أدب و تراث ثقافة مختارات مقالات

التطور الدلالي لمفردات اللغة

 

( التطور الدلالي لمفردات اللغة )

كتبه/ إبراهيم بن عبد العزيز الزعبي – السعودية 

كما اسلفنا في مقالات سابقة ان التفكير في حالة تطور دائم ضمن الظروف والمؤثرات والمدخلات المعرفية التي يتعرض ويخضع لها الانسان وهذا مع تأكيدنا على ارتباط اللغة بالتفكير ارتباطا وثيقا
وفي هذا الارتباط بين التفكير واللغة لايزال العامل الأصل والقاعدة الأساس فيه هو ان تعبر كل كلمة عن معنى حقيقي ( بحالته البدائية الاولى وهو المعنى المشخص المحسوس مرورا بكل مراحل التطور الدلالي لتنتهي بالمعنى المجرد ) وهذا ما يجعل اللغة بحاجة دائمة الى حركة تطور يتواكب ويتواءم ويتوازا مع التغيرات والتطورات التي تطرأ على التفكير الإنساني فلو اكتفينا بالمعاني الاولية للكلمات والالفاظ لضاقت اللغة عن استيعاب المعاني المستحدثة والجديدة والطارئة ولعجز الانسان عن إيجاد سبيل للتعبير عن كل افكاره وتجاربه الخاضع للتطور حتما
ومن المعلوم بالضرورة ان المعاني تحتاج الى لغة للتعبير عنها لكي تتم حالة الإبلاغ والافصاح والتوثيق والحفظ من الضياع لتشكل بذلك سلسلة التراكمية العلمية والمعرفية التي تشكل سيرورة وصيرورة تتيح للإنسانية من خلالها كامل المساحات اللازمة لبناء معرفة علمية عقلية مفهومة على حقيقتها ولتؤسس بشكل دائم ومتجدد قواعد النهوض الحضاري ودوافع الترقي العلمي المعرفي فكان تطور اللغة يعتمد على امرين اثنين :
– ان يتم التطور من خلال الاتيان بمفردات جديدة
– الاعتماد على المفردات القديمة ذات الدلالة المعينة لتنحرف بدلالاتها الى دلالات اخرى
وهذا ما يكشف أمامنا حقيقة أن إحياء لغة ما لا يكون إلا من خلال الاستخدام والتداول لكافة مفرداتها والعمل على تطويرها اتساقا مع تطوير التفكير وما ينتج عنه وتطور الدلالة ظاهرة شائعة في كل اللغات وهو جزء من مظاهر تطور اللغة وناتج من نواتج استخدامها بشكل عام وطبعا هذا لا يتم إلا من خلال مراقبة حثيثة لسيرورة وصيرورة اللغة عبر التاريخ مرورا بالحاضر وتطلعا نحو المستقبل
وإن من مِنْ مَظَاهِرِ الّتطَوْرِ الدَّلَالِيّ
– رقي الدلالة: ككلمة رسول حيث أنها كانت تستخدم للدلالة على من يقوم بإيصال رساله ما ومع بعثة الرسول محمد عليه الصلاة والسلام ترقى معناها لينحصر بالدلالة على الرسول المرسل من الله
– انحطاط الدلالة: ككلمة أفندي أو افندم حيث أنها كلمة تركية أدخلت للعربية وكانت تستخدم للدلالة على الشخص المرموق ثم انحط معناها لينحصر بالدلالة على السخرية والاستهزاء بشخص ما ووصفه بأنه ذو قدر وضيع
– تخصيص الدلالة: ككلمة الحج والتي استخدمت قبل الإسلام بمعنى القصد ثم خصصت بعد بعثة النبي عليه الصلاة والسلام وأصبحت تستخدم للدلالة على مجموعة المناسك المرتبطة بشعيرة معينة فقط
– تعميم الدلالة: كلمة نمرود كانت تستخدم كإسم لرجل بعينه ثم عممت الدلالة لتشمل كل شخص ناكر للجميل متكبر لئيم
وهذا التطور ينقسم إلى قسمين :
– تطور غير مقصود يتم في كل لغة وكل بيئة.
– تطور مقصود ومعتمد يقوم به علماء اللغة لهدف ما.
وهنا لابد من قفزة سريعة على تراتبية الموضوع لنتجاوز عدة مراحل تتعلق بمفاهيم تطور اللغة لنتجه إلى أمر غاية بالخطورة حيث أننا اتفقنا بناءا على كل ما سبق أن كل من التفكير واللغة يخضع لعملية تطور دائمة وأن تطور التفكير واللغة تطور متلازم ومتوازي يخدم فيه أحدهما الاخر ويلبي حاجاته ولا ينفك عنه ومن خلال هذا يتقرر لدينا أنه حيثما وجد التفكير وجدت اللغه والعكس صحيح ومع تقرير حالة التطور الدائم وأن هذا التطور يأخذ شكل من أشكال الاقتراب من الحقيقة والتوسع في دائرتها فيما يخص التفكير ويأخذ شكل تطور دلالي في اللغه كالرقي والانحطاط والتخصيص والتعميم فوجب التنبه هنا أن ما يجب الوقوف عنده لغويا هو المعاني والمقاصد حسب التطور الدلالي لكل عصر فالدراسة التي تتم في القرن الواحد والعشرين ستستخدم اللغة المحكية قبل قرون عدة لكن ضمن دلالات تتناسب مع حالة التطور التي وصل إليها التفكير الانساني في القرن الواحد العشرين وسيزيد عليها ما يلبي عملية التفكير إن قضت الحاجة بذلك وأيضا فإن الدراسة التي تمت في القرن الخامس عشر استخدمت اللغة المحكية قبل قرون عدة لكن ضمن دلالات تتناسب مع حالة التطور التي وصل إليها التفكير الإنساني في القرن الخامس عشر وبالتأكيد قد زيد عليها ما يلبي عملية التفكير الانساني ضمن مقتضيات الحاجة آنذاك وبهذا يجب علينا الحذر من تعميم مخرجات التفكير للقرون الماضية المبنية على دلالات لغوية ( طرأ عليها الكثير من التغيير والتطوير ) دون البحث في المعاني والدلالات المتداولة في تلك الحقبة ومقاربتها مع حالة التفكير العقلي المعرفي وأدوات الادراك آنذاك
وإذا ما فهم هذا جيد وجد أنه من الطبيعي أن نضع كثير من المعارف والعلوم السابقة في حيز التراث الإنساني الغير صالح لهذا العصر وذلك بسبب استخدامهم للغة بدلالاتها التي تتناسب مع عصرهم ومعارفهم آنذك وهذا ما يجعلنا غير ملزمين بكثير من مخرجاتهم المعرفية وذلك ليس من باب الطعن بمعارفهم وبخسهم جهدهم لكن حتمية التطور تجبرنا على أن نتمسك بمخرجات التطور الحالي المبني على معطيات معرفية أوثق بكثير من معطيات القرون السابقة.

Facebook Comments Box

Share and Enjoy !

0Shares
0 0