تاريخ سياسة مختارات مقالات

ياسر عرفات – لله والتاريخ والمكان حكمة عظيمة في اختيار الابطال

بقلم/  عمر حلمي الغول

ياسر عرفات
لله والتاريخ والمكان حكمة عظيمة في اختيار الابطال التراجيدين، مراحل حياتهم على بساطتها غالبا تكون مبرمجة متناغمة مع تبلور الذات فيهم، كأنها مجبولة من طينة خاصة ومختلفة عن بني البشر، وان وجدت الصدفة في حياتهم، فإن وجودها يكون لترسيخ حضورهم، ورفع مكانتهم، وصقل مواهبهم القيادية، وانبعاثهم من رحمة الام شعوبهم ومعاناتها. وغالبا لا يمكن للإنسان العادي الفصل بين الرموز العظيمة وبين قضاياهم، ومصير شعوبهم، لان التمازج والتداخل والانصهار بين نسيجهم الذاتي واوطانهم يفوق الوصف، ولا يعود هناك مجالا للتباين مهما كان صغيرا بينهم.
ياسر عرفات احد الابطال التراجيدين، هو أبو المفارقات والتناتقضات والابداعات، وصانع التاريخ وعابر محطاته بصلابة واقتدار، وفارض نفسه على الدنيا بكل تلاوينها ومشاربها وصنوف قياداتها ومركباتهم. مغامر وواقعي في آن، مقاتل وصانع سلام، عنيد وجبار وانسان وديع إلى ابعد الحدود، فقير وبخيل على نفسه وكريم على غيره، براغماتي ومتشدد في آن، يقبل القسمة على كل المتناقضات، وناظم حياته الأساس شعار ومبدأ الميكافيلية” الغاية تبرر الوسيلة”، لا يخشي الغوص بيديه وقدميه في كل الدروب، يبحث عن بصيص أمل، وضوء في آخر النفق، معلم ومبدع في فن التكتيك السياسي، والاقدر على تدوير الزوايا، كان مراوغا متفوقا، تراجع وتقدم، بيد انه لم يحد لحظة عن هدفه، هدف الشعب بكل الوان طيفه السياسي.
أبو عمار كان يرى في نفسه كل زعماء الأرض عبر التاريخ فهو يفترض انه تلميذ أبو الأنبياء إبراهيم، وموسى عليه السلام، وعيسى المسيح عليه السلام وآخر الأنبياء محمد عليه الصلاة والسلام، وهو كل الخلفاء الراشدين، وابطال الفتح الإسلامي، وهو جمال عبد الناصر ونلسون مانديلا وكاسترو وغاندي ونهرو وهوشي منه وجياب وماو تسي تونغ وبن بلا وبومدين والحبيب بورقيبة وعبد الكريم الخطابي وعمر المختار … الخ
لو دقق الانسان في شخصية الختيار لوجد فيها كل الابطال التاريخيين، ومع ذلك كان نسيج ذاته، مجبولا من طين وفولاذ، من لحم ودم، من مدارس الفكر المختلفة، لا بل يرى في نفسه جامعا لها، ومتسيدا على رأسها، وفوقها، وصاهرها في بوتقة الكفاح الوطني التحرري، وفي بناء وتطور فكرة حركة فتح. ومع ذلك لا يقبل القسمة على بطل بعينه، ولا على مدرسة فكرية بذاتها، كأنه كان يحمل في ذاته مصنعا لصهر كل المتناقضات ليتربع على عرشها دون استثناء.
عرفات البطل التراجيدي تمكن من ان يؤصل لحضوره ومكانته العالمية كأحد أسماء القضية الفلسطينية. لا بل ان كثيرا من بني البشر لم يعرفوا فلسطين وقضيتها، ولكنهم سمعوا وعرفوا أبو عمار وكوفيته، التي كرسها رمزا من رموز الهوية الوطنية في الثورة المعاصرة، وأعاد لها بريقها ومكانتها، التي استحوذتها في ثورة 1936 / 1939.
لانه كل ما تقدم، لذا كان رجلا اشكاليا، غامضا وصعب المراس، لم يكن سهلا سبر اغواره، كما لم يكن مستحيلا، كان كل تلك الفرادة، كان المنطق ونقيضه، كان ماسكا لجام الليل والنهار، يخشى ان تفوته لحظة زمن او حدث مهما كان بسيطا. كان كتلة من النشاط والحيوية والفطنة، لماح بسرعة البرق، لا يقبل ان يفوته شيء. اعجز القادة الإسرائيليين، وافقدهم توازنهم حتى تواطؤا على شخصه مع حلفائهم في إدارة بوش الابن، واغتالوه بالسم بعد ان حاصروه حتى الاختناق في مقر المقاطعة في رام الله.
لكنه انتصر عليهم بارادته الفولاذية، وهزمهم في الكرمة 1968 ولبنان 1982ورام الله 2002 وغزة 1996و 2000، نعم اغتالوه منذ سبعة عشر عاما، لكنهم لم يهزموه، ولم يهزموا فكرته ومشروعه التحرري الوطني، لانه أصل للحرية والاستقلال والعودة وتقرير المصير، ورغم كل النواقص والثغرات والمركبات الطبيعية واللا طبيعية في مكونات الحالة الفلسطينية الا ان الطريق التي عبدها ياسر عرفات مازالت، هي الطريق المفتوحة، والتي سار ويسير على دربها كل ابطال الحرية والسلام. رحمة الله على أبو عمار، الذي مازال حيا وخالدا فينا وبيننا.

Facebook Comments Box

Share and Enjoy !

0Shares
0 0