أسرة وطفل ترجمات فلسفة مختارات مقالات

الأطفال والفلسفة – مترجم

الأطفال والفلسفة 

ترجمة للقسم الثاني والاخير في ثقافية المدى

كتابة: جانا مور لون
ترجمة وتقديم: لطفية الدليمي
كاتبة هذه المقالة، جانا مور لون Jana Mohr Lone ، تعمل مديرة مركز “الفلسفة للأطفال”، وفي الوقت ذاته هي أستاذة مشاركة في قسم الفلسفة بجامعة واشنطن.
الآتي ترجمة لمعظم فقرات المقالة المطوّلة التي نشرتها لون في موقع Aeon الالكتروني الرصين – المعني بالأفكار المهمة التي تشكّلُ عالمنا – بتاريخ 21 أيار 2021
المترجمة

إنّ ما لا يستطيعه (أو لنقُلْ ما لا يرغب فيه) طلبة الفلسفة هو الإنغماسُ في مناقشات مفتوحة حول الأسئلة الفلسفية ذاتها من غير الإعتماد على إحالات مرجعية إلى مختصّين متمرّسين بالفلسفة؛ لأنّ السائد لدى معظم البالغين هو تعريفهم للفلسفة والممارسة الفلسفية بأنها – ببساطة – ما يفعله الفلاسفة المتمرّسون.

ليس توصيف الحال هذا مكافئاً للقول بأنّ الفلسفة الأكاديمية ليست ذات أهمية. ثمّة فائدة عظمى تدفعُ لدراسة النصوص الفلسفية التي تمثّلُ تحدياً للفكر الإنساني، وذاتُ الفائدة يمكن أن نختبرها من دراسة تأريخ الأفكار المبثوثة في أعمال الفلاسفة العِظام، إلى جانب فهم النظريات المعقّدة وتعلّم كيفية صياغة الحجج الفلسفية الصارمة والمتماسكة؛ لكن ليس هذا كلّ شيء في الفلسفة. الفلسفة ليست هيكلاً معرفياً تنحصرُ نطاقاته بين أروقة الكليات والجامعات. إنها شيء كان له سبق زمني كبير على هذه المؤسسات التعليمية الحديثة، وهي في الوقت ذاته كينونة حيّة خارج هذه المؤسسات.

الدهشة الفلسفية جزء حيوي من كوننا بشراً؛ إذ غالباً ما نتساءل: ما الشيء الصحيح الذي يجب فعله؟ لماذا على الناس أن يموتوا؟ هل هذا الشخص صديقي حقاً؟ عندما نفكّرُ في مثل هذه الأسئلة فإننا نمارسُ فعلاً فلسفياً ونتشاركُ تقليداً إنسانياً مضى عليه آلافٌ من السنوات، ومعظمُ البالغين الذين يستكشفون أسئلة فلسفية ليسوا بفلاسفة متمرّسين؛ لكنّ هذا الأمر لا يعني أبداً إبطال كونهم مؤهّلين لخوض مساءلات فلسفية كبرى.

في مقايسة مماثلة يمكن النظر إلى الأطفال. إنّ حقيقة كون الأطفال مبتدئين في حقل الفلسفة لا يعني ضرورة ابتعادهم عن التفكير الفلسفي والمساءلة الفلسفية الجادّة؛ ومع أنّ الأطفال الصغار لا يساهمون في العادة في استكشافات فلسفية عبر قراءة النصوص الفلسفية أو كتابة الأوراق البحثية أو الحصول على شهادات جامعية فإنّهم برغم ذلك يستطيعون أن يتشاركوا جانباً من النقاش الفلسفي مدفوعين بحسّ الشغف والإكتشاف فحسب.

بدلاً من تعليم الفلسفة للأطفال يمكننا محاولةُ ممارسة الفلسفة معهم عبر خلق فضاءات حوارية تتيحُ لهم إستكشاف ومساءلة الموضوعات الفلسفية التي يجدون فيها مواطن للشغف والولع. بقدر ما يخصّني الأمر أبدأ مع الأطفال باقتراح مفردة فلسفية – أو عبارة فلسفية – يمكن أن تكون مدار بحث ومساءلة مستفيضة، مثل: معنى السعادة، والعدالة، والكياسة، والعلاقة بين الحرية والجماعة البشرية، وطبيعة الجمال،،، والعديد من موضوعات شبيهة أخرى لا تنبثق من أعمال الفلاسفة الكلاسيكيين والمعاصرين بل أيضاً من معاينة الكتب المصوّرة المخصصة للأطفال بالإضافة إلى الكتب الخاصة بأدب الأطفال، وفنونهم، وموسيقاهم، وأفلامهم، وألعابهم، وفعالياتهم، ومن أنشطة عادية كثيرة أخرى يمارسها البالغون في الحياة اليومية.

ثمّ يحصلُ أن أسأل الأطفال: « ماالأسئلة التي يجعلكم هذا الذي ترونه أمامكم تتفكّرون بها وتندهشون لها؟ « يقضي الصغار بعض الوقت في تأمّل المادة التي أمامهم ثمّ ينتهون إلى أسئلة فلسفية، ويحصلُ أحياناً أن يعملوا منفردين أو في جماعات صغيرة. بعد أن يتشاركوا الأسئلة جميعاً يحصلُ نوعٌ من التصويت على الأسئلة التي يرونها أكثر إثارة من سواها وقابلة لمزيد من الإستكشاف الفلسفي، ثمّ يُمضي الأطفال معظم وقت الجلسة الفلسفية في مناقشة الأسئلة التي تمّ التصويت على أفضليتها الفلسفية من حيث كونها مادة خصبة ومُثيرة للنقاش الفلسفي.

حصل خلال الجائحة الكورونية الحالية أن تكرّرت الأسئلة الخاصة بالموت والفناء. في مناقشة فلسفية مباشرة online على الحاسوب في الربيع الماضي من هذه السنة 2021 مع مجموعة من طلبة الصف الرابع الابتدائي، كنّا نناقشُ موضوع أن يكون المرء سعيداً وحزيناً في الوقت ذاته. أجاب معظم الطلبة بما يفيدُ تأكيد إمكانية تلازم السعادة مع الحزن؛ لكن عندما تساءلت: هل يمكن للمرء أن يكون سعيداً سعادة خالصة من غير أي حزن يشوب تلك السعادة، أجابت تلميذة (دعوني أسمّها آفا) بالكيفية التالية:

أتفقُ بأنّ في مستطاعك أن تكون سعيداً وحزيناً في الوقت ذاته؛ ومع أننا نفكّرُ في السعادة والحزن باعتبارهما متضادات متنافرة لكن يمكن في أحيان محدّدة جمعهما معاً. تلك في العادة لحظاتٌ عندما تشعرُ بالسعادة في حياتك ثم تدركُ بأنّ حياتك لن تستمرّ بصورة دائمة إلى الأبد. صحيحٌ أنّ حياتك قد تستمرُّ طويلاً: أنا مثلاً لم أزلْ في التاسعة من عمري ولا زالت الحياة مفتوحة بكلّ إمكانياتها أمامي؛ لكني برغم هذا أرغبُ في البقاء حيّة إلى الأبد واعلمُ أنّ هذا الأمر شيء لا أستطيعه……

كما ترون، لاحظت آفا أنّ الحزن يشوبُ السعادة في الغالب، وهذه المشاعر المختلطة مرتبطة بحقيقة قِصَر الحياة مهما طالت. المشاعر التي تغمرنا ببهجة عظمى هي في الوقت ذاته تَذكِرَةٌ لنا بأنّ ما تبقّى لنا في الحياة سينتهي يوماً، وأنّ كلّ ما نختبرهُ في الحياة سيكون مآلهُ الإندثار يوماً ما لا محالة.

تمثّلُ كلماتُ آفا تعبيراً قوياً آسراً للحالة الدرامية التي تكتنف حقيقة الوجود البشري: نحنُ – البشر – فانون، ويوماً ما ستؤول حيواتنا إلى نهاية أبدية. تفكّرتُ كثيراً في تعليق آفا منذ ذلك الحين، وتفكّرتُ في الوقت ذاته في الوسائل التي يستعين بها الأطفالُ في مقاربة حقيقة أنّ الفناء شيء يتوضّعُ في جوهر وجودنا البشري، وأنّ حيواتنا تمتلك خصيصة أطلقها الفيلسوف سامويل شيفلر Samuel Scheffler عليها ودعاها “ الندرة الوقتية “: نحنُ نعيشُ عالمين أنّ أيامنا في الحياة – مهما طالت – تبقى معدودة. قد يعني هذا حقاً أنّ كينونتنا الفانية هي – ربما – العنصر الأكثر جوهرية فيما يعنيه الوجود البشري.

لطالما تساءلتُ عن حقيقة فنائنا البشري، وكم نكون على مقربة من إدراكه في بداية الحياة ونهايتها: يملك مفهوم الموت سطوة قوية على الأطفال لأنّ مرحلة الطفولة هي الطور الأوّل من الحياة الذي تواجهنا فيه حقيقة أنّ حيواتنا محدودة بمدى زمني معيّن. هذا في بداية الحياة؛ أمّا في نهايتها فإنّ واقع اقتراب الموت منّا يقودنا إلى تقييم نوعية الحياة التي عشناها. أما في الفترة بين بداية الحياة ونهايتها فيبدو أننا نصبحُ مأسورين بحاجات الحياة ومتطلباتها وإيقاعاتها المختلفة، ولا نعيرُ الكثير من الإهتمام والوقت متفكّرين في حتمية موتنا، وربما لا تمرّ ببالنا هذه الحقيقة إلا عندما نعاني خسارة أحد المقرّبين المحبوبين لنا.

لكنّ إدراك حقيقة الموت والتفكّر فيه، ومهما كان أمراً مصحوباً بقدر غير يسير من الحزن والألم؛ فقد يساعدُنا في تثمين قيمة الحياة، كما يمنحُ حيواتنا عمقاً ومعنى عظيميْن. عبّر الشاعر والاس ستيفنز Wallace Stevens عن هذا الأمر بأفضل ما يكون التعبير حينما قال: « الموتُ هو أمّ كلّ الجمال «.

في كلّ النقاشات الفلسفية التي أتيحت لي مع الأطفال كنتُ مأخوذة تماماً حدّ الدهشة غير المسبوقة للحجج الرصينة التي قدّمها الأطفال للإستكشاف الفلسفي، وبخاصة من حيث إنفتاحهم وقدرتهم على مقاربة الأسئلة الفلسفية بكيفية مشرقة ومفعمة بخيال فاتن؛ ومع أنّ التفكير الفلسفي المبكّر للأطفال يعكسُ بالضرورة كونهم مستجدّين في الممارسة الفلسفية لكنّ هذه الجدّة الفلسفية تشتملُ أيضاً على إنفتاح وقدرة على إعتماد طائفة واسعة متخيّلة من الحلول الإبداعية الممكنة.

الفلسفة بالنسبة للأطفال مسعىً تخيلي هائل تكتنفه قدرة غير محدودة على ملاعبة الحجج وتدويرها والنظر إليها من زوايا مختلفة، ويعكسُ الأطفال عبر هذا المسعى ما يُشارُ إليه أحياناً بِـ « عقل المبتدئ «، وهو إشارةٌ إلى مقاربة تجربة ما بالإعتماد على وجهة نظر (طازجة) غير مسبوقة أو غير معتمدة سابقاً وليست مما يتعامل معه الآخرون على أنه بداهة عامة، وفي هذا السياق يشيرُ الكاتب جون بانفل John Banville إلى الطفولة بكونها « حالةٌ من الدهشة المستعادة بكيفية ثابتة ومستمرّة «، وهو يعني بهذا « أنّ الطفل في كلّ لحظة جديدة يقابلُ شيئاً جديداً وغريباً له «.

يصفُ البالغون العيش في العالم أحياناً بأنه « عيشٌ في نطاق الممكن « ؛ في حين أنّ الأطفال منفتحون لتناول خيارات إبداعية خلاقة أخرى. عندما يصوّرُ الأطفالُ العالم من وجهة نظر الدهشة والإنفتاح الكامل على كل الخيارات الممكنة فهُمْ يَبدون أقلّ مكابدة لعبء المفترضات المسبقة بشأن ما يعلمونه عن العالم، وقد أجاد طفلٌ بعمر العاشرة في وصف هذه الحالة عندما قال: « لأنّ البالغين يعرفون الكثير عمّا هو حقيقي وعمّا هو ليس كذلك فقد صاروا أقلّ امتلاكاً للخيال القادر على تصوّر كلّ الإمكانيات المتاحة «.

عندما نغادرُ طور الطفولة فإننا نتحرّك بعيداً عن حالة الدهشة والإكتشاف المستديم، ويصبحُ تفكيرنا أقلّ انفتاحاً وأكثر انصياعاً لمقيّدات المعتقدات السائدة. عندما ندلفُ طور البلوغ نبدأ في تكريس قناعتنا بأننا صرنا نفهم (أو يُفتَرَضُ فينا أن نفهم) الطريقة التي يعمل بها العالم، وهذا أمرٌ من شأنه أن يضيّق إحساسنا بالممكنات المتاحة في هذا العالم. إنّ عقول الأطفال في المقابل أقلُّ تأثراً بعبء التفكير بما حسموا كونه في عداد « الإمكانيات المستحيلة « ؛ لذا فإنّ تصوراتهم لما هو ممكن في العالم تبقى أوسع طيفاً وأغنى تلوّناً بالمقارنة مع تصوّرات البالغين.

تتيحُ النقاشات الفلسفية مع الأطفال فرصاً لنوعٍ مختلف من التأثير التفاعلي بين البالغين والأطفال يتعدّى تلك العلاقة التفاعلية التقليدية بين مدرّس الفلسفة البالغ ذي السطوة الأكاديمية وبين الطفل المتلقي أو المعتمد السلبي على المعلومة. إنّ أسئلة الفلسفة، ولكونها ليست ذلك النوع من الأسئلة التي توجد لها إجابات ناجزة ونهائية فإنّ البالغين ليسوا في حاجة عندما يتعاملون مع الأطفال إلى تمثّل دور « خزائن الحكمة « و « مستودعات الحقيقة النهائية «. بدلاً من هذه الأدوار يمكن للبالغين أن يتشاركوا البحث والتنقيب الفلسفي مع الاطفال سعياً لبلوغ فهم أفضل للبُعد الفلسفي في الحياة البشرية عبر البحث والمساءلة الحثيثة للاسئلة المحيّرة التي تمثلُ أهمية لنا جميعاً، وفي خضمّ هذه النقاشات الفلسفية يمكن لنا جميعاً – بالغين وأطفالاً – الإستمتاعُ بتجارب مختلفة ووجهات نظر متباينة.

يتشاركُ البالغون والأطفال النقاشات الفلسفية وهم مزوّدون بقدرات مهمّة ومختلفة: يساهمُ البالغون في هذه النقاشات بتجارب الحياة، والتعقيد المفاهيمي، وقدرات متقدمة في اللغة والمحاججة: في حين أنّ الأطفال يأتون من غير أي خوف أو تقييدات معيقة لتفكيرهم الخلاق، وهُم في العادة لا يقلقون بشأن إرتكاب خطأ ما أو الظهور بمظهر الأحمق، فضلاً عن أنّ الأطفال يُبدون ترحيباً واسعاً لمشاركة أفكارهم بانفتاح لا تعيقه حدود.

الإعتراف بكون الأطفال مفكّرين فلسفيين بطريقتهم الخاصة يمنحهم الفرصة، وبطريقة واقعية للغاية، للنظر في أنفسهم بطريقة مختلفة باعتبارهم مفكّرين مستقلين ذوي قيمة معتبرة. علّق حديثا طفلٌ في العاشرة حول الفلسفة: « أحبُّ أن يكون لصوتي قيمة «. إنّ مثل هذه النقاشات الفلسفية ترسّخُ الإعتراف بالدور المميز للأطفال ووجهات نظرهم المهمّة في الحياة.

يمتلك الأطفال الكثير ممّا يمكن أن يعلّموه للبالغين، ولو أمكننا الإستجابة لهم من غير التفكير بأنهم « مجرّدُ أطفال « نستطيعُ حينها تعزيز التبادلات الفلسفية بصورة إنعكاسية بين الأطفال والبالغين، وهذا أمرٌ ستكون له تأثيراته الطيبة في توسيع منظوراتنا وتعميق علاقاتنا مع الأطفال. لا تفتأ أفكار الأطفال تذكّرُنا بالكيفية التي كنّا نرى بها العالم ونحنُ أطفالٌ صغار، وهذا ما يوفّرُ لنا منفذاً مناسباً لفهم أفكارهم. تجربة الإستماع إلى الأطفال تتطلّبُ منّا -كما يقولُ الفيلسوف غاريث ماثيوز Gareth Matthews – الترحيب بالتخلي عن « المفترضات التلقائية المسبقة عن أفضلية البالغين على الأطفال من حيث المعرفة والتجارب «، ويتطلّبُ هذا الأمر مقاربة النقاشات الفلسفية مع الأطفال ونحنُ مسكونون بإدراك أننا قد نتعلّمُ شيئاً جوهرياً منهم.

إنّ ممارسة الفلسفة ومشاركتها مع الأطفال تدعو البالغين للتفكير المعمّق في القدرات المميزة التي تحتويها الطفولة: الدهشة وشغف الفضول المعرفي، الإدراك المشعّ والخيال الفاتن، وإحساسٌ لا تحدّهُ حدود بالممكنات المتاحة، وهذه قدراتٌ لها القدرة والإمكانية في توسيع آفاق عالمنا الفلسفي وبثّ الحيوية فيه.

Facebook Comments Box

Share and Enjoy !

0Shares
0 0