تربية تنمية مختارات مقالات

التعليم بالعمل أبلغ من التعليم بالقول

بقلم:
أحمد بن ناصر القعيمي

التعليم بالعمل:
التعليم بالعمل أبلغ من التعليم بالقول، وأسرع في الوصول إلى الامتثال، والتصور من غيره، ولذلك كانت تربية النبي صلى الله عليه وسلم – في كثير من أحواله – لأصحابه عملية كالصلاة مثلا (صلوا كما رأيتموني أصلي)، والحج (لتأخذوا عني مناسككم).
وكان ابن الجوزي – رحمه الله تعالى – يولي هذا الجانب في صيد الخاطر اهتماما كبيرا، ومن أحسن ما ذكره في ذلك ما يلي:
قال – رحمه الله -: (لقيتُ مشايخَ، أحوالُهم مختلفةٌ، يتفاوتون في مقادِيرِهم في العلم.
وكان أنفعُهُم لي في صحبتِهِ، العاملَ منهم بعلمه، وإن كان غيرُهُ أعلمَ منه.

ولقيتُ جماعةً من علماء الحديث يحفظون، ويعرفون، ولكنهم كانوا يتسامحون بغيبةٍ يخرجونها مخرجَ جرحٍ وتعديلٍ، ويأخذون على قراءة الحديث أُجرةً، ويسرعونَ بالجواب لئلا ينكسرَ الجاهُ، وإن وقع خطأٌ.

ولقيتُ عبدَ الوهاب الأنماطي:
فكان على قانونِ السلفِ.
لم يُسمعْ في مجلسه غيبةٌ ، ولا كان يطلب أجراً على سماع الحديث.
وكُنتُ إذا قرأتُ عليه أحاديث الرقائق بكى ، واتصل بكاؤُه.
فكان –وأنا صغيرُ السنِّ حينئذٍ–يعملُ بكاؤُه في قلبي، ويبني قواعد الأدب في نفسي، وكان على سمت المشايخ الذين سمعنا أوصافهم في النقل.

ولقيتُ الشيخَ أبا منصور الجواليقي:
فكان كثيرَ الصمتِ.
شديدَ التحري فيما يقول، متقناً محققاً.
وربما سُئِلَ المسألةَ الظاهرةَ التي يبادر بجوابها بعضُ غلمانه، فيتوقف فيها حتى يتيقن، وكان كثيرَ الصوم والصمت.

فانتفعت برؤيةِ هذينِ الرجلينِ أكثرَ من انتفاعي بغيرهما.
ففهمت من هذه الحالة: أن الدليل بالفعل أرشد من الدليل بالقول.

ورأيتُ مشايخَ كانت لهم خلواتٌ في انبساطٍ ومُزاحٍ، فراحوا عن القلوب، وبدد تفريطُهم ما جمعوا من العلم، فقلَّ الانتفاعُ بهم في حياتِهم ، ونُسُوا بعد مماتهم، فلا يكاد أحدٌ أن يلتفت إلى مصنفاتهم.

فالله الله في العمل بالعلم فإنه الأصل الأكبر.
والمسكينُ كلُّ المسكينِ مَنْ ضاعَ عمُرُه في علمٍ لم يعمل به، ففاتته لذاتُ الدنيا، وخيراتُ الآخرة، فَقَدِم مُفلِساً مع قوةِ الحجةِ عليه).

Facebook Comments Box

Share and Enjoy !

0Shares
0 0