مقالات نصوص أدبية

مِن الآن لن تقول متى سأبدأ!

مِن الآن لن تقول متى سأبدأ !
بقلم/ نغم اليازجي 
ذا تيهٍ كنتَ لا تَدري أين البداية! تجلسُ وفِكرُكَ يتخبّطُ كأنه بحرٌ لُجّيٌّ مِن التبعثر.
أتدري أنكَ بدأتَ؟ ألم تُولَدْ؟! إذن أنتَ قد بدأتَ، البدايةُ تبدأ حين تثورُ صارخًا لأول مرةٍ، حين مِن بطنِ أمك تخرجُ -مسكينًا ضعيفًا، لا تقوى على شيءٍ- إلى الحياةِ، التي تشوبُها شدةٌ وفتنٌ وقسوةٌ.
أتدري أنك تسابقُ الوقتَ الآن؟ أو ربما الوقتُ مَن يسابقك؟ أتدري أنك تسرقُ من الوقتِ الذي منحَكَ اللهُ إياهُ لِتقرأَ ما خطَّتْه بعضُ أناملي؟
يعيشُ الإنسان سارقًا، كلٌّ مِنّا مِن وقته قد سَرَق، ربما مِن أجله أو من أجل غيره، والأجملُ أنْ تسرقَ من وقتك مِن أجل الله، ما أجملها مِن سرقةٍ! لكنّ الموت الذي هو بدايةُ حياتِكَ الحقيقية قد أوشكَ أنْ يفترسَك، كل يومٍ يقتربُ ولا تدري؛ ربما..! عليكَ أنْ تُدركَ حقيقةَ اقتراب الموتِ الآن يا صديقي، فإنْ أدركتَهُ في الكِبَرِ فأين الملاذُ ولا وقت! وأين الشروقُ ولا شمس! وأيُّ فرصةٍ ولا قوة لاستغلالِها! سيكون قد فات الأوانُ.
فبِاللهِ يا أخي احذَرْ، وغطاءَ الكسلِ والتسويف عنكَ اخلَعْ، ونفسَكَ مِن شهواتها أَعتِقْ، فإنّها مُحطَّمَةٌ مُدمّرَةٌ بها، كُن مولودًا عاشَ ولم يَمُت، لا تنتظرْ رياحَ الهلاكِ لتعصفَ بكَ على حينِ غفلةٍ! قُم يا أخي؛ فالكرب عسيرٌ عسيرٌ.
ما تنتظر؟! كُن أنت البطل، أتَنتظرُ للنارِ أن تكون بردًا وسلامًا عليك؟! أتنتظر معجزةً دون أدنى اجتهادٍ؟! هيهات هيهات! سيخطفكَ الموت الآن أو غدًا، لكنّ البطولةَ أنْ تخطِف أنتَ نفسكَ مِن الهلاكِ؛ كي لا تكون صفرًا يسارَ عددٍ لا قيمةَ له، فلا تكُن مجردَ رقمٍ منسيٍّ، بل كُن أنتَ مَن يُحوّلُ الرقمَ إلى شخصيةٍ عظيمةٍ، أَتُريدُ الموتَ دون ذكرِ الله لكَ مُباهيًا بكَ بين ملائكتِه؟!
ستموتُ وتُبقي للأهل بعضَ رِزق اللهِ لك، ثم يسلبونه منكَ، فقد مات صاحبُهُ، وما استفدنا منه شيئًا في حياتِه! أَتُريد ميتةً باردَةً كهذهِ؟! سيحاسبُكَ وحدكَ اللهُ دونَ أحدٍ، ومهما هربتَ مِن الموتِ فإنه نحوكَ بهرولتِهِ جاريًا دون انتهاء!
إنَّ خَلْقَ إنسانٍ مؤثرٍ داخلكَ ليس بالأمرِ الهيِّن، لكنّ النجاحَ هو محاولتُك، والمحاولة نجاحُك، فقط حاوِلْ، وعلى الله التيسيرُ، وصَدُّ شرِّ السبيلِ، لا تترُك نفسَك للفراغِ فتَهلَك، ولا تُغرِق نفسَك بالعملِ فتفقِد هِمَّتَك، بل كُن صحيحَ الفِكرِ، سديدَ الرأيِ، كثيرَ العملِ، قليلَ القولِ، حبيبَ الإلَهِ، صديقَ الرسولِ، حَسَن الخُلُقِ، شقيقَ الجِنان.
و(كُن) يلزمها العملُ، والعملُ يلزمُه البدءُ، فابدأ بنفسِكَ لترى الصلاحَ، لا أنْ ترى الصلاحَ فتبدأ بنفسِك، فرحمَ اللهُ امرَأً ما تمنَّى تغييرًا في هذا العالمِ إلا بعدَ أن غيَّرَ نفسَه، كُن أنتَ الصّانعَ المُفكّرَ المُنتِجَ، واحذرْ مِن النُّسخِ المكرورةِ؛ كُن أنتَ فقط؛ وسترى العجَب العُجاب!
Facebook Comments Box

Share and Enjoy !

0Shares
0 0