أدب و تراث عروض كتب مختارات مقالات

قراءة في رواية مشانق العتمة للروائي يسري الغول

قراءة في رواية مشانق العتمة للروائي يسري الغول

بقلم/ د. خالد صافي

انهيت بالأمس قراءة الرواية الجديدة للكاتب الروائي يسري الغول وهي بعنوان مشانق العتمة، والصادرة عن المؤسسة العربية للنشر والتوزيع في بيروت، وتقع الرواية في 222 صفحة من الحجم المتوسط، ورسم وتصميم الغلاف للفنانة اللبنانية رشا حلاب. وقد جاءت لوحة الغلاف معبرة عن واقعة الغرق في اليم الذي انتهت له الرواية في تشابك أحداثها. ورغم أنني من لست ناقدا أدبيا لأن عالم النقد له علمه ومناهجه وأدواته، ولكن كوني كاتبا أدبيا شعرا ونثرا ولجت إلى تسليط الضوء على بعض الجوانب الهامة في هذه الرواية التي شكلت غوصا وتشريحا لواقع فلسطيني وعربي. وان كان البعد المكاني تقاطع في أمكنة أربعة تقريبا هي فلسطين وسوريا والسعودية وتركيا وتنتهي مأساة الرواية قرب شاطىء الحلم في اليونان. أما البعد الزماني فهو رغم عدم تسلسله في الرواية إلا أنه يطرح الواقع الزماني في غزة بعد انقلاب حركة حماس في غزة سنة 2007م، وسيطرتها على قطاع غزة كحكم واقع. وايضا تمتد زمنيا إلى سوريا بعد قيام الثورة في 2011. ورغم أن الكاتب يقر بعدم تسلسلة الأحداث زمنيا، وقيامه احيانا بحالات رجوع الى الخلف زمنيا بفتح حقائب سرد الذاكره لكنه حافظ على تشابك الاحداث زمنيا وتقاطعا وصولا إلى لحظة الصعود الأخير إلى القارب، والانتظار في قارب تتلاطم به الأمواج على ضفاف الحلم، وضجيج الأمل، وصخب الأمنيات بالوصول سالمين وهو لم يحدث.
الرواية تنتمي إلى الأدب الواقعي. فهي تنطلق من الواقع في غزة وسوريا لتحلق في فضاء حياة معاشة لشخوص الرواية. ولذلك لم يكثر في الرواية الرمزية كما عهدناها في كتابات الكاتب، بل نقل دقيق وتفصيلي بشكل مباشر وغير مباشر لواقع معاش من قبل أشخاص عاديين كباقي أفراد المجتمع لا يتمتعون بمزايا خارقه بل أشخاص نراهم على ضفاف الغرق أو النجاة يوميا على ضفاف قارعة الهجرة.
لقد طرق يسري جدران الخزان في موضوع الهجرة الذي أصبح يسيطر على تفكير الشباب، ويغوص الكاتب في أسباب ذلك من إحباط فكري ونفسي، وواقع اقتصادي وأمني قاتم. وملاحقة من أنظمة أمن محلية وعربية. هي حالة من فقدان الثقة في اصلاح الواقع القائم فكريا وسياسيا فيتجلى الحل في الوعي الفردي بضرورة الهجرة بعد اليأس في التأقلم فكريا وأمنيا وسياسيا واجتماعيا واقتصاديا مع الواقع المعاش. اذا يسري يطرق جدران الخزان لماذا وصل المواطن العادي إلى اليأس وإلى الخوف على حياته.
شخوص الرواية ليسوا أقارب أو تتقاطعهم صلات اجتماعية كما في بناء الرواية التقليدية، شخوص متناثرين اجتماعيا ولكن جمعهم معاناة الواقع وطحن الظروف الأمنية والسياسية والانغلاق الفكري والصراع السياسي. جمعهم حلم واحد أمنية واحدة قارب واحد. تركوا واقعهم وامتطوا صهوة لحظة الخلاص، بحثا عن الجنة الموعودة. حالة تتكرر كل ساعة وكل يوم على ضفاف شواطىء البحر المتوسط بلا استثناء، تزادا في مكان تضعف في مكان وهكذا دوليك حالة عناق مستمر بين واقع صعب، وحلم صعب، وبين الواقع والحلم يتربص الموت بالضحية مع هامش ضئيل من الأمل يبقى حالة الاستمرارية مفتوحة بلا نهاية تقترب في الأفق.
… عالج يسري الانغلاق الفكري والسياسي في غزة، واعطى صورة قاتمة لنهاية كل من يؤمن بالتعايش والتسامح والانفتاح على الآخر من خلال شخصية ابن رشد، في رمزية تكاد تكون الوحيدة في الرواية، كي يطل على فكر الاختلاف وما هو مأله ونهايته، ولذلك اختار يسري رمزية اللقب كي يبرز جوانب واقعية قائمة في احتكار الحقيقة وعدم تقبل الرأي والرأي الأخر، والتعصب الحزبي والانغلاق الفكري وما ينتج عنه من واقع مرير. ويصل بنا الكاتب إلى نهاية تشائمية لمن يتسامح ولمن يغرد خارج سرب الانغلاق.
في نهاية الأحداث أوصلنا يسري إلى نظرية المشيئة الإلهية في عقاب من يفسد في الدنيا ويستبيح القتل وسفك الدماء وهتك الأعراض، هو هنا يواجه عقاب الدنيا قبل الآخرة. هو يجعله حيا يذوق عذاب فقد زوجته وحبيبته وفقد ابنه الوحيد، وهو عقاب دنيوي رغم أنه قد فقد إنسانيته وضميره، فهل سيشعر بالعذاب والقهر على فقده فلذة كبده أم سيستمر في حالة ضياع وتيه بربري.
ابقى يسري على فسحة النجاه مفتوحة من خلال نجاه هاجر، وما تم من انتشالها من خفر السواحل، وكأنه يوحي باستمرارية ظاهرة التضاد بين الموت والحياة. فكما هناك موت هناك حياة، ولذلك بقاء الحياة في فرد يعني بقاء الحلم والأمل واستمرارية ظاهرة الهجرة. ولكن الكاتب أبدع في رأينا عندما جعل إمكانية الخلاص الفردي إمكانية واردة ولكن استحالة الخلاص الجمعي. فالخلاص الجمعي لا يكون إلا بالصمود في الأوطان والعمل على تغيير الواقع. والنضال من أجل إنسانية الإنسان وكرامته. فجاء الغرق للغالبية المطلقة، لأن النجاة للجميع في القارب هي إعطاء الفرصة للعقل الجمعي للهرب خارج الوطن. وهذا يعني انهزام شعب وقضية ووطن. قد يحدث خلاص فردي هنا وهناك ولكن الخلاص الجمعي لا يكون بالهرب خارج الاوطان، وتركها للصوص السياسة وتجار الدين. بل بنضال شعب ضد محتليه الأجانب منهم والمحليين من دهاقنة السياسية والدين.
قد لا يكون يسري الأول الذي طرق موضوع الواقع المعاش ومحاولات الهروب والهجرة، تم تناول ذلك في روايات ومجموعات قصصية ولكن يحسب ليسري أنه حلق في أكثر من مكان أبرز فيها معاناة الإنسان الفلسطيني والعربي، وشرح الواقع الاجتماعي والاقتصادي والأمني، بل النفسي والفكري أيضا في تشابك رائع نجح في جذب القارىء وتشويقه حتى المشهد الأخير.
لقد أعطى يسرى فضاءات عدة حول كتابات آخرين عن الواقع المعاش، مثل عبد الرحمن منيف، وإبراهيم نصر الله، كما أنه دغدغ عواطف القارىء بأغنية أصبحت تائهة في غياهب الذاكرة وهي أغنية سيد مكاوي ” الأرض تتكلم عربي”، هي لم تعد تتكلم سوى معاناة بشر والحط من كرامتهم. هي محاولة استرجاع لذاكره جميله ، في واقع صعب.
واخيرا لقد دافع يسري عن المظلوم في مواجهة الظالم، دافع عن الضحية في وجه الجلاد. دافع عن الإنسان في مواجهة البربرية. هي محاولة تشخيص الواقع بحثا عن الخلاص الفردي والجمعي في سردية رائعة.

Facebook Comments Box

Share and Enjoy !

0Shares
0 0