تربية دين مختارات مقالات

نحن شكلانيون إلى أبعد مدى


نحن شكلانيون إلى أبعد مدى
في التدين، في الوطنية، حتى في العفة، والشرف


كتب الاستاذ/ جميل عبد النبي

عندما كنت في السادسة عشر من عمري، كنت أشارك مع جماعة الدعوة والتبليغ، وحتى سن العشرين، كنت أرتدي مثلهم، جلباباً، وعمامة، وكنت لا أخذ شيئاً من لحيتي، تأسياً بما قيل لنا عن النبي عليه السلام، كنت لا أحفظ من القرآن الكريم، ربما، ما لا يزيد عن ثلاثة أجزاء، وثقافتي الدينية محدودة، لكن الناس كانوا ينادونني: الشيخ جميل، وكانوا يقدمونني لإمامة الصلاة أينما حضرت.

اليوم مرّت أكثر من ثلاثين سنة على تلك الأيام، ازدادت علاقتي بالقرآن الكريم، وازددت اطّلاعاً على علومه، بل إنني أعمل مدرساً لمادة التربية الإسلامية، لكني لم أعد أرتدي جلباباً، ولا عمامة، ولا أترك لحيتي، ولهذا لم يعد اسمي: الشيخ جميل ههههه، علماً أنني لا أحب أن يناديني أحد بلفظ الشيخ، فأنا لا زلت أشعر بأنني شابٌ، لا يزال يطمح في مزيد من الحياة، وأنا أصلاً لست شيخاً.

لم يلتفت الناس إلا إلى تغيّر مظهري، فالشيخ بالنسبة لهم هو من يرتدي لباس الشيوخ، حتى لو كان في داخله خاوياً، لا يعرف حتى سبب ارتدائه لهذا اللباس!
ولقد صدق بالفعل من قال: أن العباءة تصنع الشيخ، والقبعة تصنع القسيس!

بالمثل: يمكن للناس أن تقيس تدينك بقدر تحريمك لطيبات الدنيا على نفسك، وعلى الناس، فكلما أفتى لهم شيخ ما بحرمة معظم تفاصيلهم، وصفوه بأنه من أهل العزائم!
أما شخص مثلي يرفض من حيث المبدأ مسألة وجود مفتين، ويبادر سؤال سائله، أو مستفتيه، عن أي مسألة: إن كان القرآن قد حرمها أو لا، وإن كان فيها اعتداء على الآخرين أو لا، وأن أي مسألة ما دون ذلك هي من المباح، الذي لا يملك الشيوخ تحريمه، فإن ديني يوصف: بالسكر الخفيف.

في الوطنية:

يمكن لك أن تعلي صوتك دائماً، وأن ترفع من مستوى مغامراتك، المهم أن ترفع شعارات ذات سقف عال، عندها يمكنك أن تطمئن بأنك ستوصف مناضلاً، ووطنياً كبيراً، حتى لو كانت في الحقيقة شعاراتك، وممارساتك الوطنية مما يمكنه أن يجلب الوبال على الوطن!
ليس هذا هو المهم، طالما أنك تبدي استعداداً- ولو ظاهرياً- للتضحية، لكنك إن فكرت بمجرد فحص الوسائل، والأدوات، والشعارات، فأنت متخاذل، وربما من الطابور الخامس المتآمر ضد الوطن، والوطنيين!

لم يعد الحفاظ على الوطن هو معيار الوطنية، إنما مستوى الضجيج الذي يصدر باسم الوطن، مع العلم أن أكثر ضجيجنا مما يستفيد منه عدونا، لإثبات روايته المزيفة، كصاحب للأرض، وضحية بين قطيع من المتوحشين، كل هذا لا يهم، فستبقى في نظر البسطاء وطنياً كبيراً إن أنت ناغمت عواطفهم الوطنية الجياشة.

في العفة والشرف:

يكفي للحكم على المرأة مثلاً- رغم أن أوصاف العفة والشرف من المفترض أن تشمل الرجال والنساء- بأنها عفيفة شريفة، إن هي ارتدت نمطاً معيناً من اللباس، وإن هي امتنعت عما لم تمتنع عنه الصحابيات الأوائل من محادثة الرجال، ومخالطتهم، أما إن لم يرق لك شكلها فهي ليست شريفة، ولا عفيفة!
حتى أنك ربما لا تكلف نفسك عناء فحص سلوكها.

ولاحظوا أيضاً؛ كيف تم اختزال مصطلحي العفة، والشرف، في المرأة، ولباس المرأة، رغم أنهما يشملان الكثير من الأخلاق النبيلة، التي لا تجعلك مثلاً تطمع بما في أيدي الآخرين، وألا تحنث بوعد قطعته للآخرين، لكنك وفقاً للشكلانية تستطيع أن تفعل الكثير، طالما أنك أظهرت شكلاً يروق للناس اختزال مصطلحات العفة، والشرف.

شئنا أم أبينا، نحن بحاجة إلى إعادة موضعة للمظاهر، أياً كانت، حتى لا تحتل مرتبة متقدمة على جوهر الأشياء، الذي هو أصل ما يجب أن نبحث عنه.

اقرأ أيضا: الطحن في الماء

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
روافد بوست
كاتب وباحث سياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.