرى عامة والتي ستشكل بدورها سلسلة تتكامل من خلالها مع بقية المخلوقات والمجتمعات ضمن مقتضيات عبودية المخلوق للخالق ومقاصدها.

ومن دقة ما ينتج عن وسائل بيان الانسان وتواصله مع بني جنسه لتوضيح مقاصده وبيان مراده فقد رتب الانسان على مر العصور والازمان بفضل الله وقوته العلوم والفنون والاشارات والعبارات والقواعد والقوانين والتزم بخط تطورها وتطور أدواتها بالتوازي مع تطور التفكير آخذا بعين الاعتبار تلك التراكمية القائمة على ركيزتين أساسيتين هما ( الصيرورة والسيرورة ) لتشكلا معا بتضافر وثيق العامل الرئيسي في تحديد أدوات وعوامل وقوانين فهم البيان بحيث اصبح له ادواته البلاغية التي جعلت مدلولاته تتجاوز الكلمات والجمل الواردة فيه لدرجة أنه أحيانا نستطيع أن نستلهم من الخطاب الواحد ما يمكننا أن نؤلف من وحيه وإشاراته الكتب والأبحاث والمقالات.

                                                                                                                            

Facebook Comments Box

Share and Enjoy !

0Shares
0 0